حيث إن الكتاب المراد تحقيقه في الفقه، وليس من كتب المعتقد؛ لذا سأشير إلى أهم أمر غُمِزَ فيه القاضي - ﵀ - من جهة المعتقد، ويمكن حصر ذلك فيما يتعلق بصفات الله - ﷾ -، وقد تُكلِّم في القاضي - ﵀ - من جهتين:
الجهة الأولى: التفويض لمعاني الصفات، وهذا أمر قد ثبت عن القاضي - ﵀ -، قال ابن تيمية - ﵀ -: (… ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار، وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض … هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل … وتارة يفوِّضون معانيها، ويقولون: تُجرى على ظواهرها؛ كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك) (^١).
_________________
(١) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٤ و٣٥)، ولتفصيل ذلك، وذكر بعض =
[ ١ / ٤٤ ]
الجهة الثانية: رميه بالتجسيم، والتشبيه، حتى نُقِل عنه: أنه قال: (ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه، إلا اللحية والعورة) (^١)، وقد كذَّب هذا النقل شيخُ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وبيّن بطلان نسبته إلى أبي يعلى - ﵀ - (^٢).
وقد تكلّم غير واحد في كتاب أبي يعلى "إبطال التأويلات"، وأنه أتى فيه بالتجسيم المحض (^٣)، وهذا خطأ على أبي يعلى - ﵀ -؛ فإنه قد ألَّف كتابًا في الرد على المجسِّمة، بل بالغ حتى قال: بنفي الجسم (^٤)، ومعلوم أن هذه اللفظة لا يصرَّح بإثباتها ولا نفيها (^٥)؛ لعدم ورود نفيها لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في قول أئمة الإسلام، بل إن كتابه: "إبطال التأويلات"، ردٌّ على كتاب ألَّفه أحد علماء الأشاعرة (^٦)،
_________________
(١) = الأمثلة على هذا ينظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٨٦، ومذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٢٠٩، ولتفصيل عقيدة أبي يعلى من كتبه ينظر: القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان ص ٦٦ وما بعدها.
(٢) ذكر ذلك عن أبي يعلى أبو بكر بن العربي في: العواصم ص ١٨١.
(٣) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٣٨).
(٤) حتى قال ابن الأثير - ﵀ -: (أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض - تعالى الله عن ذلك -). الكامل (٨/ ٣٧٨).
(٥) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٩٢)، ودرء التعارض (٤/ ٢٠٩، ١٠/ ٢٥٨).
(٦) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٥٩).
(٧) وهو: كتاب ابن فورك المعروف بـ "مشكل الحديث وبيانه"، وبـ "تأويل الأخبار".
[ ١ / ٤٥ ]
وقد أثنى على الكتاب ابنُ تيمية - ﵀ - في الجملة؛ حيث قال: (وأكثرُ الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوعٌ من الحق مع كثير من الباطل) (^١).
هذه إشارة موجزة لِما وُجِّه لأبي يعلى - ﵀ - من انتقاد حول معتقده، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٤).
[ ١ / ٤٦ ]