إن الثروة العلمية الضخمة التي تركها القاضي أبو يعلى - ﵀ - دليل على كثرة علمه، وسعة اطلاعه، ودقة استنباطه، حتى شهد له القريب والبعيد بذلك.
بل لقد أصاب النظرَ فيه شيخُه الحسن بن حامد - ﵀ -، - شيخ الحنابلة في زمانه - حين أهَّله للتدريس مكانه حين ذهب للحج، وبعد موت شيخه ابن حامد تأهَّل هذا التلميذ النجيب - وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره - للتدريس مكان شيخه.
وترقّى أبو يعلى في العلم حتى بلغ رتبة الاجتهاد، وكتب عنه العلماء، وتزاحم عليه الطلاب، قال تلميذه أبو الوفاء بن عقيل - ﵀ -: (لم أُدْرك - فيما رأيتُ من العلماء على اختلاف مذاهبهم - مَنْ كمُلت له شرائطُ الاجتهاد المطلق إلا ثلاثةً) (^١)، وذكر أولهم القاضي أبا يعلى، وقال: (القاضي أبو يعلى المملوء عقلًا وزهدًا وورعًا) (^٢).
_________________
(١) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٢٣).
(٢) ينظر: الذيل على الطبقات (١/ ٣١٩).
[ ١ / ٤٠ ]
وقال ابنه أبو الحسين - ﵀ -: (كان عالم زمانه … وكان له في الفروع والأصول القدم العالي … وأصحاب الإمام أحمد - ﵀ - له يتبعون، ولتصانيفه يَدرُسُون ويُدرِّسون … والفقهاء - على اختلاف مذاهبهم وأصولهم - كانوا عنده يجتمعون … وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهب إمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، واختلاف الروايات عنه، ومما صح لديه منه …) (^١).
وقال: (معلوم ما خصَّ الله سبحانه هذا الوالد السعيد من النعم الدينية … وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره، لا يعرف في شرق الأرض وغربها شخص يتقدم في علم مذهبه عليه، أو يُضاف في ذلك إليه) (^٢).
وقال: (معلوم ما كان عليه شيوخ عصره، وعلماء وقته - من بين موافق ومخالف - من توقيرهم له في حداثة سنَّه، وسالف دهره، وأنه كان - إذ ذاك - معدودًا من الأماثل والأعيان، وشيوخ العلماء) (^٣).
وقال ابن الجوزي - ﵀ -: (انتهى إليه علم المذهب، وكانت له التصانيف الكثيرة في الأصول والفروع) (^٤).
_________________
(١) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٦٢).
(٢) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٧٥).
(٣) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٧٨).
(٤) ينظر: مناقب الإمام أحمد ص ٦٩٣.
[ ١ / ٤١ ]
وقال الذهبي - ﵀ - (^١): (شيخ الحنابلة، القاضي الحبر … صاحب التصانيف، وفقيه العصر، كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره … وجميع الطائفة معترفون بفضله، ومغترفون من بحره) (^٢).
وقال: (الإمام العلامة، شيخ الحنابلة … أفتى ودرّس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه) (^٣).
بل قال: (في الفقه ومعرفة مذاهب الناس، ومعرفة نصوص أحمد - ﵀ - واختلافها، فإمامٌ لا يدرَك قرارُه - رحمه الله تعالى -) (^٤).
وقال ابن كثير (^٥) - ﵀ -: (شيخ الحنابلة، وممهد
_________________
(١) هو: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، قال عنه ابن كثير: (الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين)، له مصنفات كثيرة، منها: تاريخ الإسلام، والميزان في الضعفاء، وطبقات القراء، وغيرها، توفي سنة ٧٤٨ هـ. ينظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٥)، والأعلام (٥/ ٣٢٦).
(٢) ينظر: العبر في خبر من غبر (٣/ ٢٤٥ و٢٤٦).
(٣) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩ و٩٠).
(٤) ينظر: تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٦٣).
(٥) هو: أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، الحافظ، المؤرخ، المفسر، له مصنفات عديدة، من أهمها: تفسير ابن كثير، والبداية والنهاية، توفي سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٤٥)، والأعلام (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٤٢ ]
مذهبهم في الفروع) (^١).
ومصنفات القاضي في الفقه والأصول، واختياراته وترجيحاته التي ينقلها العلماء في كتبهم، دليلٌ كافٍ على نبوغه وتبحُّره في علوم المذهب، فقلَّ أن تجد مسألة من المسائل الفقهية أو الأصولية إلا وله فيها أثر.
ولما كان القاضي بهذه المنزلة، فلا شك أنه من أولى من يتولى منصب القضاء؛ فقد ذكر ابنه أبو الحسين: أنه عُرِضَ القضاء على أبي يعلى فامتنع، فلما لم يجد بُدًّا من القبول، اشترط لتوليه بعض الشروط، منها:
١ - أن لا يحضر أيام المواكب.
٢ - أن لا يخرج في الاستقبالات.
٣ - أن لا يَقْصِد دار السلطان.
فأُجِيب إلى ذلك.
قال ابنه أبو الحسين - ﵀ -: (فأحيا الله بالوالد السعيد من صناعة القضاء ما أُمِيت من رسومها، ونَشَرَ ما طُوي من أعلامها، فعاد الحكم بموضعه جديدًا، والقضاء بتدبيره رشيدًا) (^٢).
* * *
_________________
(١) ينظر: البداية والنهاية (١٢/ ٩٤).
(٢) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٧٢ و٣٧٣)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٩٠).
[ ١ / ٤٣ ]