كان القاضي - ﵀ - ديِّنًا، عابدًا، زاهدًا، ورعًا، متعففًا، وصفه ابنه بأنه صاحب زهد وورع، وعفة وقناعة، وانقطاع عن الدنيا وأهلها، واشتغال بسطر العلم وبثِّه، وإذاعته ونشره (^١)، وقال في وصفه أيضًا: (من بحث عن أخلاقه وطرائقه وأخباره، لم يخفَ عليه موضعُه ومحلُّه، ولو بالغنا في وصفه، لكنَّا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقربَ؛ إذ انتشر على لسان الخطير والحقير ذكرُ فضله، سوى ما يُضاف إلى ذلك من الجلالة، والصبر على المكاره، واحتماله لكل جريرة إن لحقته من عدو، وزلل إن جرى من صديق، وتَعَطُّفِه بالإحسان على الكبير والصغير، واصطناع المعروف إلى الداني والقاصي، ومداراته للنظير والتابع … متميزًا بالزهادة على كافة أهل العلم … ومعلوم ما خصه الله تعالى به - مع موهبة العلم والديانة - من عزّ التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه أبواب السلاطين، وامتناعه - على ممر السنين - أن يقبل لأحد منهم صلة وعطيَّة، ولم تزل ديانتُهُ ومروءتُهُ
_________________
(١) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٦٢).
[ ١ / ٤٧ ]
لِمَا هذا سبيله أبيَّةً، وكان يقسم ليله كلَّه أقسامًا، فقسم للمنام، وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام.
ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوي المروءات، وخروج عن مألوفات العادات، فلم يُحْفظ عليه أنه خرج عن جميل عادته، ولا طرح المألوف من مروءته) (^١).
قال ابن الجوزي: (كان فقيهًا نَزِهًا متعففًا) (^٢)، وقال: (جمع الإمامةَ والفقه والصدق، وحسن الخلق، والتعبد والتقشف والخشوع، وحسن السّمت، والصمت عما لا يعني) (^٣).
وقال الذهبي: (كان ذا عبادة وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والمهابة … وكان متعففًا، نزه النفس، كبير القدر، ثخين الورع) (^٤).
وكان ينهى عن مخالطة أهل الدنيا، والنظر إليهم، والاجتماع بهم، ويأمر بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين (^٥).
وقال أبو الحسين - ﵀ -: إنه (في سنة إحدى وخمسين
_________________
(١) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٦٧ و٣٧٨ و٣٨٠).
(٢) ينظر: مناقب الإمام أحمد ص ٦٩٣.
(٣) ينظر: المنتظم (١٦/ ٩٩).
(٤) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٩٠ و٩١).
(٥) ينظر: المنهج الأحمد (٢/ ٣٧٣).
[ ١ / ٤٨ ]
وأربع مئة، لما وقع النهب ببغداد … انتقل الوالد السعيد … إلى البصرة وكان في داره … خبز يابس، فنقله معه، وترك نقل رحله؛ لتعذر من يحمله، واختار حمل الخبز اليابس على الرَّحل النفيس، وكان يقتات منه ويبُلُّه بالماء، وقال: هذه الأطعمة اليوم نُهُوب وغُصُوب، ولا أطعم من ذلك شيئًا، فبقي ما شاء الله يتقوَّت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلَّل من طَعْمِه إلى أن نفد، ولحق الوالدَ السعيدَ من ذلك الخبز … مرضٌ) (^١).
وكان من تمام ورعه أن أوصى أن لا يُكفَّن ولا يُدفن معه في قبره إلا ما غزله لنفسه من الأكفان (^٢)، فرحمه الله رحمة واسعة.
* * *
_________________
(١) ينظر: الطبقات (٣/ ٤١٣).
(٢) ينظر: المنتظم (١٦/ ٩٩).
[ ١ / ٤٩ ]