وروى وكيع قال: حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: لم يقنت أبو بكر ولا عمر - ﵄ - في الفجر.
وروى الشالنجي قال: حدثنا شبابة عن عبد الله (^١) بن ميسرة عن إبراهيم بن أبي حرة عن سعيد بن جبير - ﵁ - قال: أشهد لقد سمعت ابن عباس يسأل عن القنوت في صلاة الغداة فكرهه.
وروى الدارقطني بإسناده عن سعيد بن جبير - ﵁ - قال: أشهد أني سمعت ابن عباس - ﵄ - يقول: القنوت في صلاة الفجر بدعة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر، وعلي - ﵄ - القنوت.
قيل: أما عمر - ﵁ - فقد روينا عنه من جهات ترك القنوت، وروايتنا أولى؛ لأنه يعضدها قول غيره، أما ما روي عن علي - ﵁ - فقد روى
_________________
(١) تنبيه: حيث أن رسالة الدكتوراه لم تتناول جميع المخطوط الموجود فهي تبدأ من (١/ ٩٦) إلى نهاية الجزء الثالث، فقد قام المحقق بإكمال ما تبقى منه، وذلك بضبط النص بقدر الاستطاعة، والله الموفق. في الأصل: عبد الملك، والتصويب من سنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي، وينظر: الميزان (٤/ ٥٦٦).
[ ١ / ٨٥ ]
الشالنجي قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: إنما كان علي يقنت ها هنا؛ لأنه كان محاربًا ويدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب، وهذا يدل على أن قنوته لسبب، ونحن نجيز مثل هذا، وهو أنه يجوز للإمام أن يدعو إذا أدهمه العدو، وقد قال أحمد - ﵀ - في رواية المروذي، وأبي طالب: إذا كان في سرية وغزاة وقنت الإمام، دعا من خلفه.
فإن قيل: فتحمل أخباركم على أن النبي - ﷺ - نهى عن القنوت، وترك القنوت الذي كان يدعو به على قوم من العرب بأسمائهم، ونحن نمنع من ذلك.
قيل له: معلوم أن لم يكن جملة قنوته الدعاء على قوم من العرب، بل كان هذا وغيره من الأدعية التي كان علمها للحسن - ﵁ -، فيجب أن يحمل النهي والترك لجميع ذلك.
والقياس: أن هذه صلاة مفروضة فوجب أن لا يكون القنوت مسنونًا فيها، أصله: المغرب، ولا يلزم عليه (^١) الوتر؛ لأنه ليس بفرض، ولا يلزم عليه إذا قنت الإمام على العدو، ولأن (^٢) ذلك يستوي فيه الأصل والفرع؛ لأن المروذي روى عن أحمد أنه قال: يقنت في الفجر والمغرب.
فإن قيل: صلاة الفجر مخصوصة بالجهر بالقراءة في جميعها، وطول القراءة فيها، واختصاص أذانها بالتثويب، كذلك يجوز أن تختص بالقنوت.
_________________
(١) في الأصل: على.
(٢) كذا في الأصل: ولعل صوابها: لأن، بدون الواو.
[ ١ / ٨٦ ]
قيل: الجمعة تختص بالقراءة في جميعها، وتختص بشرائط كثيرة لا يشاركها فيها غيرها، ثم لم (^١) القنوت.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والصلاة الوسطى: صلاة الصبح، فدلّ على أن القنوت مستحب فيها.
والجواب: (^٢) علم أن الوسطى صلاة الصبح، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وعلى أنا لو سلمنا (٢) هذا الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة.
وروي عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، وقد قيل: القنوت طول القيام في الصلاة قال النبي - ﷺ -: "أفضل الصلاة طول القنوت" يعني: طول القيام. واحتج بما روى أنس - ﵁ - قال: ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا.
وروى أبو داود في سننه عن البراء بن عازب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقنت في صلاة الصبح.
والجواب: أنه يرويه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس، وأبو جعفر ضعيف، والربيع لم يلق أنس فهو مرسل، وعندهم أن المرسل ليس بحجة.
_________________
(١) سقط هنا بعض الكلمات لتمزق الورقة في الأصل.
(٢) سقطت بعض الكلمات لتمزق في الأصل.
[ ١ / ٨٧ ]
وقد تكلم أبو القاسم عبد الرحمن بن منده فيما كتب به إلى علي - ﵁ - هذا الحديث فقال: من الناس من يستدل على إقامة القنوت في صلاة الصبح بحديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في صلاة الفجر حتى فارق الدنيا، وذكر بعده بإسناده عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: أبو جعفر الرازي ليس بالقوي في الحديث، وقال: رواه ابن أبي حاتم وغيره عن عبد الله بن أحمد بن حنبل - ﵃ - وروى بإسناده عن قتادة عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان لا يقنت إلا إذا دعا على قوم أو دعا لهم، وهذا يدل على تعارض الرواية عن أنس وروى أيضًا عن معمر بن راشد، وإسحاق بن راشد عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يقنت في صلاة الفجر حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وذكر حديث عمرو بن عبد الغفار وغيره عن أبي جعفر عن الربيع عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر - ﵄ - يقنتون حتى مضوا، ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: عمرو بن عبد الغفار ضعيف متروك الحديث، إلى ها هنا كلام عبد الرحمن.
وعلى أنا روينا عن أنس - ﵁ - أنه قال: قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا ثم تركه.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أنه يكون قوله: قنت في صلاة الغداة بعد ما يفرغ من الصلاة ويسلم؛ لأن الصلاة قد يعبر بها عن الوقت
[ ١ / ٨٨ ]
يقال: … صلاة الفجر أو الظهر يعني وقت صلاة الفجر أو الظهر ويحتمل أن يكون قنت في صلاة الفجر يعني أطال القيام والقراءة فيها.
واحتج: بأنه دعاء مسنون في صلاة النافلة، فكان مسنونًا في صلاة الفرض، دليله: سائر الأدعية المسنونة.
والجواب: أنا نقلبه فنقول: وجب أن لا يختلف فيه صلاة الصبح وغيرها من الصلوات المفروضة، دليله: ما ذكرت، وإن قاسوا على قنوت الإمام على العدو فالمعنى فيه: أنها حال عذر، وقد يجوز في حال العذر (^١) ما لا يجوز في غيرها، بدليل: الصلاة راجلًا وراكبًا، لأنا نقول وجب أن لا تختص بالفجر، دليله: قنوت الإمام على العدو.
* * *