والدلالة على أنه إذا تكرر منه يبني على اليقين، وهو الأخذ بالأقل: ما تقدم من حديث أبي سعيد، وعبد الرحمن بن عوف - ﵄ -، وأن النبي - ﷺ - أمر بالبناء على اليقين (^١)، ولم يفرق بين أن يكون الشك قد تكرر، أو كان له غلب ظن، أو لم يكن.
فإن قيل: يحمل ذلك على من لم يكن له رأي.
قيل له: هذا تخصيص بغير دلالة، وعلى أن هذا مخالف لتعليل النبي - ﷺ -؛ لأنه أمر بالزيادة في حديث عبد الرحمن؛ ليكون الوهم في الزيادة دون النقصان، والعلة عندهم في ذلك غلبة الظن، فلم يصح.
والقياس: أنه شك في عدد الركعات قبل الفراغ من الصلاة، فوجب أن يبني على اليقين، أصله: إذا لم يكن له رأي، وفيه احتراز من الشك بعد السلام، فإنه لا حكم له؛ لأننا حكمنا بصحة صلاته، فلا ننقصه بالشك الطارئ بعده، وقد نص أحمد - ﵀ - على أن الشك الطارئ بعد الفراغ لا حكم له (^٢) في رواية جعفر بن محمد، وبكر بن محمد: في الذي
_________________
(١) مضى في (١/ ٣٧٥).
(٢) ينظر: المستوعب (٢/ ٢٧٠)، وبدائع الفوائد (٣/ ١٢٨٠)، والقواعد لابن رجب (٣/ ١٦٨)، والقواعد لابن اللحام (١/ ١٩)، ولم أقف على رواية جعفر، ولا رواية بكر بن محمد - رحمهما الله -.
[ ١ / ٣٨٢ ]
يشك في صلاته بعد خروجه منها: ليس بشيء، تمت صلاته، وليس عليه سجود سهو، وإن شئت قلت: شك في فعل ما يجب عليه قبل الحكم بسقوطه عنه، فلزمه البناء على اليقين، أصله: إذا لم يكن (^١) رأي.
وفيه احتراز: من الشك الطارئ بعد الفراغ من الصلاة، وهذه أولى من التي قبلها؛ لأنه ليس لتخصيص الركعات بالتعليل تأثير؛ لأن البناء على اليقين واجب، سواء كان الشك في عدد الركعات، أو في سائر أفعال الصلاة.
وأيضًا: فإنه لو شك هل صلى أم لا؟ فإنه يبني على اليقين، وهو أن يأخذ بأنه لم يصلِّ، كذلك إذا شك هل صلى الركعة الرابعة؟ لزمه فعلها، ولا فرق بينهما، وقد حرر من هذا دليل، وهو: أن كل ما لو شك في أصله بنى على اليقين، فإذا شك في عددٍ، بنى على اليقين؛ كالطلاق.
وقد منع بعضهم هذا، وقال: إذا شك هل صلى أم لا؟ فإنه مثل الشك في عدد الركعات، فإن كان ذلك أول ما أصابه، استأنف، وإن كان قد تكرر، تحرى، وعمل على ما يغلب على ظنه، وهذا فرار من الزحف، وخطأ على المذهب؛ لأن أبا حنيفة - ﵀ - قال فيمن نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة: يلزمه أن يصلي جميع الصلوات الخمس؛ ليتيقن قضاء ما نسيه منها (^٢)، ولم يقل: إنه يتحرى فيها، ويجعل هذا
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: لم يكن له رأي.
(٢) ينظر: تحفة الفقهاء (١/ ٣٦٧)، وبدائع الصنائع (١/ ٦٠٠).
[ ١ / ٣٨٣ ]
دليلًا في المسألة.
فنقول (^١): إذا نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة لا يعرف عينها، فإنه يجب عليه أن يعيد جميع الصلوات الخمس؛ ليتيقَّن فعل المنسية، ولا يجوز أن يتحرى، ويعمل على ما يغلب على ظنه، كذلك إذا شك هل صلى الركعة الرابعة، أو لم يصل؛ لأن فعل ركعة واحدة أسهلُ من فعل خمس صلوات، فإذا وجب عليه فعلُ الخمس ليؤدي ما عليه بيقين، كان فعلُ الركعة الواحدة أولى.
فإن قيل: إنما أمرناه بإعادة الصلوات الخمس؛ لأن من شرط الصلاة تعيينَ النية لها، ولا يمكن تعيين المنسية إلا بأن يعيد الجميع، وليس كذلك ها هنا، فإنه لا يحتاج إلى تعيين النية.
قيل: إنه كان يجب أن يتحرى، فما غلب على ظنه، يَقْضِه، ويعين النية لها، ويجزئه.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن عليه صلاة واجبة بيقين، وإنما شك في عينها، وليس كذلك في مسألتنا، فإنه شاكّ هل يجب عليه ركعة أخرى، أم لا؟
قيل له: فلا فرق بينهما؛ لأنه شك في الأصل في غير الصلاة، وفي الفرع في فعلها، فإذا لم يجز التحري في طلب عينها، لم يجز في طلب فعلها.
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٥)، والفروع (١/ ٤٤٣).
[ ١ / ٣٨٤ ]
واحتج المخالف: بما تقدم من حديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، تحرى الصواب، وسجد سجدتين" (^١).
قالوا: وروى ابن عمر - ﵄ - أيضًا التحري عند الشك (^٢).
وروى شعبة (^٣)، [عن] (^٤) عمرو بن دينار، عن سليمان اليشكري (^٥)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أنه قال في الوهم: يتحرى، قال: قلت: عن النبي - ﷺ -؟ فقال: عن النبي - ﷺ - (^٦).
والجواب: أن الرواية الصحيحة عن أبي سعيد: ما رواه أحمد - ﵀ -: "إذا شك أحدكم في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين،
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ٣٧٧).
(٢) رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر - ﵄ -، في كتاب: الصلاة، باب: إتمام المصلي ما ذكره إذا شك في صلاته، رقم (٣١٦ و٣١٨)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٣٤٦٩).
(٣) ابن الحجاج بن الورد العَتَكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، قال ابن حجر: (ثقة، حافظ، متقن)، توفي سنة ١٦٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٢٧٠.
(٤) في الأصل: و، والتصويب من المسند.
(٥) سليمان بن قيس اليَشْكري، البصري، قال ابن حجر: (ثقة)، توفي قبل الثمانين من الهجرة. ينظر: التقريب ص ٢٥٢.
(٦) رواه أحمد في المسند رقم (١١٣٤٩)، وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط في المسند (١٧/ ٤٤٨).
[ ١ / ٣٨٥ ]
فليجعلْهما (^١) واحدة، وإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلْهما اثنتين، حتى يكون الوهم في الزيادة" (^٢)، وهذا نص في البناء على اليقين، وعلى أن المراد به: فليقصد الصواب، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]؛ أو قصدوا رشدًا (^٣).
والصواب: هو البناء على اليقين، فكأنه قال: فليقصد البناء على اليقين، وتكون الدلالة على هذا حديث أبي سعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وهما مفسران.
واحتج: بما روى أبو داود (^٤) عن النُّفَيلي (^٥)، عن محمد بن سلمة، عن خُصَيف (^٦)، عن أبي عبيدة (^٧) بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) في الأصل: فيجعلهما، والتصويب من المسند.
(٢) مضى تخريجه (١/ ٣٧٦).
(٣) كذا في الأصل، ولعلها: [أي] بدل [أو]، ينظر: تفسير البغوي (٥/ ١٦١).
(٤) في سننه، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يُتمُّ على أكبر ظنه، رقم (١٠٢٨).
(٥) هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نُفَيل، أبو جعفر، النفيلي الحراني، قال ابن حجر: (ثقة حافظ)، توفي سنة ٢٣٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٤٠.
(٦) ابن عبد الرحمن الجزري، أبو عون، قال ابن حجر: (صدوق، سيئ الحفظ)، توفي سنة ١٣٦ هـ. ينظر: التقريب ص ١٨٠.
(٧) ابن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، مشهور بكنيته، قال ابن حجر: (والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه: عامر، كوفي، … والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه)، وروايته في الكتب الستة، توفي بعد الثمانين من =
[ ١ / ٣٨٦ ]
قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاثٍ وأربعٍ، وأكبرُ ظنك على أربعٍ، تَشهَّدتَ، ثم سجدت سجدتين وأنت جالسٌ قبل أن تسلِّم، [ثم] (^١) تَشهَّدتَ أيضًا، ثم تسلِّم" (^٢).
والجواب: أن أبا داود قال في كتابه (^٣): عبد الواحد بن زياد (^٤) عن خصيف، عن أبي عبيدة (^٥)، عن أبيه، ولم يرفعه، وهذا يدل على أنه ليس من قول النبي - ﷺ -.
وهكذا رواه أحمد - ﵀ - في المسند (^٦) موقوفًا على ابن مسعود.
وعلى أن الخبر مُطَّرَح الظاهر؛ لأنه أمر بالتشهد، ثم سجد سجدتي
_________________
(١) = الهجرة. ينظر: التقريب ص ٧١٣.
(٢) في الأصل: (و)، والتصويب من سنن أبي داود.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم (٤٠٧٥)، وقد أشار أبو داود في سننه بعد إيراده للحديث أنه موقوف كما ذكر القاضي - ﵀ -، قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٨٢): (وهذا حديث مختلف في رفعه ومتنه، وخصيف غير قوي، وأبو عبيدة، عن أبيه مرسل).
(٤) السنن، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يُتمُّ على أكبر ظنه، رقم (١٠٢٨).
(٥) العبدي مولاهم، البصري، قال ابن حجر: (ثقة)، توفي سنة ١٧٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٩٩.
(٦) في الأصل: عبيد.
(٧) رقم (٤٠٧٦).
[ ١ / ٣٨٧ ]
السهو قبل السلام، ثم بالتشهد، ثم بالسلام، وهذا متروك بالإجماع.
واحتج: بأنه لا يتوصل إلى أداء فرضه من جهة اليقين، فجاز له أن يجتهد؛ قياسًا على وقت الصلاة في يوم غيم، وإذا اشتبهت عليه جهة القبلة، والأواني، والثياب إذا كان بعضها طاهرًا وبعضها نجسًا، وكذلك تُقوّم المستهلكات، وتقدير أُروش الجنايات، ونفقة الزوجات، وكذلك إذا شهر عليه رجل سلاحه، فإنه يتحرى، وإن غلب على ظنه أنه يقتله، جاز قتله.
والجواب: أنه إذا شك في دخول الوقت، وكذلك القبلة، يمكنه أن يصلي أربع ركعات إلى أربع جهات، فيكون قد أدى فرضه بيقين، فسقط قوله: لا يتوصل إلى أداء فرضه بيقين في الوقت، والقبلة، وعلى أن الوقت عليه أمارات في يوم الغيم من جهة ما يعتاده الناس من قدر الأعمال، فيستدل بذلك عليه، فأُجِيز له الاجتهاد، كذلك القبلة، وأروش الجنايات، ونفقة الزوجات، وإذا شهر سلاحه عليه، عليه أمارات، وهو الرجوع إلى قول المقوِّمين، وسعر مثل ذلك في السوق، فإن ذلك أمارة، ونفقة الزوجة عليه أمارة، وهو نفقة مثلها يعتبر من نساء بلدها، وهذه أمارة، وكذلك إذا شهر سلاحه عليه أمارة، وهو أنه ينظر إلى حال مثله هل ينكفّ عنه بقطع يده، أو قطع رجله، ونحو ذلك؟ فهذه أمارة، وأما الأواني، والثياب، فلا يتحرى فيها على أصلنا، وليس كذلك إذا سهى، فعرض له الشك، فإنه لا دليل عليه، فأُمِر بالبناء على اليقين، كما إذا نسي صلاة من يوم لا يعرف عينَها، فإنه لا يتحرى في طلبها، وكذلك إذا تيقن الطهارة،
[ ١ / ٣٨٨ ]
وشك في الحدث، لا يتحرى، بل يبنى على اليقين؛ لأنه لا دليل عليه، كذلك ها هنا.
فإن قيل: فإذا كانت ليلة مظلمة، والرياح ساكنة، والسماء متغيّمة، فليس هناك دلالة على الوقت، ومع هذا يتحرى.
قيل له: إن كانت له صنعة يَعْرِفُ بها، فإنه يرجع إليها، وتلك أمارة، وإن لم يكن له، لم يجز التحري، ولزمه التأخير حتى يغلب على ظنه دخول الوقت، بل إن خفيت عليه دلائل القبلة بسكون الرياح، والظلام، والغيم، فإنه يصلي على ما يغلب عليه ظنه (^١)، وفي الإعادة وجهان، ذكرهما أبو بكر في كتاب الشافي، والصحيح: أنه يعيد لعدم الأمارة.
فإن قيل: قد كان يمكنه أداء فرضه بيقين في حال اشتباه القبلة، وهو أن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات، فكان يجب أن يلزمه ذلك.
قيل: قد بينا أن هناك أمارة تدل على القبلة، وعلى أن الأمر (^٢) بذلك أمرٌ بالخطأ، فلهذا أمر بالاجتهاد، وليس كذلك في مسألتنا، وهو البناء على اليقين؛ لأنه ليس فيه أمره بالخطأ، فلهذا بنى على اليقين، كما إذا نسي صلاة من يوم لا يعرفها.
وجميع ما استدللنا به على أبي حنيفة - ﵀ - فهو دلالة على
_________________
(١) ينظر: الانتصار (٢/ ١٦٩)، والمغني (٢/ ١٠٧ و١١٣).
(٢) في الأصل: المر، والتصويب من هامش المخطوط.
[ ١ / ٣٨٩ ]
من قال من أصحابنا (^١) بالتحري في حق الإمام؛ لأن في حديث أبي سعيد (^٢)، وعبد الرحمن بن عوف (٢) الأمرَ بالرجوع إلى اليقين، ولم يفرق بين الإمام، والمنفرد، وكذلك ما ذكرنا من القياس عليه إذا لم يكن له غالب ظن، وإذا نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها؛ ولأنه مصلٍّ شك في فعل ما يجب عليه قبل الحكم بسقوطه، فيجب أن يبني على اليقين؛ كالمنفرد.
فإن قيل: فرضه اليقين؛ بدليل: أنه لا يرجع عنه إلى غيره، فلهذا لم يتحر، وليس كذلك الإمام؛ لأنه ليس فرضه اليقين؛ بدليل: أنه إذا سبَّح به اثنان فصاعدًا، رجع إلى قولهما، وترك يقينَ نفسه، وإذا لم يكن فرضه اليقين، جاز له التحري.
قيل: فكان يجب أن يبني على اليقين إلى أن يظهر له قول غيره، ويرجع عليه، كالحكم يُبنى في الدعاوى على اليقين، وهو براءة الذمم، ولا تُقبل الدعوى حتى تظهر شهادة شاهدين، فيرجع عن ذلك إلى قولهما.
واحتج: بما تقدم من حديث ابن مسعود في التحري (^٣)، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية (^٤).
_________________
(١) كالخرقي - ﵀ - في مختصره ص ٥٠.
(٢) مضى تخريجه (١/ ٣٧٦).
(٣) مضى في (١/ ٣٧٧).
(٤) في الأصل: بما في كتابه، والصواب المثبت، كما سيأتي في الصفحة التي تليها.
[ ١ / ٣٩٠ ]
واحتج: بما روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة - ﵁ -، وذكره أبو بكر: أن النبي - ﷺ - "صلى إحدى صلاتي العشاء، فصلى ركعتين، ثم سلَّم، وأتى خشبةً في المسجد"، وذكر الخبر (^١).
وروى أيضًا أحمد - ﵀ - بإسناده عن عمران بن حصين - ﵁ -، وذكرها أبو بكر -: أن النبي - ﷺ - سلم من ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وذكر الخبر (^٢).
فوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - كان إمامًا قد بنى على غالب رأيه؛ لأنه لو بنى على الأقل، لم يسلِّم من نقصان.
والجواب: أنه ليس في الخبر ما يدل أن النبي - ﷺ - شك في صلاته، بل الظاهر: أنه كان [على] يقين من فعله (^٣)، ولهذا قال له ذو اليدين: أَقُصِرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: "لم أنس، ولم تُقصر"، وهذا يدل على أنه كان على يقين من فعله.
واحتج: بالسؤال الذي تقدم، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية.
* * *
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ١٩٨).
(٢) مضى تخريجه في (١/ ٢٠٠).
(٣) في الأصل: كان يقين من فعله. والصواب المثبت كما في السطر الذي يليه.
[ ١ / ٣٩١ ]