والدلالة على أنه يسجد بعد السلام إذا سلم، وقد بقي عليه شيء
_________________
(١) ينظر: (١/ ٤٠٣).
(٢) ينظر: (١/ ٤١٣).
[ ١ / ٤١٩ ]
من صلاته، وإذا تحرى، فبنى على غالب ظنه: ما تقدم من حديث أبي هريرة - ﵁ - (^١)، وعمران بن حصين - ﵁ - (^٢)، وأن النبي - ﷺ - لما سلَّم وقد بقي عليه شيء، سجد بعد السلام.
وحديث ابن مسعود - ﵁ - في التحري قال فيه: "ويسجد بعد السلام" (^٣).
فإن قيل: لا يصح الاحتجاج بحديث أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة كان يفتي بسجدتي السهو قبل أن يسلم (^٤)، وروى عنه ابن المنذر (^٥)، والدارقطني (^٦) بخلاف ما روى، لم يجز الاحتجاج به.
قيل له: لا نقول هذا، بل نحتج به، ولهذا قلنا: في حديث ابن عباس - ﵄ - في بريرة، وأن النبي - ﷺ - خيّرها (^٧)، وإن كان من مذهبه أن
_________________
(١) في (١/ ٢٠٠، ٢٠١).
(٢) في (١/ ٢٠١، ٢٠٢).
(٣) ينظر: (١/ ٤١٣).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٤٧٧)، والترمذي في أبواب السهو، باب: ما جاء في سجدتي السهو قبل التسليم، رقم (٣٩١)، وصحح إسناده الألباني في صحيح الترمذي.
(٥) في الأوسط (٣/ ٣٠٨).
(٦) في العلل (٩/ ٣٧٧).
(٧) أخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة، رقم (٥٢٨٣)، وليس فيه تصريح بالتخيير، وأخرجه صراحة أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في المملوكة تُعتق وهي تحت حر أو عبد، رقم =
[ ١ / ٤٢٠ ]
بيع الأمة طلاقها (^١).
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة هذا في قصة ذي اليدين (^٢)، وروى قول رسول الله - ﷺ -: "إذا صلى أحدكم، فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" (^٣)، والقول أولى من الفعل.
قيل له: إنما يكون أولى إذا لم (^٤)، ونحن نحمل قوله - ﷺ -: "سجد قبل السلام" في غير هاتين الحالتين.
فإن قيل: فالرواية مختلفة عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، فروى عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث وأربع، وأكبرُ ظنك على أربع، تشهدتَ، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم" (^٥).
_________________
(١) = (٢٢٣٢)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، وأخرج البخاري في كتاب: العتق، باب: بيع الولاء وهبته، رقم (٢٥٣٦)، ومسلم في كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق، رقم (١٥٠٤) التخيير في حديث عائشة - ﵂ -.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه رقم (١٩٤٧)، والطبري في تفسيره عند قول الله - ﷿ -: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦/ ٥٦٦).
(٣) مضى تخريجه في (١/ ٢٠٠، ٢٠١).
(٤) مضى تخريجه في (١/ ٤٠٨).
(٥) بياض في الأصل بمقدار جملة، ولعلها: يمكن الجمع.
(٦) مضى تخريجه في (١/ ٣٨٧).
[ ١ / ٤٢١ ]
قيل له: الصحيح عن ابن مسعود متصلًا، وموقوفًا على خلاف هذا، وأنه يسجد بعد السلام، فالمتصل: ما رويناه عن الأثرم والنجاد (^١)، والموقوف: ما رواه أحمد - ﵀ - في المسند قال: نا محمد بن فضيل قال: نا خصيف: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "إذا شككت في صلاتك وأنت جالس، فلم تدر ثلاثًا صليت أم أربعًا، فإن كان أكبرُ ظنك أنك صليت ثلاثًا، فقم فاركع ركعة، ثم سلم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، وإن كان أكبرُ ظنك صليت أربعًا، فسلم، وأسجد سجدتين، ثم سلم" (^٢).
فإن قيل: فما رُوي في حديث أبي هريرة، وابن مسعود - ﵄ - منسوخ بما رُوي عن الزهري - ﵁ -: أنه قال: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام (^٣).
ويدل عليه: أن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - روى السجود قبل السلام (^٤)، وهو متأخر الإسلام.
قيل له: لا خلاف في جواز الأمرين جميعًا، وإنما الكلام في الأولى
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ٣٨٥).
(٢) مضى في (١/ ٣٨٧).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب: الصلاة، باب من قال: يسجدهما قبل السلام، رقم (٣٨٣٦) وفي سنده مطرف بن مازن، قال البيهقي: (غير قوي). ينظر: سنن البيهقي (٢/ ٤٨١).
(٤) مضى في (١/ ٤٠٨).
[ ١ / ٤٢٢ ]
والأفضل، فلا معنى لادعاء النسخ فيه.
فإن قيل: يحمل ما رويتم على السلام الذي في التشهد، وهو قوله: السلام [عليك] (^١) أيها النبي؛ بدلالة حديث ابن بحينة - ﵁ -، وأن النبي - ﷺ - سجد قبل السلام (^٢)، وكذلك حديث أبي سعيد - ﵁ -، وأن النبي - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلْيبنِ على اليقين، ويسجد قبل السلام" (^٣)، وحديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - (^٤).
قيل له: في أخبارنا ما يمنع من هذا التأويل، أما حديث أبي هريرة - ﵁ -، ففيه: أن النبي - ﷺ - تشهد، ثم سلم، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم تشهد (^٥)، وفي حديث عمران بن حصين - ﵁ - (^٦) نحو ذلك؛ لأنه قال: فصلَّى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، وهذا يقتضي صلَّى جميع الركعة، ثم سجد بعد السلام، وكذلك في حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتمه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين" (^٧)، وهذا يقتضي السجود بعد تمام
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(٢) مضى في (١/ ٤٠٣).
(٣) مضى تخريجه (١/ ٣٧٥).
(٤) مضى تخريجه (١/ ٣٧٦).
(٥) مضى في (١/ ٢٠١).
(٦) مضى في (١/ ٢٠٢).
(٧) مضى تخريجه في (١/ ٣٧٧).
[ ١ / ٤٢٣ ]
الصلاة؛ لقوله: "فليتمه، ويسلم"، والتمام عادة عن الفراغ، وعلى أن السلام إذا أطلق، عقل منه السلام الذي يتحلل به من الصلاة، ألا ترى أنه قال: "تحليلها التسليم" (^١)، فعقل منه السلام المعهود، وهو الذي يقع به التحلل فيها، فمن استعمل أخبارنا في السلام المذكور في التشهد، فقد أزالها عن ظاهرها، وما رووا من الأخبار، فنقول بظاهرها فيما وردت فيه، غير الحالتين اللتين ذكرناهما، ومن استعمل الأخبار على ظاهرها، كان أسعد ممن صرف بعضها عن مقتضاها.
وأيضًا: فإن الصلاة عبادة لها تحليل وتحريم، فكان من أفعالها ما يفعل بعد التحليل منها؛ كالحج منه ما يُفعل بعد التحلل، وهو طواف الزيارة، والرمي.
ولأنها عبادة لا يقف وجوبها على وجود مال، فكان جبرانها ما يفعل بعد الخروج؛ كالصوم من جبرانه ما يُفعل بعد الخروج منه، وهو الصوم في كفارة الوطء.
ولا معنى لقولهم: إن زمان الصوم لا يقبل غيره، فلهذا وجب تأخير
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه، رقم (٦١٨)، والترمذي في كتاب: الطهارة، باب: أن مفتاح الصلاة الطهور، رقم (٣)، وابن ماجه في كتاب: الطهارة، باب: مفتاح الصلاة الطهور، رقم (٢٧٥)، من حديث علي - ﵁ -: قال الترمذي: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن)، قال ابن حجر: (أخرجه أصحاب السنن بسند صحيح). ينظر: الفتح (٢/ ٤١٧).
[ ١ / ٤٢٤ ]
صوم الكفارة بعد الخروج من الصيام، وقبل السلام، وهو محل لفعل السجود، فلهذا وجب فعله قبل التحلل؛ لأنه لا يمتنع أن يكون محلًا للسجود، ويؤخر عنه، كما أن قبل يوم النحر زمان للصوم لا يجوز صوم السبعة في دم التمتع، بل يجب تأخيره، كذلك ها هنا.
واحتج: بأنه سجود تعلق بالسهو، فكان محله قبل السلام، دليله: سائر المواضع غير الموضعين.
والجواب عنه: ما تقدم في الفصل الأول مع أبي حنيفة - ﵀ -.
* * *