والدلالة على أبي حنيفة: أنه شرع في الثانية قبل كمال الأولى، فلم يعتد بما فعله؛ كما لو ترك السجدتين.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يأت بأكثر أفعال الركعة، كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد أتى بأكثر من أفعال الركعة.
قيل له: إذا أتى بتكبيرة الافتتاح، والقيام، والقراءة، والركوع، فقد أتى بأكثر أفعال الركعة، وبقيت عليه السجدتان، وهما أقل مما أتى به، فلم يصح قوله: إنه لم يأت بأكثر الركعة في الأصل، وعلى أن الأكثر لا يقوم مقام الركعة ها هنا؛ لأن السجدة الثانية باقية عليه، ولا بد من فعلها، ولو كان الأكثر قائمًا مقام الركعة، لوجب أن يسقط ما بقي منها، ولمّا لم يسقط، لم يصح قوله.
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٤٣٧ ]
ولأن السجدة الثانية فعلٌ واجب من أفعال الصلاة، فوجب أن يكون الترتيب بينه وبين ما بعده واجبًا.
دليله: سائر أفعال الصلاة من الركوع لا يصح قبل القيام والقراءة، ولا يصح السجود قبل الركوع، كذلك يجب أن لا يصح القيام في الركعة الثانية قبل أن تصح السجدة الأخيرة.
وعبر بعضهم [عن] هذا المعنى بعبارة أخرى، فقال: ترتيب مستحق في الصلاة، لا يسقط مع الذكر، فلا يسقط السهو؛ كترتيب الركوع على السجود.
وأجاب المخالف عن هذا: بأن الترتيب بين السجدات غير مستحق مع الذكر؛ فإنه لو ترك سجدة من ركعة، وقام إلى الركعة الأخرى مع الذكر، لم تفسد صلاته.
واحتج المخالف: بأن السجدة الثانية مفعولة على وجه التكرار، فجاز أن يسقط الترتيب بينها وبين الأولى، فيثبت حكم السجدة الأولى من الركعة الثانية قبل ثبوت حكم السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ كما قلنا في صيام أيام من رمضان، وركعات الصلاة: إن الترتيب يسقط فيها بهذه العلة، ولا يلزم عليه تقديم السجود على الركوع؛ لأنه لا يجوز؛ لأن السجود والركوع غير مفعولين على وجه التكرار، فجاز أن يثبت بينهما.
والجواب: أنَّ لا نسلم أن الثانية مفعولة على وجه التكرار؛ لأن بين الثانية والأولى جلسة الفصل، وهي واجبة عندنا، فتكرار السجدتين في ركعة، كتكرار السجود والركوع في كل ركعة.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وجواب آخر: وهو أن هذا يلزم عليه السعي؛ فإنه مفعول على وجه التكرار، ويجب الترتيب بينه وبين ما قبله من الطواف، وعلى أن الصيام لا مدخل للترتيب فيه، وليس كذلك الركوع والسجود؛ لأن للترتيب مدخلًا فيه.
وأجاب بعضهم عن هذا بجواب آخر، فقال: كل يوم من قضاء رمضان عبادة مفتقرة، والعبادات إذا تقدمت في الوجوب، سقط فيها الترتيب، وليس كذلك السجود؛ فإنه ركن من أركان صلاة واحدة، وإن كانت الصلاة يجب فيها الترتيب، ولا يثبت ركن حتى يثبت ما قبله، ألا ترى أنه لا يثبت الركوع حتى يثبت القيام قبله، ولا يثبت السجود حتى يثبت الركوع قبله؟ كذلك لا يثبت القيام في الثانية حتى يثبت السجود الذي قبله، وهذا يصح على أصلنا في الفرع، فأما معارضة الأصل، فلا يصح على أصلنا؛ لأن الترتيب قد يستحق في العبادات، وهو قضاء الفوائت.
واحتج: بأنه أتى بأكثر أفعال الركعة، فوجب أن لا تنعقد الركعة، ويثبتُ حكمُها؛ كالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، وتابعه في بقية الركعة: أنه يثبت حكمها؛ لأنه أتى بأكثر أفعالها.
والجواب: أن المسبوق لم يبق عليه من الركعة شيء، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه قد بقي عليه من الركعة السجدة الثانية، فلم يصح ما بعدها، على أنه منتقض به إذا بقيت عليه السجدتان؛ فإنه قد أتى بأكثر أفعال الركعة من الوجه الذي بيّنا، ومع هذا، فلا يحتسب له بما يفعله في الركعة الثانية.
[ ١ / ٤٣٩ ]