نص عليه في مواضع فقال في رواية مهنا: فمن ترك الصلاة سنين فلا يصلي صلاة مكتوبة إلا في آخر وقتها حتى يقضي التي عليه من الصلاة.
ونقل عبد الله أيضًا: فمن ترك الصلاة شهرًا يعيد ما ترك حتى يضعف، فإن خاف فوت صلاة بدأ بالتي يخاف فوتها ثم قضى بعد ذلك، وكذلك نقل صالح وغيره.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يستحق الترتيب في خمس
_________________
(١) في الأصل: العدو.
[ ١ / ٨٩ ]
صلوات فما دون، ولا يستحق فيما زاد على ذلك.
وقال الشافعي، وداود رحمهما الله: الترتيب غير مستحق في الجملة.
فالدلالة على وجوب الترتيب في الجملة: أنه فرض الصلاة مجمل في الكتاب مفتقر إلى البيان، وفعل النبي - ﷺ - إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب.
وقد روى جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فلما كان هويّ من الليل قام فصلاهن على الترتيب، فدل ذلك على وجوبه.
فإن قيل: المجمل في القرآن أفعال الصلاة، وتقديم الصلاة على الصلاة ليس من أفعال الصلاة.
قيل: المراد بالأمر في كتاب الله تعالى فعل الصلاة في مواقيتها، يدل عليه أن فعله لما وقع في الصلوات المعهودة في مواقيتها اعتقدت الصحابة رضوان الله عليهم وجوبها في هذه الأوقات، وإذا كان ذلك مرادًا كان ترتيبه للفوائت في مواقيتها بيانًا لأوقاتها.
فإن قيل: الأمر بالصلاة في القرآن هو الأمر بالأداء في وقتها، والقضاء ثبت بدليل آخر، فلم يكن ما فعله في القضاء بيانًا للمجمل في القرآن (^١).
قيل له: والقضاء له أصل في القرآن ويحتمله، ففعله بيان له.
وأيضًا قوله - ﷺ -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقد صلى مرتبًا، فوجب أن يُصلى كما صلى.
_________________
(١) في الأصل: الف، وأصاب ما بعدها طمس، وتحتمل الكلمة: القرآن، والفائتة.
[ ١ / ٩٠ ]
وأيضًا بما روى أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها إلا ذلك" فجعل وقت الذكر أخص بالفائتة (^١) الوقت فلا يجوز تقديم صلاة الوقت على الفائتة كالفجر والظهر لما اختصت كل واحدة بوقت لزم فيهما الترتيب.
فإن قيل: هذا حجة لنا من وجه وهو: أنه إذا كانت عليه صلاة صبح منسية، وظهر بعدها منسية، وذكر الظهر أن يصح فعل الظهر قبل الصبح لقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها" وهذه قد ذكرها.
قيل له: الخبر يقتضي صلاة مذكور بقوله "من نام عنها أو نسيها" وإذا … (^٢).
وأيضًا روى شيخنا في كتابه عن [أبي] (^٣) إبراهيم الترجماني قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (^٤) عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي يصلي ثم ليعد".
ورواه أبو بكر في كتاب التنبيه عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي
_________________
(١) طمس في آخر السطر بمقدار كلمة.
(٢) في الأصل بياض بمقدار عشر كلمات.
(٣) ساقطة من الأصل، والتصويب من السنن الكبرى للبيهقي.
(٤) في الأصل: الترجماني، والتصويب من سنن الدارقطني، والتحقيق لابن الجوزي.
[ ١ / ٩١ ]
عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "يصلي التي هو فيها ويقضي التي ذكر ويقضي التي كان فيها".
والقياس: أنه ترتيب في الصلاة يستحق مع بقاء الوقت فلم يسقط بفواته، وكون الصلاة في الذمة، دليله: ترتيب الركوع والسجود.
أو نقول: ترتيب مستحق في الأداء، فوجب أن يكون مستحقًا في القضاء، دليله: ما ذكرنا، ولأنهما صلاتان واجبتان مفعولتان في وقت يتسع لهما، فوجب أن يكون الترتيب بينهما واجبًا، كصلاتي عرفة، ولا يلزم عليه إذا كان ناسيًا؛ لأن التعليل لوجوب الترتيب في الجملة، ولا يلزم عليه إذا ذكرها في آخر الوقت؛ لأن الوقت لا يتسع لهما، ولا يلزم عليه جواز النافلة قبل الفائتة؛ لقولنا: واجبتان.
فإن قيل: قوله: صلاتان، لا تأثير له؛ لأنه لا فرق عندك بين الصلاتين، وبين الصلوات.
قيل له: الترتيب وإن كان ثابتًا في أكثر من صلاتين، فإنما ثبت بين كل صلاتين أولى فأولى حتى يستغرق جميعها فإنه يثبت بين الفجر والتي يليها، وكذلك بين الظهر والتي يليها على هذا حتى يستغرقها (^١).
فإن قيل: لما لم يسقط الترتيب بين الركوع والسجود، وبين صلاتي عرفة مع النسيان (^٢) يسقط مع الذكر، وفي مسألتنا يسقط مع النسيان فسقط مع الذكر.
_________________
(١) طمس بمقدار كلمة.
(٢) طمس بمقدار كلمة.
[ ١ / ٩٢ ]
قيل له: لا يمتنع أن يكون الترتيب شرطًا في الفوائت، ويختلف حال النسيان والذكر كالإمساك في (^١) هو شرط ويختلف تركه مع النسيان والذكر، وترك الكلام عند مخالفنا.
فإن قيل: إنما وجب الترتيب في المجموعتين؛ لأن الثانية تبع للأولى، وليس كذلك الفائتتان؛ لأنهما أصلان.
قيل: لا يمتنع أن يكونا أصلين ويدخلهما الترتيب كالحجة المفروضة، والمنذورة، والفائتة، والحاضرة إذا تضايق وقت الحاضرة، والطهارة، والصلاة تترتب الطهارة على الصلاة.
واحتج المخالف: بما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبتدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسيها".
والجواب: أنا نحمله عليه إذا ذكر الفائتة وهو في الصلاة آخر الوقت، وعلى أنا نقابله بما روى ابن عمر - ﵄ -، وهو أولى؛ لأن فيه زيادة، والأخذ بالزائد أولى.
واحتج: بأنهما صلاتان اتفقا في الوجوب، فوجب أن لا تترتب في الصحة، دليله: إذا كان الوقت ضيقًا، وفيه احتراز من صلاتي عرفة، فإن صلاة العصر غير واجبة في وقت الظهر، وإنما رخص في فعلها على سبيل التبع، فإذا لم توجد المتبوعة لم تصح التابعة، والفوائت كلها متفقة في الوجوب.
_________________
(١) طمس بمقدار كلمة.
[ ١ / ٩٣ ]
والجواب: أنه لا تأثير لقوله: صلاتان؛ لأن الصلوات، وقضاء رمضان، واجتماع الزكوات من سنين لا يجب الترتيب فيها، فتخصيص الصلوات بالترتيب لا تأثير له، وعلى أن المعنى في الأصل إنما سقط الترتيب في هذه الحال؛ لأنه لو قدم الفائتة لفائتة صلاة الوقت فيصليهما جميعًا في غير وقتهما، ولأن يصلي واحدة في وقتها أولى من أن يصليهما في غير وقتهما، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا، وعلى أنه ينتقض به إذا تضايق وقت الحاضرة، فإنه يجب ترتيب الحاضرة.
واحتج: بأنهما عبادتان إذا ضاق وقت أداء الفائتة سقط الترتيب فيهما، فوجب إذا ثبتا في الذمة سقط الترتيب فيهما كصوم يومين من رمضان فإنه لو ترك اليوم الأول من رمضان فإن صوم اليوم الثاني يضيق فيه إذ لا وقت له غيره ثم يصوم اليوم الثاني وعليه صوم اليوم الأول، وكذلك إذا فاتا جميعًا كذلك ها هنا، وربما قالوا: عبادة واجبة لا تمتنع نفلًا من جنسها فمنعت فرضًا من جنسه.
والجواب: أن الصيام والزكاة لا يعتبر الترتيب من جنسه، وليس كذلك الصلوات فإن ذلك يعتبر في جنسها بدليل المجموعتين.
واحتج: بأنها عبادات اتفقت في الوجوب فلم تترتب في الصحة، دليله: الصلاة مع الصيام، والصيام مع الحج، والحج مع الزكاة.
والجواب: أنه يبطل بالطهارة مع الصلاة، والحجة المفروضة مع المنذورة، والفائتة مع الحاضرة إذا تضايق وقت الحاضرة، وصوم القضاء مع صوم رمضان في شهر رمضان فإن الترتيب مستحق في جميع ذلك
[ ١ / ٩٤ ]
إن كان الوصف موجودًا في ذلك، وعلى أن الترتيب غير معتبر في تلك العبادات ألا تراه غير معتبر في حال أدائها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه معتبر في الصلوات ألا تراه معتبرًا في حال الأداء فكان معتبرًا في حال القضاء كترتيب الركوع والسجود.
واحتج: بأن ترتيب الصلوات غير مقصود، وإنما ترتيب لترتيب أوقاتها، فإذا فاتت أوقاتها سقط الترتيب في قضائها كما يسقط التفريق بينهما، وكما أن صوم رمضان يجب متتابعًا لتتابع وقته فإذا فات الوقت سقط التتابع في القضاء. والجواب: أنه لو كان الترتيب لأجل الوقت لسقط في الجمع لعدم الوقت في حق الثانية، ولأن الوقت لم يوضع في الأصل للترتيب، وإنما هو شرط في جواز الصلاة وإنه متى لم يدخل الوقت لا يجوز فعلها فأما أن يقال: أنه وضع للترتيب فلا.