[ ١ / ١٤١ ]
وقد أطلق أحمد القول بأن جميعها عورة، فقال في رواية النسائي (^١): كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وكذلك قال في رواية أبي داود: إذا صلت لا يرى منها ولا ظفرها، وتغطي (^٢) كل شيء منها (^٣)، وهذا محمول على ما عدا الوجه؛ لأنه قد نص في رواية [] (^٤) فيمن خطب امرأة فله أن ينظر إلى الوجه.
وقد ذكر الخرقي ذلك، قال: وإذا انكشف من المرأة شيء سوى وجهها، أعادت (^٥).
وقد أومأ أحمد - ﵀ - في موضع آخر إلى أن جميعها عورة إلا الوجه والكفين (^٦)، وقال في رواية حرب (^٧)، ومحمد بن أبي حرب
_________________
(١) هو: جعفر بن محمد، وقد مضت ترجمته ص ٩٧.
(٢) في الأصل: يغطي، والتصويب من مسائل أبي داود.
(٣) في مسائله (٢٨٠).
(٤) بياض في الأصل. ولعلها من رواية صالح كما جاء في المغني (٩/ ٤٩٠) ولم أقف عليها في المطبوع من مسائله.
(٥) في مختصره ص ٤٨. والخرقي هو: أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله، من أئمة المذهب الحنبلي، بل قال الذهبي: (شيخ الحنابلة)، له: المختصر المشهور، توفي سنة ٣٣٤ هـ. ينظر: الطبقات (٣/ ١٤٧)، وسير الأعلام (١٥/ ٣٦٣).
(٦) ينظر: الجامع الصغير ص ٤٢، والفروع وتصحيحه (٢/ ٣٥)، والإنصاف (٣/ ٢٠٧).
(٧) ينظر: الفروع (٨/ ١٨٣)، والمبدع (٧/ ٩)، والإنصاف (٢٠/ ٤٣). =
[ ١ / ١٤٢ ]
الجرجرائي (^١): في البائع تأتيه المرأة، فينظر في كفها ووجهها، فإن كانت عجوزًا، رجوت، وإن كانت شابة تُشتهى، فإني أكره ذلك. فظاهر هذا: أن الكفين ليسا بعورة؛ لأنه أجاز النظر إليها إذا كانت عجوزًا، وبهذا قال مالك (^٢)، والشافعي (^٣) - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: جميعها عورة إلا الوجه، والكفين، والقدمين (^٤).
فالدلالة على أن الكفين والقدمين من العورة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
_________________
(١) = وحرب هو: ابن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، قال الخلال: (رجل جليل القدر)، وقال الذهبي: (مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة)، توفي سنة ٢٨٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٨٨)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٤).
(٢) في الأصل: الجرجائي، وينظر: الفروع (٨/ ١٨٣)، والإنصاف (٢٠/ ٤٣). ومحمد هو: ابن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي، ذكره أبو بكر الخلال فقال: (ورع …، جليل القدر، كان أحمد يكاتبه، ويعرف قدره، ويسأل عن أخباره). طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩٥).
(٣) ينظر: الإشراف (١/ ٢٦٢)، وبداية المجتهد (١/ ١٦٧).
(٤) ينظر: الأم (٢/ ٢٠١)، والأوسط (٥/ ٧٠).
(٥) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٢٨، والهداية (١/ ٤٥).
[ ١ / ١٤٣ ]
وروى أبو بكر (^١) في كتابه قال: نا أحمد بن محمد (^٢) قال: نا حرب بن إسماعيل (^٣) قال: نا يحيى (^٤) قال: نا شريك (^٥) عن أبي إسحاق (^٦)،
_________________
(١) هو: غلام الخلال، وقد مضت ترجمته. وقد مضت الإشارة إلى الاحتمال بين الخلال، وغلامه، عند ذكر رواية أبي بكر للأحاديث والآثار، ومن المراد به منهما، والذي جعله هنا الغلام، هو ذكر شيخه الخلال بعده في السند، وهذه قرينة أبطلت الاحتمال. كما أنه في ص ١٨٨ ذكر المؤلف أثرًا برواية أبي بكر، وابنُ قدامة جعله مما أخرجه الخلال. المغني (٢/ ٣١٢). ولا يمنع أن يكون الغلام رواه عن شيخه.
(٢) هو الخلال، وقد مضت ترجمته.
(٣) الكرماني، قال الذهبي: (ما علمت به بأسًا)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٥)، وقد مضت ترجمته.
(٤) يوجد أكثر من واحد يحمل هذا الاسم، ويروي عن شريك، وأقربهم اثنان: الأول: يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو زكريا، قال الذهبي: (الحافظ الإمام الكبير)، وقال ابن حجر: (حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث)، توفي سنة ٢٢٨ هـ، والثاني: يحيى بن أبي بكير أبو زكريا الكرماني، كوفي الأصل، سكن بغداد، وثقه غير واحد، قال الإمام أحمد: (ما أكيسه!)، توفي سنة ٢٠٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٩٧، ١٠/ ٥٢٦)، والتقريب ص ٦٥٧ و٦٦٤.
(٥) مضت ترجمته.
(٦) هو: عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال: علي الهمداني، الكوفي، الحافظ، شيخ الكوفة، المعروف: بأبي إسحاق السبيعي، روى عن جمع من الصحابة، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة ١٢٧ هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: سير =
[ ١ / ١٤٤ ]
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (^١)، عن عبد الله في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: الثياب (^٢).
وهذا يدل على أنَّ ما عدا ذلك عورة لا يجوز لها إبداؤه.
فإن قيل: فقد رُوي عن عبد الله: أنه قال: إلا ما ظهر منها الثياب، والقُرْط، والدملوج، والخَلْخال، والقلادة (^٣).
_________________
(١) = أعلام النبلاء (٥/ ٣٩٢)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤).
(٢) كذا في الأصل، ولم أقف على أحد من أصحاب ابن مسعود - ﵁ - يطلق عليه هذا الاسم، فلعل لفظة: (جابر) زائدة، ويكون المراد - كما في مصادر تخريج الأثر -؛ حيث ورد في بعض طرقه: أن الراوي عن ابن مسعود هو: عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، الإمام الفقيه، أبو بكر النخعي، قال ابن حجر: (ثقة)، توفي سنة ٨٣ هـ. ينظر: سير الأعلام (٤/ ٧٨)، والتقريب ص ٣٨١.
(٣) أخرج الأثر عن ابن مسعود - ﵁ -، من غير الطريق الذي ساقه المؤلف: ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (١٧٢٨٢)، والطبري في تفسيره (١٧/ ٢٥٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٦٠)، رقم (٩١١٥)، والحاكم في مستدركه في كتاب: تفسير سورة النور، رقم (٣٤٩٩)، وصححه، ووافقه الذهبي، قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٣٩): (وأخرجه الطبري في تفسيره من طرق جيدة عن ابن مسعود).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره عند تفسير الآية، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٦٠) رقم (٩١١٦ و٩١١٧)، وقال في المجمع (٧/ ٨٢): (رواه الطبراني بأسانيد مطولًا ومختصرًا، ورجال أحدها رجال الصحيح). =
[ ١ / ١٤٥ ]
وروي عن ابن عباس - ﵄ -: الوجه، والكفان (^١).
قيل له: إذا اختلفوا فيما عدا الثياب، وجب أن يتعارضوا، ويخرج من الآية ما اتفقوا عليه، وهو الثياب، وما اختلفوا يبقى على ظاهر الآية، وهو المنع من إبدائه ولو خُلِّينا والظاهر، لقلنا: إن الوجه من العورة أيضًا، لكن قام الدليل على تخصيص ذلك.
وروى أيضًا بإسناده عن أم سلمة - ﵂ -: أنها سألت النبي - ﷺ -: أتصلي المرأة في درع وخمار (^٢) ليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها" (^٣)، وهذا يدل على أن قدميها
_________________
(١) = والقرط: نوع من الحلي يعلق في شحمة الأذن. والدملوج هو: سوار تضعه المرأة في عضدها. والخلخال: ما تلبسه المرأة من الحلي، وموضعه الساق. ينظر: المخصص لابن سيده (١/ ٣٧٢)، والنهاية في غريب الحديث (قرط)، ولسان العرب (قرط، خلل).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (١٧٢٨١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: عورة المرأة الحرة، رقم (٣٢١٤)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٦/ ٢٠٠).
(٣) درع المرأة: قميصها، والخمار: هو النصيف، وقيل: ما تغطي به المرأة رأسها. ينظر: لسان العرب (درع، خمر).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في كم تصلي المرأة؟ رقم (٦٤٠)، والدارقطني في: ما يجوز أن تصلي فيه المرأة من الثياب، رقم (١٧٨٥)، =
[ ١ / ١٤٦ ]
عورة يجب سترها.
وذكر شيخنا (^١) في كتابه عن ابن عمر - ﵄ - قال: ذكر أزواج النبي - ﷺ - ما يدلين من الثياب؟ قال: شبرًا، فقلت: شبرًا قليل تخرج منه العورة. قال: "ذراع" (^٢)، فسمَّت القدمين عورةً؛ لأن الكناية عنها، ولم ينكر ذلك النبي - ﷺ -، وأمر بأن يدلين الثوب أسفلَ من الكعبين ذراعًا، مع نهيه الرجال عن سَبْل الإزار أسفلَ الكعبين.
وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر المؤدب (^٣) من أصحابنا بإسناده
_________________
(١) = والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما تصلي فيه المرأة من الثياب، رقم (٣٢٥٠)، قال ابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٣٤٨)، وابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ١١٣): (فيه مقال، وهو أن عبد الرحمن بن عبد الله: ضعفه يحيى، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به)، وفيه أم محمد لا تعرف، وصوب بعضهم وقفه. ويراجع: الإرواء (١/ ٣٠٣).
(٢) هو: الحسن بن حامد، مضت ترجمته عند ذكر شيوخ أبي يعلى في ص ٣٣.
(٣) أخرجه أحمد رقم (٢٦٦٨١)، وأبو داود في كتاب: اللباس، باب: في قدر الذيل، رقم (٤١١٧)، والنسائي في كتاب: الزينة، باب: ذيول النساء، رقم (٥٣٣٨)، وأخرجه الترمذي في كتاب: اللباس، باب: ما جاء في جر ذيول النساء من حديث ابن عمر - ﵄ -، رقم (١٧٣١)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٤٦٠).
(٤) لعله: محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن كنانة، أبو بكر المؤدب، الحنبلي، توفي سنة ٣٦٦ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٥١)، والفروع (٢/ ٤٢٢).
[ ١ / ١٤٧ ]
عن ابن مسعود - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "المرأة عورة" (^١)، وهذا يدخل تحته الكفان، والقدمان، والوجه أيضًا، إلا أن الإجماع خص الوجه، وبقي ما عداه على موجب الظاهر.
والقياس: أن الكفين والقدمين لا يجب كشفه في الإحرام، فوجب أن يكون (^٢) عورة منها، أصله: سائر بدنها، وعكسه الوجه، لما وجب عليها كشفه في الإحرام، لم يكن عورة.
واحتج المخالف: بأن اليدين والقدمين تظهران في العادة، وهو موضع الزينة، فأشبه الوجه.
والجواب: أنه يظهر في العادة منها عنقُها، وساعدُها، وبعض ساقها، وهذا كله عورة، فانتقض ما قاله.
واحتج: بأن اليدين عضو لا يجوز لها أن تغطيه في الإحرام بما عمل على قَدِّه (^٣)، وهو القفازان، فلم يكن عورة.
دليله: الوجه:
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، رقم (١١٧٣) وقال: (حديث حسن غريب)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب: جماع أبواب صلاة النساء في جماعة، باب: اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، رقم (١٦٨٥)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٣٠٣).
(٢) كذا في الأصل، ولعل الأصوب: لا يجب كشفهما في الإحرام، فوجب أن يكونا.
(٣) القدّ: قدر الشيء. ينظر: لسان العرب (قدد).
[ ١ / ١٤٨ ]
لا يجوز أن تغطيه بالبُرْقع (^١).
والجواب: أن المعنى في الوجه: أنه يجب عليها كشفه في الإحرام، واليدين: لا يجب كشفهما، فهما كالقدمين، والساقين، والله تعالى أعلم.
* * *