نص على هذا في رواية الميموني فيمن صلى وعورته مكشوفة؟ فقال: إذا كان قليلًا، فلا بأس (^٢)، وكذلك نقل عبد الله عنه: في المرأة تصلي وبعضُ ساعدها مكشوفة؟ فقال: أو بعض شعرها، فإن كان شيئًا يسيرًا، فأرجو (^٣).
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: إذا انكشف من العورة المغلظة مقدار الدرهم، لم تبطل صلاته، وإن انكشف أكثر منه (^٤)، وإن انكشف من الفخذ، أو من شعر المرأة، أو ساقها، أو بطنها، أقل من الربع، لم تبطل صلاتها،
_________________
(١) البُرْقُع، والبُرْقَع، والبُرْقُوعُ: تلبسها نساء الأَعراب، وفيه خَرْقان للعينين. ينظر: اللسان (برقع).
(٢) لم أجد رواية الميموني فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب، وينظر في تفصيل المذهب: المغني (٢/ ٢٨٧)، والإنصاف (٣/ ٢٢٠).
(٣) في مسائله رقم (٢٧٩).
(٤) كذا في الأصل، وكان فيه سقطًا، ولعله: (أكثر منه بطلت صلاته).
[ ١ / ١٤٩ ]
وإن انكشف الربع فصاعدًا، بطلت صلاتها (^١).
وقال الشافعي - ﵀ -: تبطل الصلاة، يسيرًا كان أو كثيرًا (^٢).
فالدلالة أنه إذا كان يسيرًا، لم تبطل صلاته: ما احتج به أحمد - ﵀ -، ورواه أبو بكر بإسناده عن عمرو بن سلمة - ﵁ - قال: لما رجع قومي من عند رسول الله - ﷺ -، قالوا: إنه قال لنا: "ليؤمَّكُم أكثرُكُم قراءة للقرآن"، قال: فدعَوْني، فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلِّي بهم، وعليّ بردةٌ مفتوقة (^٣)، فكانوا يقولون لأبي: غَطِّ اسْتَ (^٤) ابنِك (^٥).
ولا يجوز أن يُحمل ذلك على الكثير، فلم يبق إلا أنه كان يسيرًا،
_________________
(١) ينظر: المبسوط (١/ ٣٥٤)، وفتح القدير (١/ ١٨١).
(٢) ينظر: الأم (٢/ ١٩٩)، والأوسط (٥/ ٧١). وعند المالكية: تعيد ما دامت في الوقت. ينظر: المدونة (١/ ٩٤)، ومواهب الجليل (٢/ ١٧٨).
(٣) أي: مخروقة مشقوقة تظهر منها العورة. ينظر: حاشية السندي شرح سنن النسائي (٢/ ٤٠٤).
(٤) الاست - بكسر الهمزة -: من أسماء الدبر. ينظر: حاشية السندي شرح سنن النسائي (٢/ ٤٠٤).
(٥) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في كتاب: القبلة، باب: الصلاة في الإزار، رقم (٧٦٧)، وبنحوه البخاري في صحيحه، في كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح رقم (٤٣٠٢).
[ ١ / ١٥٠ ]
فلولا أنه لم يُبطل الصلاة، لم يتبعوه في الإمامة، ومعلوم أن هذا انتشر فيما بينهم، ولم يُنقل عن أحد منهم نكير، فصار كالإجماع.
وأيضًا قوله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (^١)، فظاهر هذا: أنه إذا كان عليها (^٢) خمار، فانكشف موضع من بدنها: أن الصلاة صحيحة؛ ولأن كل ما صحت الصلاة مع كثيره حالَ العذر، فُرِّق بين كثيره وقليله في غير حال العذر؛ كالمشي في الصلاة تجوز الصلاة مع كثيره في حال العذر، وهو حال المسايفة (^٣)، ويفرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر، فيعفى عن الخطوة والخطوتين، كذلك كشف العورة، لما صحت الصلاة مع كثيره في حال العذر، وهو إذا لم يجد ما يستر عورته، جاز أن يفرق بين كثيره وقليله في غير حال العذر، ولا يلزم عليه الحدث؛ لأن الصلاة لا تصح مع كثيره في حال العذر، ولا مع قليله أيضًا؛ لأنه لو عدم الماء أو بعضه، وعدم التراب، فإنه يصلي على حسب حاله، ويعيد، فلهذا لم يفرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر؛ ولأنه لو حل مئزره بغير اختيار، فرده عن قرب، لم تبطل صلاته، كذلك إذا انكشف منها
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ١٢٩).
(٢) في الأصل: عليه، والصواب المثبت.
(٣) في الأصل: المسابقة، وهو تصحيف. ينظر: العدة في أصول الفقه (٥/ ١٥٣٩)، ورؤوس المسائل للعكبري (١/ ٢١٥). والمسايفة هي: المجالدة، واستاف القوم، وتسايفوا: تضاربوا بالسيوف. ينظر: لسان العرب (سيف).
[ ١ / ١٥١ ]
يسير (^١) في جميع الصلاة، يجب أن يعفى عنه؛ لأن اليسير في زمان الكثير يجري مجرى الكثير في زمان يسير، وقد روى المروذي عنه: في الرجل يصلي في ثوب واحد، فينكشف عن فرجه، فيصلحه؟ فقال: ما سمعت فيه شيئًا (^٢).
وروى عنه ابن منصور: إذا كان ذلك بالقرب، فقد توقف في موضع عن القول في ذلك بالصحة والبطلان، وقطع به في رواية ابن منصور: أنه لا يعيد إذا كان بالقرب (^٣).
وقد احتج بعض من نصر هذه المسألة: بأن كشف العورة يجري مجرى (^٤)؛ لأنه يختص بالموضع، ولا يتعدى حكمه إلى غيره كالنجاسة.
ولأن العورة على ضربين: مغلظة، وهي: القبل والدبر، ومخففة، وهي الفخذ؛ لأن فيها نصًا متأولًا، وهو حديث أبي بكر، وعمر - ﵄ - (^٥).
_________________
(١) في الأصل: يسيرًا.
(٢) لم أقف على رواية المروذي، وقد اطلعت على رسالة علمية مقدمة في جامعة أم القرى لنيل درجة الدكتوراه بعنوان (مسائل الإمام أحمد في العبادات الخمس عدا الحج برواية أبي بكر المروذي) للشيخ د/ عبد الرحمن الطريقي - وفقه الله -، ولم يذكر هذه الرواية.
(٣) في مسائله رقم (٣٤٨).
(٤) كذا في الأصل، وثمة نقص، لعله: الحدث، فتكون الجملة: يجري مجرى الحدث.
(٥) مضى ذكره وتخريجه في (١/ ١٣٢).
[ ١ / ١٥٢ ]
والنجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، ومخففة: وهي ما عدا ذلك.
ولأن ستر العورة لا بدل له، وغسل النجاسة لا بدل له، ثم ثبت أنه يعفى عن يسير النجاسة، وهو أثر الاستنجاء، ودم البراغيث، كذلك يجب أن يعفى عن يسير العورة، ولا يلزم على هذا الحدث؛ لأنه يتعدى محله؛ ولأن له بدلًا، فلهذا لم يفرق (^١) قليله وكثيره، وهذا الدليل غير مستقيم على أصلنا؛ لأن ستر العورة يتعدى محله عندنا، وهو أنه يجب عليه أن يستر منكبيه في الصلاة، وليس من العورة؛ ولأن غسل النجاسة له بدل عندنا، وهو أنه إذا لم يجد ماء يزيلها، وجب عليه أن يتيمم لها، وليس القدر الذي يعفى عنه من النجاسة مما يلحق المشقة غالبًا، وليس هذا المعنى موجود [ًا] في ستر العورة، فهو بالمشي في الصلاة أشبهُ؛ لأنه لا تدعو الحاجة إليه، وقد فرق بين قليله و[كثيره]، كذلك في ستره العورة.
واحتج المخالف: بما تقدم (^٢) من حديث جرهد: أن النبي - ﷺ - قال له: "غَطِّ فخذَك؛ فإن الفخذ عورة"، وهذا أمر بتغطيته يعم القليل والكثير.
والجواب: أنه إنما أمره بذلك في غير صلاة؛ لأنه أصار (^٣) عليه
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل اللفظ يستقيم بـ (بين).
(٢) (١/ ١٣١).
(٣) كلمة غير واضحة المعنى، والسياق يدل على المراد، وهو: أنه مرَّ به؛ كما في المسند رقم (١٥٩٢٦).
[ ١ / ١٥٣ ]
وهو في المسجد، وعندنا: أنه يجب تغطية جميعه في غير الصلاة؛ لأجل الناظرين، ولأن دليل الخطاب يقتضي أنه إذا غطى فخذه، وانكشف يسيرًا من قبله أو دبره، تصح صلاته؛ لأنه قد امتثل ما أُمر به، وعندهم: لا تصح صلاته.
واحتج: بأنه صلى وبعضُ عورته مكشوفة من غير عذر، فوجب أن لا تصح صلاته.
دليله: الكثير.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الكثير بالقليل في مسألتنا؛ كما لم يجز اعتباره في المشي في الصلاة، وكذلك النجاسة.
واحتج: بأنه حكم تعلق بالعورة، فاستوى فيه القليل والكثير.
دليله: تحريم النظر.
والجواب: إنه إنما سوّينا بينهما في تحريم النظر، لأنه يستوي فيه القليل والكثير؛ في نفي المشقة على الناظر، وإمكان التحرز، وليس كذلك في ستر العورة؛ لأنه قد يشق التحرز من الستر منهما، لا سيما في حق المرأة مع القيام، والقعود، واختلاف الأفعال؛ ولأن تحريم النظر مجمع عليه، فهو أغلظ.
وستر العورة مختلف فيه، فإن مالكًا - ﵀ - لا يجعله شرطًا، فهو أخف (^١)؛ ولأن ستر العورة حق لله خالص، وتحريم النظر حق آدمي،
_________________
(١) ينظر: (١/ ١٢٧).
[ ١ / ١٥٤ ]
وهو هتك حرمته، فهو آكد، ألا ترى أنه لو أكل ناسيًا في صومه، لم يفطر، ولو أكل طعام الغير وهو لا يشعر، ضمن؟ وكان الفرق بينهما: أن أحدهما حق لله تعالى، والآخر لآدمي.
واحتج: بأنه سبب من أسباب الصلاة المنافية لها، فاستوى فيه القليل والكثير؛ كالحدث.
والجواب: أنه يبطل بالمشي، فإنه ينافي الصلاة، ويفرق بين قليله وكثيره في حال العذر، وهذا تصح (^١) الصلاة مع كثيره في حال العذر، فجاز أن يفرق بين القليل والكثير في غير حال العذر.