_________________
(١) في الأصل: يصح.
[ ١ / ١٥٥ ]
نص على هذا في رواية حنبل، وقد سئل عن الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده، هل يأتزر به ويصلي؟ قال: لا أرى ذلك مجزئًا عنه (^١)، فإن كان الثوب لطيفًا، صلى قاعدًا، أو عقد من ورائه، ويجزئه أن يأتزر بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء في صلاة التطوع (^٢).
وقال أبو حنيفة (^٣)، ومالك (^٤)، والشافعي (^٥) - ﵏ -: لا يجب عليه ذلك.
دليلنا: ما روى أحمد (^٦) - ﵀ -، وذكره أبو بكر قال: ثنا سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج (^٧)، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يصلِّي الرجلُ في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (^٨)، وهذا
_________________
(١) في الأصل: قال: أرى ذلك مجزئًا عنه، والصواب المثبت. وينظر: المغني (٢/ ٣١٧)، وفتح الباري (٢/ ١٥٦).
(٢) ينظر: الإنصاف (٣/ ٢١٣ و٢١٤)، وتصحيح الفروع (٢/ ٣٧)، وفتح الباري (٢/ ١٥٦).
(٣) ينظر: المبسوط (١/ ١٣٣)، وبدائع الصنائع (٢/ ٩٠).
(٤) ينظر: المدونة (١/ ٨٥)، والمعونة (١/ ١٦٦).
(٥) ينظر: الأم (٢/ ٢٠٢)، والمجموع (٣/ ١٢٦).
(٦) في المسند رقم (٧٣٠٧، ٩٩٨٠).
(٧) هو: عبد الرحمن بن هرمز، المعروف: بالأعرج، أبو داود، روايته في الكتب الستة، قال الذهبي: (الإمام الحافظ)، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٦٩)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٥٦٢).
(٨) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في الثوب الواحد، =
[ ١ / ١٥٦ ]
نهي يدل على فساد المنهي عنه، وروى أبو داود بإسناده (^١) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا صلى أحدكم في ثوب، فَلْيخالِفْ بطرفيه على عاتقيه" (^٢)، وهذا أمر، فاقتضى الوجوب.
وروى ابن شاهين (^٣) في كتاب المناهي (^٤) بإسناده عن ابن بريدة (^٥) عن
_________________
(١) = فليجعل على عاتقيه، رقم (٣٥٩)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد، وصفة لبسه، رقم (٥١٦).
(٢) في كتاب: الصلاة، باب: جماع أثواب ما يصلى فيه، رقم (٦٢٧).
(٣) بنحوه أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في الثوب الواحد، فليجعل على عاتقيه، رقم (٣٦٠).
(٤) لم أقف على رواية ابن شاهين، ولا على كتابه المناهي. وابن شاهين هو: عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد، أبو حفص، المعروف بابن شاهين، قال الذهبي: (الشيخ الصدوق، الحافظ العالم، شيخ العراق)، له مؤلفات كثيرة، منها: التفسير الكبير، وشرح مذاهب أهل السنة، وناسخ الحديث ومنسوخه، توفي سنة ٣٨٥ هـ. ينظر: سير الأعلام (١٦/ ٤٣١).
(٥) في الأصل: المباهي. والمثبت هو الصواب، وقد أشار ابن شاهين إلى كتابه المناهي في ناسخ الحديث ومنسوخه في ثلاثة مواضع: ص ٣٣٨ و٤٥٨ و٤٦١.
(٦) هو: عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل، المروزي، روى عن جمع من الصحابة، وروايته في الكتب الستة، توفي سنة ١٠٥ هـ. ينظر: التهذيب (٢/ ٣٠٧)، والتقريب ص ٣٠٨.
[ ١ / ١٥٧ ]
أبيه - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي الرجل - يعني: في ملاءة (^١) - ليس عليه غيرها إلا [أن] يتوشح بها (^٢)، وأن يصلي في سراويل ليس عليه رداء" (^٣).
وروى شيخنا (^٤) في كتابه عن أبي خالد (^٥)، عن ابن عجلان (^٦)،
_________________
(١) الملاءة: الإزار. ينظر: لسان العرب (ملأ).
(٢) التوشح: أن يتشح بالثوب - أي: يلبسه -، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. ينظر: اللسان (وشح).
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من قال: يتزر به إذا كان ضيقًا، رقم (٦٣٦)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما يستحب للرجل أن يصلي فيه من الثياب، رقم (٣٢٧٦)، والحاكم في المستدرك، رقم (٩١٤) وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وللفائدة: ينظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٧٨ و١٧٩)، والسلسلة الصحيحة رقم (٢٩٠٥).
(٤) هو ابن حامد - ﵀ -.
(٥) هو: سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر، الكوفي، روايته في الكتب الستة، توفي سنة ١٨٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٨٩).
(٦) هو: محمد بن عجلان، المدني، القرشي، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة، أبو عبد الله، قال ابن حجر: (صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة)، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٦٤٦)، والتقريب ص ٥٥٢.
[ ١ / ١٥٨ ]
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (^١).
وروى شيخنا بإسناده عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد لا يُدخل مَنْكِبيه فيه" (^٢).
وروى أبو بكر بإسناده عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - صلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه (^٣).
وإذا ثبت هذا من فعله، دخل تحت قوله - ﷺ -: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلَّي" (^٤)، وروى أبو بكر بإسناده عن سهل بن سعد - ﵁ - قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أُزْرِهم في أعناقهم من ضيق الأُزر خلف رسول الله - ﷺ - كأمثال الصبيان، قال: فقال قائل: يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال (^٥).
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ١٢٩).
(٢) بنحوه أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومضى في (١/ ١٢٩).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، رقم (٣٥٤)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الواحد، رقم (٥١٧) من حديث عمر بن أبي سلمة.
(٤) مضى تخريجه (١/ ١٢٨).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: إذا كان الثوب ضيقًا، رقم (٣٦٢)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يرفع الرجال، رقم (٤٤١).
[ ١ / ١٥٩ ]
وهذا يدل على وجوب ستر المناكب؛ لأنهم فعلوه مع ضيق الثياب وقلتها.
والقياس: أنه سترٌ وجبَ لا لأجل النظر، فلم يقف على ستر العورة.
دليله: كفن الميت.
فإن قيل: ستر الميت أعم في الإيجاب؛ لأنه يجب ستر جميع بدنه، ولا يجب مثل هذا في الصلاة.
قيل: فهذا يؤكد؛ لأنه إذا وجب ستر جميعه وليس بعورة، جاز أن يجب ستر بعضه وإن لم يكن عورة، وعلى أن الطهارة الكبرى والصغرى يختلفان في المقدار، ومع هذا فإن كل واحدة منهما تتعدى محله.
ولأنه أخلَّ بستر المنكبين مع القدرة عليهما، فلم يجز.
دليله: إذا صلى خلف الإمام، ولم يقرأ، وكما لو انكشف من عورته يسير (^١).
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو ستر منكبيه، لم تجز صلاته.
قيل له: لا نسلم لك هنا؛ ولأن الستر لا يختص وجوبه بالصلاة، ولا ما هو جارٍ (^٢) مجرى الصلاة، فتعدى محلَّه.
_________________
(١) في الأصل: يسيرًا.
(٢) في الأصل: جاري.
[ ١ / ١٦٠ ]
دليله: الطهارة من الحدث، ولا يلزم عليه غسل النجاسة أنه لا يتعدى محله؛ لأنه يختص الصلاة (^١) وهو الطواف، وليس كذلك الستارة؛ لأنها تجب لأجل النظر، وذلك ليس بصلاة، ولا جارٍ مجراها، وكذلك الطهارة تجب لحمل المصحف، وقراءة (^٢)، وليس ذلك بصلاة، ولا جار مجراها، وكل من لزمه فرض الصلاة لزمه ستر منكبيه فيها.
دليله: المرأة.
فإن قيل: المعنى في المرأة: أن منكبيها عورة، فلهذا لزمها سترها، وهذا ليس بعورة.
قيل له: جميع بدن الميت ليس بعورة، ومع هذا فيلزم ستره، كذلك ها هنا.
واحتج المخالف: بما روى مهنا قال: حدثونا عن عبد الرحمن بن المبارك (^٣) قال: نا فضيل بن سليمان النُّميري (^٤) قال: نا موسى بن
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) كذا في الأصل، والمراد: قراءة القرآن.
(٣) أبو بكر البصري، العيشي، روى عنه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، قال أبو حاتم: (ثقة)، توفي سنة ٢٢٨ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٥٤٩)، والتقريب ص ٣٧٦.
(٤) أبو سليمان البصري، روايته في الكتب الستة، قال أبو حاتم: (ليس بالقوي)، وقال ابن حجر: (صدوق له خطأ كثير)، توفي سنة ١٨٣ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٨)، والتقريب ص ٤٩٦.
[ ١ / ١٦١ ]
عقبة (^١)، عن إسحاق بن يحيى بن (^٢) الوليد ابن أخي عبادة، عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: "إن كان واسعًا، فاشتمَلَه، وإن كان عاجزًا، فاتزر به" (^٣).
قالوا: فقد جاز له أن يأتزر به، وعندكم: لا يجوز، بل يصلي جالسًا، ويستر منكبيه.
والجواب: أن مهنا عرض هذا الحديث على أحمد - ﵀ -، فقال: لا أعرفه، مَنْ عبد الرحمن بن المبارك؟ لا أعرفه.
وعلى أنه لو صح، حملناه على صلاة النافلة، وهكذا الجواب عما روى سليمان بن حرب (^٤) عن حماد بن زيد (^٥)،
_________________
(١) ابن أبي عياش، الأسدي، مولى آل الزبير، وثقه الإمام أحمد، قال الذهبي: (الثقة الكبير)، توفي سنة ١٤١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١١٤).
(٢) في الأصل: عن، وهو تصحيف، ولا مزيد في اسمه على ما ذكره المؤلف، روى عنه موسى بن عقبة، ولم يرو عنه غيره، قال البخاري: (إسحاق لم يلق عبادة)، وقال ابن حجر: (مجهول الحال)، قتل سنة ١٣١ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (١/ ١٣٠)، والتقريب ص ٧٥.
(٣) بنحوه من طريق أخرى أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: إذا كان الثوب ضيقًا، رقم (٣٦١) من حديث جابر - ﵁ -، وبمعناه كذلك مخرج عند مسلم في كتاب: الزهد، باب: حديث جابر الطويل، رقم (٣٠١٠).
(٤) ابن بجيل الأزدي، أبو أيوب البصري، قال أبو حاتم: (إمام من الأئمة)، روايته في الكتب الستة، توفي سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٨٨).
(٥) ابن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، قال الإمام أحمد: (حماد من =
[ ١ / ١٦٢ ]
عن أيوب (^١)، عن نافع (^٢)، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -، أو قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "إذا كان لأحدكم ثوبان، فليصلِّ فيهما، فإن لم يكن إلا ثوبٌ، فليأتزر به، ولا يشتمل اشتمالَ اليهود" (^٣).
واحتج: بأن المنكبين ليسا (^٤) بعورة، فلم يجب سترهما.
دليله: الصدر والظهر.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يجب سترهما، وإن لم يكونا عورة، كما وجب في حق الميت، وكما وجب غسل الأعضاء الأربعة، وإن لم يكن (^٥) محل الحدث، ولا يمتنع أن يجب ستر المنكبين، وإن لم يجب ستر
_________________
(١) = أئمة المسلمين)، روايته في الكتب الستة، توفي سنة ١٧٩ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (١/ ٤٨٠).
(٢) ابن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، قال الذهبي: (الإمام، الحافظ، سيد العلماء)، توفي سنة ١٣١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٥)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٠٠).
(٣) أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، قال ابن حجر: (ثقة، ثبت، فقيه، مشهور)، روايته في الكتب الستة، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٢١٠)، والتقريب ص ٦٢٥.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من قال: يتزر به إذا كان ضيقًا، رقم (٦٣٥)، وسكت عنه، وصححه الألباني. ينظر: السلسلة الصحيحة رقم (٢٩٠٥).
(٥) في الأصل: ليس.
(٦) كذا في الأصل، ولعل الأقرب: تكن.
[ ١ / ١٦٣ ]
غيرهما، كما وجب غسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر، وإن لم يجب غسل غيرها، مع تساويهما في أن الحدث لم يخرج من واحد منهما.
واحتج: بأن ما لا يجب ستره في صلاة النفل لا يجب في صلاة الفرض.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب ذلك في صلاة النفل، ويجب في صلاة الفرض، وكذلك التوجه إلى القبلة في السفر.
واحتج: بأنه لو كان واجبًا، لوجب أن تبطل الصلاة بتركه لستره العورة.
والجواب: أن قوله في رواية حنبل: لا أرى ذلك مجزيًا عنه، يقتضي: أن الصلاة تبطل بتركه ذلك، وعلى هذا أصحابنا، فعلى [هذا] (^١) يسقط السؤال، وقد روى مثنى الأنباري عنه: فيمن صلى وعليه سراويل، وثوبه على إحدى عاتقيه، والأخرى مكشوف (^٢)؟ يكره، وقيل له: يؤمر أن يعيد؟ فلم يرَ عليه إعادة (^٣).
_________________
(١) بياض في الأصل بمقدار كلمة، والعبارة تستقيم بالمثبت.
(٢) كذا بالأصل، ولعل الأقرب: مكشوفة.
(٣) ينظر: المغني (٢/ ٢٩٠)، وشرح الزركشي (١/ ٦١٣)، وتصحيح الفروع (٢/ ٣٨)، والإنصاف (٣/ ٢١٦). =
[ ١ / ١٦٤ ]
وظاهر هذا: أن الصلاة لا تبطل، فعلى هذا لا يمتنع ذلك (^١) واجبًا، فإن لم يكن شرطًا في صحة الصلاة؛ كما قلنا على أصولنا: إن الجماعة واجبة في الصلوات المفروضات، وليست بشرط في صحتها، وكذلك الإحرام؛ فإن الميقات واجب، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، وليس ذلك بشرط في صحة الحج، كذلك ها هنا.
واحتج: بأنه ستر لا يجب خارج الصلاة، فلا يجب في الصلاة، أصله: الصدر، والظهر. أنه (^٢) يبطل بالعورة في الموضع الذي لا يراه أحد، فإنه لا يجب خارج الصلاة، ويجب في الصلاة، وهو إذا صلى في ذلك الموضع، ثم لا يجوز اعتبار خارج الصلاة بالصلاة؛ بدليل: القراءة، وغيرها.
وقد نا علي بن أحمد (^٣) بإسناده عن جابر - ﵁ -: أنه صلى الظهر في
_________________
(١) = ومثنى هو: ابن جامع الأنباري، أبو الحسن، كان ورعًا، جليل القدر، كان الإمام أحمد يعرف حقه وقدره، ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٤١٠).
(٢) في الأصل إشارة إلى سقط (ط).
(٣) كذا في الأصل، وكأن الكلام مرتبط في الأصل بعضه ببعض، والذي يظهر أن كلمة: (والجواب)، ساقطة من الأصل، فينتهي الاعتراض عند: (والظهر)، ويكون السياق: والجواب: أنه يبطل …
(٤) كلمة في الأصل لم تتضح، وعلي لعله: علي بن أحمد بن عمر البغدادي، أبو الحسن الحمامي، قال الخطيب البغدادي: (كتبنا عنه، وكان صادقًا … فاضلًا)، توفي سنة ٤١٧ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (١١/ ٣٢٩)، وقد مضت =
[ ١ / ١٦٥ ]
ثوب واحد متوشحًا به، كأني أنظر إليه؛ كأن على عاتقه ذنب فأرة (^١)، وهذا يدل على أنه يجزئ القليل دون الاستيعاب.
وذكر أبو حفص (^٢) في شرح كتاب الخرقي بإسناده عن إبراهيم (^٣) قال: كان الرجل من أصحاب (^٤) النبي - ﷺ - إذا لم يجد ثوبًا يصلي فيه، ألقى على عاتقه عقالًا، ثم صلى (^٥)، وإذا لم يجد ثوبًا، صلى قاعدًا يؤمئ،
_________________
(١) = الإشارة إليه في شيوخ أبي يعلى.
(٢) في الأصل: إشارة (ط)، والذي في الأصل هكذا (ذئب فايده)، والمثبت هو الصواب. ينظر: المغني (٢/ ٢٩١)، وقد ذكر ابن قدامة الأثر بصيغة التمريض، وضعّفه، وأخرجه بنحوه الإمام أحمد في المسند، رقم (١٤١٣٦) وأصله في صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الواحد، رقم (٥١٨)، ولم يرد فيهما: (كأني أنظر …).
(٣) هو: عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العكبري. يعرف بـ: (ابن المسلم). قال ابن أبي يعلى: (معرفته بالمذهب المعرفة العالية، له التصانيف السائرة)، من مصنفاته: المقنع، وشرح الخرقي، توفي سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: الطبقات (٣/ ٢٩١)، والمقصد الأرشد (٢/ ٢٩١).
(٤) هو: ابن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، قال الذهبي: (الإمام، الحافظ)، وقال الإمام أحمد: (كان إبراهيم ذكيًا، حافظًا، صاحب سنة)، توفي سنة ٩٦ هـ. ينظر: سير الأعلام (٤/ ٥٢٠).
(٥) في الأصل: أصحب.
(٦) لم أقف على هذا الأثر، وذكره أيضًا صاحب "التمام" (١/ ٢١٠)، وابن قدامة في المغني (٢/ ٢٩١).
[ ١ / ١٦٦ ]
وإن صلى قائمًا بركوع وسجود، أجزأه، نص على هذا في رواية بكر بن محمد: في القوم ينكسر بهم، فتذهب ثيابهم، أو تُسرق: يصلون قعودًا (^١)، وقد روى الأثرم عنه: إن توارى بعضهم عن بعض، فصلوا قيامًا، فلا بأس به (^٢)، فظاهر هذا: أنه في حال الخلوة إن شاء صلى قائمًا، وإن شاء صلى قاعدًا يؤمئ، ولا يكره له القيام.
وظاهر رواية بكر بن محمد: أنه لا فرق بين الخلوة وغيرها، وهو المذهب (^٣)، وبه قال أبو حنيفة - ﵀ - (^٤).
وقال مالك (^٥)، والشافعي (^٦) - رحمهما الله -: لا يجزئه إلا أن يصلي قائمًا بركوع وسجود.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - في قوم انكسرت مراكبهم فخرجوا عراة، قال: يصلون جلوسًا يومئون برؤوسهم
_________________
(١) ينظر: الفروع (٢/ ٥٣). وبكر هو: ابن محمد بن الحكم النسائي، أبو أحمد، كان الإمام أحمد يقدمه، ويكرمه، عنده مسائل كثيرة سمعها من أبي عبد الله. ينظر: الطبقات (١/ ٣١٨)، والمدخل المفصل (٢/ ٦٣١).
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين (١/ ١٣٧).
(٣) ينظر: الإنصاف (٣/ ٢٣٨).
(٤) ينظر: بدائع الصنائع (١/ ٦١٨)، وفتح القدير (١/ ١٨٥).
(٥) ينظر: المدونة (١/ ٩٥)، والإشراف (١/ ٢٦٢).
(٦) ينظر: الأم (٢/ ٢٠٤)، والبيان (٢/ ١٢٧).
[ ١ / ١٦٧ ]
إيماءً (^١)، وهذا قول ظهر وانتشر، ولم يُنقل عن أحد خلافه؛ ولأنه قادر على ستر ما يجب ستره من العورة، فلم يجز له تركُه.
دليله: لو كان واجدًا للثوب، تبين صحة هذا: أنه لا فرق بين أن يجد ثوبًا يستر جميع عورته، أو يجد ما يستر بعض عورته في أنه يجب عليه ذلك، كذلك ها هنا، هو قادر على ستر ما يُلاقي الأرض من العورة، فيجب أن يلزمه؛ ولأن ستر العورة للصلاة واجب؛ كما أن سترها عن غيره واجب، ثم ثبت أنه لو سترها عن غيره ببدنه، أجزأه، وسقط الفرض عنه، كذلك في الستر الواجب في الصلاة.
وأيضًا: فإن ستر العورة فرض، والقيام فرض، وقد دفع إلى ترك أحدهما؛ لأنه لا يمكن إتيانهما، فيجب أن يأتي بآكدهما، والستر آكد من القيام، ألا ترى فرض الستر لا يسقط في حال الصلاة على الراحلة، وفرض القيام يسقط، وكذلك فرض الركوع والسجود، ويجوز ترك القيام في صلاة صحيحة من غير عذر، وهو التطوع، وترك الستر لا يجوز في حال القدرة عليه بوجه.
وستر العورة يجب للصلاة وغيرها، والقيام لا يجب إلا للصلاة؛
_________________
(١) روى هذا الأثر: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٨) عن ابن عمر، وابن عباس - ﵃ -، وقال: (ولا يثبت عن ابن عمر، وابن عباس ما روي عنهما)، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه بنحو ما ذكره المؤلف آثارًا عن بعض الصحابة والتابعين، رقم (٤٥٦٣ و٤٥٦٤ و٤٥٦٥ و٤٥٦٦)، وابن أبي شيبة - كذلك - في المصنف عن بعض التابعين، رقم (٥٠٢١ و٥٠٢٢ و٥٠٢٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
ولأنه إذا صلى قاعدًا، فقد أتى بفرض الستر، وما يقوم مقام القيام، والركوع، والسجود، وهو الإيماء، وإذا صلى قائمًا، فقد أتى بفرض القيام، والركوع، والسجود، من غير أن يأتي بما يقوم مقام الستر، ولأن يأتي بفرض الستر وما يقوم مقام غيره من الفروض أولى من أن يأتي بسائر الفروض، ويترك فرض الستر جملة.
فإن قيل: لا يجوز أن يستر بعض بدنه ببعض، ولهذا يقول: إن من صلى منحلَّ الأزرار، فسدَّ الجيب بلحيته: أنه لا يجوز.
قيل له: عندنا: يجوز أن يستر بعضه ببعض، وقد روى الأثرم عن أحمد - ﵀ -: أنه سئل عن الرجل يصلي في قميص واحد غير مزرور عليه، ولحيته تغطي، والقميص غير متسع الجيب؟ فقال: إذا كان يسيرًا، فجائز (^١).
وظاهر هذا: أن اللحية قد تستر العورة؛ لأنه لم ينكر ذلك على السائل.
فإن قيل: ستر العورة لو كان آكد - على ما ذكره -، لوجب أن يتعين عليه فرضه، ولا يجوز تخييره؛ لأنه إنما يخير بين شيئين متساويين.
قيل له: هكذا نقول: إنه يتعين عليه الجلوس على معنى: أنه يستحب له الجلوس، ويكره له القيام، وقد يقع التخيير بين شيئين، وأحدهما أولى من الآخر؛ كالمسح على الخفين مع الغسل، وعتق الرقبة
_________________
(١) ينظر: المغني (٢/ ٢٩٥)، وكذلك الأوسط لابن المنذر (٥/ ٦٣).
[ ١ / ١٦٩ ]
مع الإطعام في الكفارة.
فإن قيل: لا نسلِّم أن ستر العورة آكدُ من القيام في الفريضة، بل هما سواء؛ لأن كل واحد منهما شرط في صحة الفريضة إذا كان قادرًا عليه، وإذا عجز عنه، سقط فرضه، وصلى، ولم تجب الإعادة.
قيل له: قد بيّنا أن أحدهما آكد في النفل، فيجب أن يكون آكدَ في الفرض، والتأكيد إنما يطلب في موضع واحد.
فإن قيل: فهذا لا يصح على أصلك؛ لأنك تقول: يصلي جالسًا، ويسجد بالأرض، فيخل بالقيام، وبالستر جميعًا.
قيل: روى أبو طالب (^١)، وإبراهيم الحربي عن أحمد - ﵀ -: أنه يؤمئ في ركوعه وسجوده (^٢)، وهو قول شيوخنا: الخرقي (^٣)، وأبي بكر، وروى عنه بكر بن محمد: أنه يصلي جالسًا، ويسجد بالأرض (^٤)، قال أبو بكر: الذي رواه بكر بن محمد قول لأبي عبد الله أول - يعني:
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٧).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٧). وإبراهيم هو: ابن إسحاق بن إبراهيم الحربي، أبو إسحاق، نقل عن الإمام أحمد مسائل عديدة، وله مؤلفات كثيرة، منها: غريب الحديث، ودلائل النبوة، والمناسك، وغيرها، توفي سنة ٢٨٥ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢١٨)، والمقصد الأرشد (١/ ٢١١).
(٣) مختصر الخرقي ص ٤٧.
(٤) ينظر: الفروع (٢/ ٥٣)، والإنصاف (٣/ ٢٣٨).
[ ١ / ١٧٠ ]
مرجوع عنه - (^١)، على أن السجود آكدُ من القيام؛ بدليل أن القيام يسقط في صلاة النافلة، والسجود بالأرض لا يسقط، فجاز أن يسقط القيام - لضعفه - بعد الستر، ولا يسقط السجود؛ لقوته، ويجب أن يكون المذهب الصحيح: أن السجود يومئ؛ لما ذكرنا من الدليل.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبقول النبي - ﷺ - لعمران بن حصين - ﵁ -: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جَنْب" (^٢)، وهذا عام.
والجواب: أن هذا محمول على من كان واجدًا لما يستر عورته؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: أنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فوجب أن لا يجوز له تركه في الفرض.
ودليله: المكسي.
والجواب: أن المكسي يمكنه أن يأتي بفرض الستر وسائر الأركان، فوجب عليه أن يأتي بالجميع، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يمكنه أن يأتي بفرض الستر مع سائر الفروض، ولا بد من إتيان بعضها، وترك بعضها، فيجب أن يأتي بآكدهما، ويترك أيسرهما، وقد بينا أن ستر العورة
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة (٢/ ٣٢٧).
(٢) أخرجه البخاري في أبواب: تقصير الصلاة، باب: إذا لم يطق قاعدًا، صلى على جنب، رقم (١١١٧).
[ ١ / ١٧١ ]
آكدُ من سائر الفروض، فيجب أن يأتي به، ويترك الأيسر.
واحتج: بأن القيام والركوع والسجود من أركان الصلاة، فلا يسقط بالعجز عن ستر العورة؛ قياسًا على سائر الأركان من القراءة وغيرها.
والجواب: أنه (^١) يسقط سائر الأركان؛ لأنه يمكنه إتيانها مع الستر، وفي مسألتنا لا يمكنه إتيانها إلا مع ترك فرض الستر، وقد بينا أن الستر آكد، فكان إتيانها أولى.
واحتج: بأنه إذا صلى قائمًا، حصلت له ثلاثة أركان، وإذا صلى قاعدًا، حصل له ستر بعض العورة، ولا يجوز أن يترك ثلاثة فروض لفرض واحد.
والجواب: أنه إذا صلى قاعدًا، فإنه يحصل له ستر العورة المغلظة، وما عداها، فحكمُه أخفُّ وأيسر؛ لأنه مختلف في كونه عورة، ووجوب ستره، والله أعلم.
* * *