_________________
(١) طمس في الأصل، ولعله: [إذا سقط] سقط سائر الأركان).
[ ١ / ١٧٢ ]
نص على هذا في رواية حرب (^١)، وأبي طالب: فيمن معه ثوب، وعليه دم فاحش وقذر، وهو مضطر، هل يتعرى ويصلي؟ فقال: لا يتعرى، ولكن يصلي ويعيد (^٢)، فقد نص على أنه يصلي ويعيد، ويتخرج في الإعادة رواية أخرى: أنه لا يعيد؛ لأنه قد نص فيمن عدم الماء والتراب وصلى، هل يعيد؟ على روايتين، كذلك يتخرج ها هنا (^٣).
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رحمهما الله -: إن كان ربع الثوب طاهرًا، وثلاثة أرباعه نجسًا، صلى فيه، ولم يصلّ عريانًا، وإن كان أقل من ربع الثوب طاهرًا، أو كان مملوءًا، فهو بالخيار، إن شاء صلى في الثوب ولا يعيد، وإن شاء صلى عريانًا (^٤).
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ٩٢).
(٢) لم أقف على رواية أبي طالب فيما اطلعت عليه من كتب الأصحاب، ولا في الرسائل العلمية التي جمعت مسائله، وقد جاء نحوها في مسائل أبي داود رقم (٢٩٠).
(٣) ينظر: الجامع الصغير ص ٤٣، والمستوعب (٢/ ٨١)، ومختصر ابن تميم (٢/ ٧٤)، والفروع (٢/ ٥١)، والإنصاف (٣/ ٢٢٩).
(٤) ينظر: المبسوط (١/ ٣٤٤)، والهداية (١/ ٤٦). وأبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، الأنصاري الكوفي، لزم أبا حنيفة سبع عشرة سنة، قال ابن معين: (ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف)، له كتاب: الخراج، والآثار، وغيرهما، توفي سنة ١٨٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥).
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال الشافعي - ﵀ -: لا يجوز له أن يصلي في الثوب، ولكن يصلي عريانًا (^١).
فالدلالة على أنه يصلي في الثوب من غير تخيير: قوله - ﷺ -: "غَطِّ فَخذَك؛ فإن الفخذ عورة" (^٢)، وقوله: "لا تُبرِز (^٣) فخذَك، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميتٍ" (^٤)، وهذا أمر بتغطية الفخذ، فهو على العموم؛ ولأنه قادر على ستر ما يجب سترُه خارجَ الصلاة، فلم يجز له تركه في الصلاة، دليله: لو كان واجدًا لثوب طاهر.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الفرض يسقط معه، وها هنا
_________________
(١) ينظر: الأم (٢/ ١٢٤)، والأوسط (٢/ ١٦٦). وعند المالكية: يصلي في الثوب النجس، ولا يصلي عريانًا، وتجزئه، فإن وجد ثوبًا طاهرًا بعد أن صلى، وكان في الوقت، استحب له الإعادة. ينظر: المدونة (١/ ٣٤)، والإشراف (١/ ٢٨٠).
(٢) مضى تخريجه في (١/ ١٣٣).
(٣) في الأصل: لا تبد، والتصويب من الحديث.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في ستر الميت عند غسله، رقم (٣١٤٠) من حديث علي - ﵁ -، وكذلك أخرجه مرة أخرى في كتاب: الحمام، باب: النهي عن التعري رقم (٤٠١٥) وقال: (هذا الحديث فيه نكارة)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في غسل الميت رقم (١٤٦٠)، قال ابن رجب في الفتح (٢/ ١٩٢): (له علتان: إحداهما: أن ابن جريج لم يسمع من حبيب، … العلة الثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم بالسماع منه).
[ ١ / ١٧٤ ]
لا يسقط معه الفرض.
قيل له: قد بيّنا أن في الإعادة روايتين: إحداهما: لا يجب، فعلى هذا: لا فرق بينهما. والثانية: يجب. فعلى هذا: لا يمتنع أن يجب عليه الصلاة على هذه الصفة، وإن كانت الإعادة واجبة؛ كما قلنا نحن (^١) والشافعي - ﵀ - (^٢): فيمن عدم الماء والتراب: يصلي ويعيد، وكذلك يلزمه المضي في الحج الفاسد، وإن لم يسقط به الفرض، وكذلك إذا أدرك الإمام بعد الركوع، لزمه متابعته، وإن لم يعتد (^٣) به، كذلك ها هنا.
وأيضًا: فإن ستر العورة فرض، والطهارة من النجاسة فرض، وقد دفع إلى ترك أحدهما؛ لأنه لا يمكنه إتيانهما، فيجب أن يأتي بآكدهما، وهو الستر؛ لأنه آكد، ألا ترى أنه يجب في الصلاة وفي غير الصلاة، والنجاسة تسقط في غير الصلاة؟
ولأن أبا حنيفة - ﵀ - قد قال: لو طاف عريانًا، لزمه دم، ولو طاف في ثوب نجس، لم يلزمه دم (^٤).
ولأن الشافعي - ﵀ - قد قال (^٥): إذا انكشف من العورة يسيرٌ، لم تصح صلاته. وقال: يعفى عن يسير النجاسة، وإذا كان كذلك،
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ٩١، ٩٢)، والإنصاف (٣/ ٢٢٩).
(٢) ينظر: الأم (٢/ ١٠٧)، ومغني المحتاج (١/ ١٦٧).
(٣) في الأصل: يعيد.
(٤) ينظر: المبسوط (٤/ ٤٥)، وبدائع الصنائع (٣/ ٧١، ٧٢).
(٥) ينظر: الأم (٢/ ١١٨ و٢٠١).
[ ١ / ١٧٥ ]
وجب أن يأتي بآكد الفرضين، ويترك أيسرهما، ولا يكون مخيرًا في أحدهما.
ولأن كشف العورة في الصلاة يجري مجرى النجاسة، ثم ثبت أنه لو عدم الستارة، صلى عريانًا، كذلك إذا عدم الطهارة من النجاسة، يجب أن يصلي مع النجاسة.
ولأنه غير قادر على ثوب طاهر، فلم يكن مخيرًا بين الصلاة في الثوب النجس وبين تركه، كما لو كان ربعه طاهرًا، وثلاثة أرباعه نجسًا، فإن أبا حنيفة - ﵀ - قد قال: لا يخير، بل يلزمه الصلاة فيه، كذلك إذا كان أكثره نجسًا، تبين صحة أن هذا تقدير، والمقادير عنده لا تثبت إلا بتوقيف أو إجماع، وليس ها هنا واحد منهما.
واحتج المخالف: بقوله - ﷺ -: "لا صلاة إلا بطهارة" (^١).
والجواب: أنا نحمله: لا صلاة مجزئة إلا بطهارة إذا قلنا: إنه يعيد الصلاة؛ أو نحمله على أنه: لا صلاة إلا بطهارة مع القدرة عليها إذا قلنا: لا يعيد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأن كل نجس لم يجب استعماله في الصلاة إذا وجد طاهرًا
_________________
(١) قال ابن حجر: (لم أر هذا الحديث بهذا اللفظ) ينظر: التلخيص الحبير (١/ ٣٤٥)، وبمعناه أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: "لا تقبل صلاة بغير طهور"، كتاب: الطهارة باب: وجوب الطهارة للصلاة، رقم (٢٢٤) من حديث ابن عمر - ﵄ -، وبوّب البخاري في صحيحه: باب: لا تقبل صلاة بغير طهور.
[ ١ / ١٧٦ ]
من جنسه، لم يجز استعماله، وإن لم يجد؛ كالماء النجس.
والجواب: أن الماء له بدل يرجع إليه، فلا معنى لاستعمال النجس، وهذا معدوم في الستر؛ ولأن الماء النجس لا يحصل به المقصود، وهو رفع الحدث، وهذا يحصل به المقصود، وهو الستر، ألا ترى أنه يحصل به هذا المعنى في غير الصلاة؟
واحتج: بأنه صلى بنجس مقدور على إزالته، ممكن الاحتراز منه غالبًا، فلم يجز.
دليله: إذا كان معه ثوب طاهر.
والجواب: أن قوله: (مقدور على إزالته)، غير مسلَّم؛ لأنه لا يقدر على إزالته إلا بترك الستر، وقد بينا أن الستر آكدُ من طهارة النجس، فلم يجز إسقاط الآكد بالأضعف.
واحتج أبو حنيفة - ﵀ - في التخيير، وإسقاط الفرض: بأن النجاسة تجري مجرى كشف العورة في بطلان الصلاة مع القدرة، فيجب أن يكون مخيرًا في أيهما شاء حال العجز، ويسقط الفرض بالنجاسة كما يسقط مع كشف العورة (^١).
والجواب: أنه كان يجب أن يعتبر الربع في سترها، كما اعتبر الربع في النجاسة.
فإن قيل: فعندكم أن الستارة لها بدل، وهو الجلوس، فكان يجب
_________________
(١) ينظر: المبسوط (١/ ٣٤٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
أن ينتقل إليه، ولا يصلي في ثوب نجس.
قيل: ذلك ليس ببدل في الحقيقة، ولهذا من أجاز الصلاة جالسًا، خيَّره بين الجلوس والقيام، ولو كان بدلًا في الحقيقة، ما جاز تركه؛ ولأنه لو كان بدلًا في الحقيقة، لم يختلف الناس فيه، كما لا يختلفون في الثوب.
* * *