فنقل عبد الله (^١)، وأبو طالب (^٢): فيمن سرق ثوبًا، وصلى فيه: ما هو بأهل أن تجوز صلاته، وإنه لأهل أن يعيد (^٣).
وروى عنه إسماعيل بن سعيد: فيمن صلى في ثوب غصبه: لا آمره بالإعادة (^٤).
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٨)، ولم أقف على رواية عبد الله في المطبوع من مسائله.
(٢) لم أقف على روايته، وينظر: المحرر (١/ ٩٥)، وشرح الزركشي (٢/ ٦٣٢).
(٣) ينظر: الانتصار (٢/ ٤٠٧).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٨)، والانتصار (٢/ ٤٠٧). تنبيه: في كتاب الروايتين يُحْتمل أنه تصحَّف اسم (إسماعيل بن سعيد) إلى (علي بن سعيد)، إلا أن يكون المراد (علي بن سعيد بن جرير النسوي)، =
[ ١ / ١٧٨ ]
وهكذا إن صلى في أرض غصب، هل يعيد، أم لا؟ على روايتين، نقل جعفر بن محمد عنه في مسجد محرابُه غصب، وقدر ما يقوم مقام الإمام: فسدت صلاة المأموم (^١).
ونقل إسماعيل بن سعيد: إن صلى في دار غصبها: آمره (^٢) بإعادة الصلاة، وهكذا إن غصب ماء وتوضأ، في الإعادة روايتان، وكذلك إن غصب خفًا ومسح عليه، هل يعيد تلك الطهارة؟ على روايتين.
وقال أبو بكر: فإن صلى في ثوب حرير، هل يعيد، أم لا؟ على روايتين (^٣)، ذكره في كتابه التنبيه، وقد سُئل أحمد - ﵀ - في رواية إسماعيل: عَمَّنْ صلَّى وفي سراويله تكة (^٤) حرير، هل يعيد (^٥)؟ وكذلك
_________________
(١) = فتكون رواية أخرى عن الإمام أحمد - ﵀ -.
(٢) ينظر: الانتصار (٢/ ٤٠٧). ولفظه: (وقدّر بما يقوم الإمام فيه: أن صلاة الإمام فاسدة، وإذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة المأموم)، والفروع (٣/ ٣٨)، ولفظه: (قدر ما يقوم الإمام فيه: صلاة الإمام فاسدة، وإذا …).
(٣) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: لا آمره؛ لأنه أراد الرواية الأخرى في المسألة، وهي عدم الأمر بإعادة الصلاة. وينظر: الروايتين (١/ ١٥٨)، والانتصار (٢/ ٤٠٧).
(٤) ينظر: الجامع الصغير ص ٤٣، والمغني (٢/ ٤٧٦)، والحاوي الصغير ص ٥٩.
(٥) التِّكةُ: رباط السراويل، وجمعها تِكَكٌ، قال ابن دريد: لا أَحسبها إِلا دخيلًا. ينظر: اللسان (تكك).
(٦) لم أقف على رواية إسماعيل، وجاء نحوها في مسائل عبد الله رقم (٢٨٦) =
[ ١ / ١٧٩ ]
إن حج بمال غصب، هل يجزئه، أم لا (^١)؟
نقل عبد الله (^٢)، وأبو طالب: عَمَّنْ سرق مالًا، وحج به: لا يجزئه، وعليه الحج.
وروى عنه إسماعيل: إذا غصب مالًا، وحج به: أعجبُ إليَّ أن يعيد الحج.
واختار أبو إسحاق (^٣) في تعاليقه على كتاب العلل، فقال: لا حج له، واحتج بقول النبي - ﷺ -: "من أحدثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدّ" (^٤). وقال أبو بكر: فيمن غصب شاةً وذبحها: فهي ميتة (^٥)، والمنصوص عن
_________________
(١) = قال: (سمعت أبي يقول: أكره التكة تكون من الحرير - يعني: أن يصلى بها -). وينظر: شرح العمدة (٢/ ٢٨١)، والإنصاف (٣/ ٢٢٥).
(٢) ينظر: الفروع (٢/ ٤٦)، والإنصاف (١٥/ ٢٨٤).
(٣) في مسائله رقم (١٠٤٦).
(٤) هو: إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا، أبو إسحاق، البزار، جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع، توفي سنة ٣٦٩ هـ. ينظر: الطبقات (٣/ ٢٢٧).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود، رقم (٢٦٩٧)، ومسلم في كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم (١٧١٨).
(٦) ينظر: الإنصاف (٢٦/ ٤٩٧)، وفي مسائل عبد الله برقم (١١٦٢): [سمعت أبي يقول: لو أن رجلًا سرق شاة ثم ذبحها، فقال: لا يحل أكلها - يعني: له - =
[ ١ / ١٨٠ ]
أحمد - ﵀ -: أنها تكون مذكاة؛ لأنه قال في رواية ابن منصور: في لص ذبح شاة: فلا يأكلها إلا أن يأذن له (^١)، فقد أباحها بعد الإذن.
وقال أبو بكر أيضًا: إذا ذبح بسكين غصب، فهو ميتة، ولا يمتنع أن يخرج ذلك على الروايتين (^٢).
وقال أبو حنيفة (^٣)، ومالك (^٤)، والشافعي (^٥) - ﵏ -: قد أثم، وعصى بصلاته على هذا الوجه، وهي مجزئة عنه، وكذلك في الحج، والطهارة، والذكاة.
والدلالة على أنه يعيد الصلاة: ما روى أحمد - ﵀ - في المسند (^٦) قال: نا أسود بن عامر (^٧) قال: نا بقية بن الوليد الحمصي (^٨) عن
_________________
(١) = قلت لأبي: فإن ردها على صاحبها؟ قال: لا تؤكل].
(٢) في مسائله رقم (١٥٢٦)، ونصها: (قلت: ذبيحة السارق؟ قال: لا بأس بها).
(٣) ينظر: الإنصاف (٢٧/ ٢٩٩).
(٤) ينظر: المبسوط (١/ ٣٦٨)، وبدائع الصنائع (١/ ٥٤٣).
(٥) ينظر: التاج والإكليل (٢/ ١٨٩)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٥٣).
(٦) ينظر: المهذب (١/ ٢١٥)، والمجموع (٣/ ١١٨).
(٧) رقم (٥٧٣٢).
(٨) الشامي، يكنى: أبا عبد الرحمن، ويلقب: شاذان، ثقة، توفي سنة ٢٠٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٨٣.
(٩) أبو يُحْمِد، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، توفي سنة ١٩٧ هـ. ينظر: التقريب ص ١٠٠.
[ ١ / ١٨١ ]
عثمان بن زفر (^١)، عن هاشم (^٢)، عن ابن عمر - ﵄ - قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاةً ما دام عليه. قال: ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: صُمَّتا إنْ لم يكن النبي - ﷺ - سمعته يقول (^٣).
وهذا نص.
فإن قيل: فقد روى أبو طالب قال: سألت أحمد - ﵀ - عن حديث بقية بن الوليد عن يزيد بن عبد الله الجهني (^٤)، عن هاشم الأوقص (^٥)، عن نافع قال: سمعت ابن عمر - ﵄ - وذكر الخبر -، فقال: ليس هذا
_________________
(١) الجهني، الدمشقي، مجهول، توفي بعد سنة ١٣٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٤١٩.
(٢) قال ابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٣٣٨): (هاشم مجهول)، وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة (٢/ ٣٢٣): (هاشم عن ابن عمر، روى عنه عثمان بن زفر، لا أعرفه، قاله الحسيني)، وأقره الحافظ، قال الهيثمي: (وهاشم لم أعرفه) المجمع (١٠/ ٢٩٢)، وإن كان الأوقص، فهو غير ثقة كما قاله البخاري. ينظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٢٩٠).
(٣) الحديث ضعَّفه جماعة من أهل العلم. ينظر: المجموع (٣/ ١٢٩)، وتنقيح التحقيق (٢/ ١٠٠)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٢١٥)، وجامع العلوم والحكم ص ١٨٦.
(٤) لا مزيد في ترجمته، إلا أن الذهبي قال عنه: (روى عنه عن هاشم الأوقص، وعنه بقية. لا يصح خبره). ينظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٤٣١).
(٥) ينظر: الانتصار (٢/ ٤٠٨)، وتنقيح التحقيق (٢/ ١٠١)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٢١٥).
[ ١ / ١٨٢ ]
بشيء، ليس له إسناد، فقد ضعفه، فلم يصح الاحتجاج به (^١).
قيل له: الإسناد الذي سُئِلَ عنه وضعفه غير الذي في المسند؛ لأنه رواه عن بقية عن عثمان بن (^٢) زفر عن هاشم، والذي سئل عنه رواه بقية عن يزيد بن عبد الله عن هاشم، وروى أبو حفص في الجزء الأول من كتاب: الإجارات، في باب: التغليظ في كسب الحرام، بإسناده عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: كنا عند النبي - ﷺ - قال: "من كسب مالًا من حرام، فأنفقه، لم يُقبل منه، فإن ادَّخَر (^٣) منه شيئًا، كان زادَه إلى النار، ومن لبس سربالًا حرامًا، لم يُقبل منه صلاةٌ ما دام ذلك السربال عليه، إن الله أجلُّ وأكرمُ من أن يقبل صلاة رجل ودعاءه وعليه سربال حرام" (^٤).
وأيضًا: روي عن النبي - ﷺ - قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا،
_________________
(١) ينظر: الانتصار (٢/ ٤٠٨)، وتنقيح التحقيق (٢/ ١٠١)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٢١٥).
(٢) في الأصل: عن، والتصويب من المسند.
(٣) في الأصل: دخر، والتصويب من مسند البزار.
(٤) أخرجه البزار في البحر الزخار بنحوه (٣/ ٦١)، رقم (٨١٨)، وقال: (هذا الحديث لا نعلم له إسنادًا إلا هذا الإسناد، وأبو الجنوب، فلا نعلم أسند عنه إلا النضر بن منصور)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٩٢): (فيه أبو الجنوب، وهو ضعيف)، وأبو الجنوب هو: عقبة بن علقمة الكوفي، قال أبو حاتم: (ضعيف الحديث بيّن الضعف). ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٦).
[ ١ / ١٨٣ ]
فهو رَدٌّ" (^١)، والصلاة في الثوب الغصب ليس عليه أمرُ النبي - ﷺ -، فيجب أن تكون مردودة.
وروى النجاد (^٢) في كتاب مكة بإسناده عن ابن عباس - ﵄ - قال: إذا حج الرجل من مال حرام، فقال: لبيك اللهمَّ. قال الله: لا لبيك ولا سعدَيْك (^٣).
وأيضًا: فإنه ثوب تحرم الصلاة فيه، أو بقعة تحرم الصلاة فيها، فلم تصح الصلاة فيها.
دليله: الثوب النجس، والبقعة النجسة، ولهذا قال أصحابنا في المواضع المنهي عن الصلاة فيها: إن صلاته لا تصح فيها على الصحيح من الروايتين؛ لهذه العلة، وهو أنه يحرم عليه الصلاة فيها؛ ولأنه صلى في ثوب غصب، أو بقعة غصب، فلم تصح صلاته.
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به في كتاب: الاعتصام، باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ، ومسلم في كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم (١٧١٨).
(٢) هو: أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجاد، قال ابن أبي يعلى: (اتسعت رواياته، وانتشرت أحاديثه ومصنفاته)، له كتاب كبير في السنن، والفقه، توفي سنة ٣٤٨ هـ. ينظر: الطبقات (٣/ ١٥)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٠٢).
(٣) أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية رقم (٩٣٠)، وقال: (لا يصح عن رسول الله - ﷺ -)، وينظر: السلسلة الضعيفة رقم (١٠٩١).
[ ١ / ١٨٤ ]
دليله: صلاة النافلة، وكل ثوب لا تصح صلاة النفل فيه لا تصح صلاة الفرض فيه؛ كالنجس.
فإن قيل: القصد من النفل القربةُ فقط، والغصبُ ينافيها، والقصد من الفرض إسقاطُ الفرض.
قيل: هذا لا يوجب الفرقَ بينهما، كما لم يوجبه في الثوب النجس.
وجواب آخر: وهو أنه كان يجب أن تصح في النفل دون الفرض؛ لأنها أخف في شرائطها من الفرض.
وجواب آخر: وهو أنه لو غصب خمسة دراهم، وتصدق بها، لم يجزئه عن فرضه، ولا عن التطوع، وإن كان القصد من النفل الثواب (^١) فقط، ومن الزكاة إسقاط الفرض.
ولأن الصلاة قربة، هي أكوان مفتقر إلى مكان (^٢) ممنوعًا من الكون في هذه البقعة، خرجت عن معنى القربة، فلم تصح (^٣).
ولأن الفعل الشرعي يوجد من طرق ثلاثة: إما من طريق الوجوب، أو المندوب، أو الجواز، وهذه الصلاة على هذا الوجه تخرج عن هذه الأقسام، فلم تكن صلاة شرعية، فيجب أن لا تصح، وهذان التعليلان
_________________
(١) في الأصل: التوب.
(٢) والمعنى: أن الصلاة أفعال تحتاج للقيام بها إلى مكان، وهذا المكان ممنوع من إيقاعها فيه.
(٣) ينظر: العدة في أصول الفقه (٢/ ٤٤٣).
[ ١ / ١٨٥ ]
يوجدان في الحج بمال غصب.
ولأن الشرائط كالأركان، ثم ثبت أنه لو أوقع الأركان على وجه محرم، لم يصح، وهو أن يطوف منكوسًا، أو محدِثًا، كذلك في الشرط الذي هو الراحلة، ولا يجوز أن يقال: إن الزاد والراحلة يتقدمان على العبادة، ولا يصحبانها؛ لأنه لو أحرم من دُويرة أهله، أو من الميقات، وسار على راحلة محرمة، فالتحريم هنا مصاحبٌ للعبادة، وهو صحيح عندهم؛ ولأن الحج من نتيجة المال المغصوب وفائده (^١).
ومن أصلنا: أن فائدة المال المغصوب لا تكون للغاصب، وتكون لصاحب المال، ولا يمكن أن يكون الحج لصاحب المال؛ لأنه ما أذن فيه، ولا نواه.
واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: أُهدي لرسول الله - ﷺ - فَرُّوْجٌ (^٢) من حرير، فلبسه، وصلى فيه المغرب، فلما قضى الصلاة، نزعه نزعًا عنيفًا، فقلنا: يا رسول الله! لبسته وصليت فيه؟ فقال: "إن هذا لا ينبغي للمتقين" (^٣).
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعلها: وفائدته.
(٢) الفَرُّوج: القَباءُ، وقيل: الفَرُّوج: قَباءٌ فيه شَقٌّ من خَلْفِه. اللسان مادة (فَرَجَ).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: من صلى في فَرُّوجِ حرير ثم نزعه، رقم (٣٧٥)، ومسلم في كتاب: اللباس، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، رقم (٢٠٧٥).
[ ١ / ١٨٦ ]
قالوا: فقد صلى في الحرير، ولم يعد الصلاة.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قبل تحريمه؛ إذ لو كان بعد التحريم، ما لبسه، ولا يحتمل أن يكون أعاد، ولم يُنقل، وقد كان لبسه مباحًا؛ بدليل: ما رواه أبو بكر الخلال في كتاب: اللباس بإسناده عن أنس - ﵁ -: أن أُكَيدر دُومَة (^١) أهدى إلى رسول الله - ﷺ - جبة، قال سعد: أحسبه قال: سندس (^٢)، قال: وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها (^٣)، فقال: "والذي نفسي بيده! لمناديلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنة أحسنُ منها" (^٤).
واحتج: بأن هذه بقعة طاهرة مستقبَلٌ بها القبلةُ، أو سترة طاهرة،
_________________
(١) في الأصل: اكندر. قال ابن حجر: (أكيدر دومة، هو: أكيدر، تصغير أكدر، ودومة: بضم المهملة وسكون الواو، بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل: مدينة بقرب تبوك، بها نخل، وزرع، وحصن، على عشر مراحل من المدينة …، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن - بالجيم والنون - …، ينسب إلى كندة، وكان نصرانيًا). الفتح (٥/ ٢٨٤).
(٢) السُّندس: ما رقَّ من الدِّيباج. ينظر: النهاية في غريب الأثر، باب: السين مع النون.
(٣) في الأصل: فعجب الناس منها، (فلبسها)، فحذفتُ ما بين القوسين؛ لعدم وجودها في الحديث.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: قبول الهدية من المشركين، رقم (٢١١٥، ٢١١٦)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل سعد بن معاذ، رقم (٢٤٦٩).
[ ١ / ١٨٧ ]
أشبه إذا لم تكن مغصوبة.
والجواب: أن المعنى في الأصل: إنما يباح الصلاة فيها، وهذه محرم الصلاة فيها، وهي كالنجسة، وكالصلاة النفل.
واحتج: بأن المنع من الصلاة في ثوب غصب، وأرض غصب، وثوب حرير، لا يختص الصلاة، ألا ترى أنه ممنوع من ذلك في غير الصلاة؟ وإذا لم يكن المنع يختص الصلاة، يجب أن لا يؤثر فيها؛ كما لو صلى وعنده وديعة، وهو مطالب بها، وهي في كمّه، وهو قادر على دفعها، فلم يدفعها، فإن صلاته صحيحة، وإن كان ممنوعًا من الصلاة على هذا الوجه؛ لأن المنع لا يختص الصلاة، كذلك ها هنا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يختص الصلاة ويفسدها، كما أن المُحْرِم إذا نكح امرأة حلالًا، لم يصح النكاح، وإذا لم يكن المنع يختص المعقودَ عليها، وإنما يختص العاقدَ، وكذلك إذا اشترى صيدًا، لم يصح، وإن لم يكن المنع يختص الصيد؛ لأن العين تقبل العقد، وإنما المنع يختصه، كذلك ها هنا المنعُ لا يختص الصلاة، بل هو في معنى المصلي، ولا يصح، وكذلك صلاة النفل تبطل، وإن لم يرجع النهي إلى الصلاة خاصة؛ ولأن من غصب طعامًا فأكله في حال صومه، أو زنا وهو صائم، فإن تحريم ذلك لا يختص الصوم، ويفسدُه، وكذلك يحرم الأكل في الصلاة، وكشفُ العورة في الصلاة بحضرة الناس لا يختص الصلاة، وكذلك الجنب إذا صلى في المسجد، لم تصح صلاته، وإن كان ذلك التحريم
[ ١ / ١٨٨ ]
لا يختص الصلاة؛ لأنه، وإن كان ذلك التحريم الصلاة (^١)؛ لأنه، يسبق الصلاة بنفس دخوله المسجد، فأما إذا امتنع [من] رد الوديعة، وتشاغل بالصلاة، فإنما لم تبطل صلاته؛ لأن المنع هناك لا يرجع إلى شرط من شرائط الصلاة، وفي مسألتنا يرجع إلى شرط من شرائطها، وهو المكان والستر، تبين صحة هذا: أن ذلك لا يؤثر في صلاة النفل.
فإن قيل: لا فرق عندكم بين أن يكون الثوب المغصوب هو الشرط المواري لعورته، وبين أن يكون زائدًا على ذلك.
قيل: إذا ستر به عورته، بطلت الصلاة لعلتين:
إحداهما: أنه ثوب تحرم الصلاة فيه.
والثانية: أن التحريم في شرط من شرائطها، وإذا كان زائدًا على ستر العورة، بطلت لعلة واحدة، وهو كونه ثوبًا تحرم فيه الصلاة، ومثل هذا ما نقوله: إن القتل يجب بعلل: الردة، والمحاربة، وتزول الردة، ويبقى القتل بالمحاربة، وكذلك الكفارة قد تجب بوطء في الإحرام، [و] في صيام رمضان، وقد تزول إحداهما، وتبقى الأخرى.
وجواب آخر مليح: وهو أنه إذا كان زائدًا على ستر العورة، وإن لم يكن شرطًا في الصلاة، فهو من جنس ما هو شرط، فتبعه في حكمه، كما قلنا في كفن الميت إذا كان ثلاثة أثواب، فسرق السارق اللفافة الثالثة، قُطع، كما بالأولة، وإن كان فرض الكفن سقط بالأولة دون الثالثة، كذلك
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل فيه سقطًا.
[ ١ / ١٨٩ ]
لا يمتنع أن تبطل الصلاة بالثاني، وإن كان فرض الستر سقط بالأول.
وكذلك عند أبي حنيفة - ﵀ -: إذا مسح فوق الجرموق، جاز، وإن كان سِتر القدم حصل بما تحته (^١)، ويفارق هذا: إذا غصب ثوبًا، وتركه في كمه، وصلى: لا تبطل الصلاة؛ لأنه ليس على صفة ما هو شرط، فجرى مجرى ما لو طوى اللفافة الثالثة، وجعلها ثوبًا مطويًا في جملة الكفن، فسرقها السارق: لا قَطْعَ عليه؛ لأنها ليست على صفة ما هو كفن الميت.
فإن قيل: فالثوب الثاني والثالث من الكفن مندوب إليه، وما زاد على السترة غيرُ مندوب إليه.
قيل: الصلاة في العمامة مندوب إليها، وكذلك الرداء (^٢)، وقد نصّ أحمد في رواية ابن القاسم (^٣)، وقد حكى له عن مالك - ﵀ -: أنه يكره للمصلي أن ينحي عنه رداءه (^٤)، فأعجبه ذلك، وقال في رواية أبي طالب: يستحب أن يكون للذي يصلي بالناس ثوبان (^٥)، وقد دلت السنة
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع (١/ ١٤٤).
(٢) ينظر: المغني (٢/ ٢٩٤)، ومختصر ابن تميم (٢/ ٧٢)، والحاوي الصغير ص ٥٨.
(٣) ابن القاسم هو: أحمد، حدث عن أبي عبيد القاسم بن سلام، وعن الإمام أحمد بمسائل كثيرة، ولم أجد مزيدًا في ترجمته. ينظر: الطبقات (١/ ١٣٥)، والمقصد الأرشد (١/ ١٥٥).
(٤) ينظر: التمهيد (٦/ ٣٧٥).
(٥) ينظر: الفروع (٢/ ٣٨).
[ ١ / ١٩٠ ]
على ذلك، فروى ابن بطة (^١) بإسناده عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: "من كان له ثوبان، فليتَّزِرْ وليرتَدِ (^٢)، ومن لم يكن له ثوبان، فليتزر، ثم ليصلِّ" (^٣).
وروى أبو حفص في تعاليقه بإسناده عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صلاةٌ في عِمامة أفضلُ من سبعين صلاة بغير عمامة، إن الله وملائكته يصلُّون على المتعَمِّمين" (^٤).
وروى ابن بطة بإسناده عن نافع قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي في ثوب واحد، فقال: ألم أكسُكَ؟ قلت: بلى، قال: أرأيتَ لو بعثتك في
_________________
(١) هو: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله، العكبري، المعروف: بابن بطة، من مصنفاته: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، والسنن، والمناسك، وإبطال الحيل. توفي سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: الطبقات (٣/ ٢٥٦)، وسير الأعلام (١٦/ ٥٢٩).
(٢) في الأصل: واليتردا. والتصويب من المسند.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٣٩٠)، وأحمد في مسنده رقم (٦٣٥٦)، قال محقق المسند: (إسناده صحيح على شرط الشيخين، لكن روي مرفوعًا، وروي موقوفًا، ورجح الطحاوي وقفه). ينظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٧)، ومسند الإمام أحمد، طبعة الرسالة (١٠/ ٤٢٤).
(٤) أخرجه الديلمي في الفردوس، رقم (٢٥٧١) عن ابن عمر - ﵄ - بلفظ: (جمعة بعمامة أفضل من سبعين جمعة بلا عمامة)، وأسنده ابن حجر في اللسان (٤/ ٤١٣) بلفظ أقرب للفظ المؤلف، ووصفه بأنه موضوع، وينظر: المقاصد الحسنة ص ٣٤٦، والسلسلة الضعيفة رقم (١٢٨).
[ ١ / ١٩١ ]
حاجة، كنت تذهب هكذا؟ قال: لا. قال: الله أحقُّ أنَ تَزَيَّنَ له (^١).
واحتج: بأن كل بقعة صحت فيها صلاة الجمعة (^٢) صحت فيها بقية الصلوات، كسائر البقاع، وقد قال أحمد - ﵀ - في رواية حنبل: في المسجد الغصب يُصلي فيه الجمعة، ولا يتطوع فيه (^٣). ونحو ذلك نقل صالح (^٤)، وابن منصور (^٥).
والجواب: أن هذا مبني على صلاة الجمعة (^٦) خلف الفاسق: أنه يتبع؛ لأنها تقف على إمام واحد، وكذلك تختص ببقعة واحدة، وفي الإعادة روايتان:
إحداهما (^٧): تجب، فعلى هذا: لا فرق.
والثانية: لا يعيد؛ لأنه مأمور بمتابعته، وبالصلاة في هذا المكان،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، رقم (١٣٩١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٥٣، ٥٤)، وابن خزيمة في صحيحه، رقم (٧٦٦)، والبيهقي في الكبرى في كتاب: الصلاة، باب: ما يستحب للرجل أن يصلي فيه من الثياب، رقم (٣٢٧٢)، قال ابن كثير: (إسناده جيد). ينظر: مسند الفاروق (١/ ١٤٩).
(٢) في الأصل: الجمعية.
(٣) لم أقف على روايته، ونقلها ابن هانئ في مسائله رقم (٣٤٤).
(٤) في مسائله رقم (٧٦١ و٧٦٢).
(٥) في مسائله رقم (٥٤٤).
(٦) في الأصل: الصلاة الجمعة.
(٧) في الأصل: إحديهما.
[ ١ / ١٩٢ ]
وليس كذلك في غير الجمعة؛ فإنه ممنوع منها (^١).
واحتج: بأنه لو بطلت الصلاة في البقعة الغصب، لبطلت إذا صلى في أرض بنيانها غصب، والأرض ليست بغصب (^٢)؛ لأنه ممنوع من الانتفاع بذلك كما يمنع من الأرض.
والجواب: أن أبا بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله: أليس ينظر في البناء؟ قال: نعم، كان أبو مسلم (^٣) قد بنى مسجدًا، فكان المبارك لا يصلي فيه إلا الفرض - يعني: الجمعة - (^٤).
وظاهر هذا: المنعُ، ويشهد له من أصله: منعُ الصلاة في موضعٍ قبلتُه إلى الحُشّ (^٥)، فمنع من الصلاة إلى حائط الحش، وإن لم تكن البقعة من الحش.
واحتج: بأنه لو صلى في ثوب غصب، أو بقعة غصب، وهو لا يعلم
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٨٥)، وشرح الزركشي (٢/ ٨٥)، والفروع (٣/ ٢٠، ٢١)
(٢) في الأصل: والأرض بغصب.
(٣) عبد الرحمن بن مسلم، ويقال: عبد الرحمن بن عثمان بن يسار، أبو مسلم الخراساني، قال الذهبي عنه: (هازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية … كان سفاكًا للدماء، يزيد على الحجاج في ذلك)، قتل سنة ١٣٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٨).
(٤) ينظر: الورع للمروذي ص ٣٣ و٣٤، ومسائل ابن هانئ رقم (٣٤٢).
(٥) الحُشُّ: موضع قضاء الحاجة. ينظر: لسان العرب (حشش).
[ ١ / ١٩٣ ]
بذلك، ثم علم، صحت صلاته، كذلك إذا كان عالمًا به.
والجواب: أن الجاهل بذلك لا مأثم عليه، والعالم مأثوم ممنوع، والقُرَبُ إذا وقعت على الوجه (^١) نافت القربة، فأما حق الآدمي، فلا يسقط بالنسيان، وهو آخره (^٢).
واحتج: بأنه لو توضأ في دار مغصوبة بماء يملكه، صحت الطهارة، وإن كان الفعل محرمًا، وكذلك إذا باع، أو تزوج في دار مغصوبة، كذلك ها هنا.
والجواب: أن التحريم هناك لم يرجع إلى شرط من شرائط الطهارة، ولا إلى شرط من شرائط العقد، تبين صحة هذا: أن الكون ليس بشرط في صحة العقد، ولا الطهارة؛ لأنه يصح أن يوجبا العقد، وهما يَسْبحان، أو يَهْويان من عُلْو، وكذلك الطهارة تصح في حال سباحته، وليس كذلك الصلاة؛ لأن التحريم رجع إلى شرط من شرائطها، فإن الكون شرط فيها، وكذلك السترة، تبين صحة هذا: لو توضأ لتجديد الطهارة لا عن حدث في دار غصب، لم يؤثر في صحة الطهارة، ولو صلى فيها نافلة، لم تصح، وكان الفرق ما ذكرنا، على أنه قد رُوي عن أحمد - ﵀ - ما يدل على أنه إذا باع في أرض، لم يصح البيع، فقال في رواية ابن بختان (^٣)
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: هذا الوجه.
(٢) كلمة غير واضحة وهو اخره الميل.
(٣) هو: يعقوب بن إسحاق بن بختان، أبو يوسف، قال ابن أبي يعلى: (ذكره =
[ ١ / ١٩٤ ]
في رجل اكترى دكانًا غصبًا، وهو لا يعلم، وقد خرج، ما يصنع بما اشترى؟ قال: يرده في الموضع الذي أخذ منه، وقال في موضع آخر: يرجع فيلقيه في المدينة، ويخرج (^١).
فإن قيل: فما تقول إذا تضايق وقت الصلاة، وهو في أرض غصب، هل يصليها، أم يؤخرها حتى يخرج منها وإن فاتت الصلاة؟
قيل: ينظر في هذا، فإن كان محبوسًا فيها، فإنه يصلي ولا يؤخرها، كما لو كان محبوسًا في حُشّ، صلَّى، ولم يؤخر الصلاة شغلًا للوقت، وفي الإعادة روايتان، وإن كان هو الغاصب، وضاق الوقت عن خروجه منها، لم يجز له الصلاة؛ كما لو ضاق الوقت عليه وهو محدِث، وخاف إن تشاغل خرج الوقت، لم يجز له الصلاة، وتشاغل بالطهارة، كذلك ها هنا.
فإن قيل: فما تقولون إذا غصب سكينًا، فذبح بها؟
قيل له: على قول أبي بكر من أصحابنا: لا تصح الذكاة؛ لأنه قال: إذا غصب شاة فذبحها، تكون ميتة (^٢)، ولا يقطع السارق بإخراجها، والمنصوص عن أحمد - ﵀ -: أن الذكاة صحيحة، نص عليه في الشاة
_________________
(١) = أبو محمد الخلال فقال: كان جار أبي عبد الله وصديقه، وروى عن أبي عبد الله مسائل صالحة كبيرة لم يروها غيره في الورع، ومسائل صالحة في السلطان). ينظر: الطبقات (٢/ ٥٥٤)، والمقصد الأرشد (٣/ ١٢١).
(٢) ينظر: الورع للمروذي ص ٣٣.
(٣) مضى في ص ٢٧٨.
[ ١ / ١٩٥ ]
المغصوبة، فعلى هذا: الفرقُ بينهما: أن الضرورة تبيح ذلك؛ بدليل أنه لو اضطر إلى شاة الغير، أو سكين الغير ليذبح بها، جاز له أخذه، فلهذا لم يؤثر الغصب فيها، وليس كذلك في باب الصلاة؛ لأنه لو عدم السترة أو البقعة، لم يجز له أن يأخذ ثوب غيره ليصلي فيه؛ فبان بذلك: أن السكين أخف، والسترة أغلظ.
فإن قيل: فما تقولون لو صلى في بَرَاح (^١) لرجل ليس عليه [سَتْرٌ] (^٢).
قيل: ليس فيه رواية تحتمل أن نسلّمه؛ لأن الظاهر: أن مالكه لا يمنع من الصلاة فيه.
* * *