فروى عنه صالح (^١)، والمروذي (^٢)، وإسحاق بن إبراهيم (^٣)، وأبو طالب (^٤)، ومحمد بن طالب بن الحكم (^٥): أنه يقطع الصلاة، فقال في رواية
_________________
(١) في مسائله رقم (٥٨٤ و١٢٩٢)، وينظر: الانتصار (٢/ ٢٩١).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩١).
(٣) في مسائله رقم (٢٠٣)، وينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩٢).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩١).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨). ومحمد هو: ابن الحكم، أبو بكر الأحول، قال أبو بكر الخلال: (كان قد سمع من أبي عبد الله، ومات قبل موت أبي عبد الله بثمان عشرة سنة، ولا أعلم أحدًا أشد فهمًا من محمد بن الحكم)، توفي سنة ٢٢٣ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٥)، والمقصد الأرشد (٢/ ٤٣٥)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٥٤٥).
[ ١ / ٢٠٤ ]
صالح (^١): ومن تكلم عامدًا أو ساهيًا، أعاد الصلاة، ومن قال: إن الخطأ والنسيان مرفوع عنه، يلزمه إذا قتل صيدًا ناسيًا، وكذلك نقل إسحاق بن هانئ عنه: في إمام صلى بقوم، فيتكلم ناسيًا، يعيد الصلاة (^٢)، وكذلك نقل أبو طالب: في الرجل يسلم عليه، فيرد السلام ناسيًا، يعيد الصلاة في الفريضة والتطوع (^٣)، وكذلك نقل المروذي - ﵀ -: إذا قال في صلاته: اسقني ماءً، عامدًا أو ناسيًا، استقبل (^٤)، وكذلك نقل محمد بن الحكم (^٥).
وقال: كان الشافعي - ﵀ - يقول: إذا تكلم ساهيًا، لا يعيد (^٦)، ويعيد أعجبُ إلي.
وبهذا قال جماعة من أصحابنا (^٧).
_________________
(١) في مسائله رقم (٥٨٤ و١٢٩٢)، وينظر: الانتصار (٢/ ٢٩١).
(٢) في مسائله رقم (٢٠٣)، وينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩٢).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩١).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩١).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨). ومحمد هو: ابن الحكم، أبو بكر الأحول، قال أبو بكر الخلال: (كان قد سمع من أبي عبد الله، ومات قبل موت أبي عبد الله بثمان عشرة سنة، ولا أعلم أحدًا أشد فهمًا من محمد بن الحكم)، توفي سنة ٢٢٣ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٥)، والمقصد الأرشد (٢/ ٤٣٥)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٥٤٥).
(٦) ينظر: الأم (٢/ ٢٨١).
(٧) ينظر: مختصر الخرقي ص ٥٣، والإرشاد ص ٧٦.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وبه قال أبو حنيفة - ﵀ - (^١).
وروى عنه أبو الحارث (^٢)، ويوسف بن موسى (^٣): لا تبطل الصلاة إذا تكلم ساهيًا. وأومأ إليه في رواية أبي طالب: في إمام سلم من اثنتين فسأل، فقال بعضهم: هي اثنتان، وقال بعضهم: هي أربع، فالذين قالوا: اثنتان يعيدون، ومن قال: إنها أربع، وظن أنها أربع، فهم مثل الإمام لا يعيدون، إنما تكلموا في أمر الصلاة، وهم يظنون أنهم أتموا؛ فقد حكم بصحة صلاتهم؛ لاعتقادهم أنهم في غير صلاة.
وبهذا قال مالك (^٤)، والشافعي (^٥)، وداود (^٦) - ﵏ -.
فالدلالة على أن ذلك يقطع الصلاة: ما تقدم (^٧) من حديث معاوية بن الحكم - ﵁ -، وقول النبي - ﷺ -: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا".
_________________
(١) ينظر: الحجة (١/ ١٦٦)، ومختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٦٩)، ومختصر القدوري ص ٨٢.
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٨)، والانتصار (٢/ ٢٩٢).
(٣) ينظر: ما مضى، والمغني (٢/ ٤٤٦).
(٤) ينظر: المدونة (١/ ١٠٥)، والمعونة (١/ ١٧٣).
(٥) ينظر: الأم (٢/ ٢٨١)، والحاوي (٢/ ١٧٧).
(٦) ينظر: المحلى (٤/ ٦).
(٧) (١/ ١٩٩).
[ ١ / ٢٠٦ ]
فلو كان كلام الناسي لا يفسد، لكان قد صلح فيها شيء من كلام الناس.
فإن قيل: فالخبر حجة عليكم، معتمد في المسألة؛ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه كان جاهلًا بالحكم.
قيل له: لم يعلم بالنهي، فلم يلزمه حكمه، كما لم يلزم أهل قباء حكم النسخ قبل العلم به، بل استداروا في الصلاة (^١).
وقد قال أحمد - ﵀ - في رواية حنبل: فيمن صلى في أعطان الإبل ولم يعلم، ولم يسمع الخبر عن رسول الله - ﷺ -: رجوت أن لا يلزمه (^٢)؛ يعني: لا يلزمه الإعادة.
وقال في رواية صالح: ذو اليدين تكلم، ولا يدري لعلها قد قصرت (^٣).
فإن قيل: قوله: "لا يصلح" لا يفيد بطلان الصلاة؛ لأن الالتفات لا يصلح في الصلاة، والعبث في ثيابه، ولحيته، والخطوة، والخطوتين، ونحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾، رقم (٤٤٩٠)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، رقم (٥٢٦).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٦).
(٣) في مسائله رقم (٩٤٩).
[ ١ / ٢٠٧ ]
قيل له: رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "يصلح الالتفات، أو الخطوة والخطوتان" (^١)، لكنا نقول: إن ظاهره يقتضي بطلان الصلاة.
فإن قيل: هذا أمر بالامتناع من الكلام في الصلاة، وأن (^٢) في صورة الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والناسي لا يتوجه إليه الأمر والنهي.
قيل له: ظاهره الخبر، ويمكنّا حملُه عليه، فلا نصرفه إلى غيره إلا بدلالة، على أن الناسي يجوز أن يكون حكم الخطاب قائمًا عليه في فساد صلاته إذا ترك شرطًا من شروطها، ولم يجز توجه الخطاب إليه في حال النسيان؛ كما لو نسي الطهارة، وصلى، أو نسي القراءة أو الركوع، فسدت صلاته، وكذلك إذا تكلم ساهيًا.
وروى أبو شيبة (^٣) عن يزيد أبي خالد (^٤)،
_________________
(١) لم أجده، وجاء في سنن الترمذي رقم (٥٨٩) باب: ما ذكر في الالتفات في الصلاة: عن أنس - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا بني! إياك والالتفات في الصلاة؛ فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد، ففي التطوع، لا في الفريضة"، وذكر ابن رجب في الفتح (٤/ ٤٠٥): أنه لا يحتج به.
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وأنه في صورة.
(٣) هو: إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو شيبة، قال ابن حجر: (متروك الحديث). ينظر: التقريب ص ٦٢. ووهم ابن الجوزي كما في التحقيق (٢/ ٣١)، فجعل أبا شيبة (عبد الرحمن بن إسحاق)، قاله ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٩٧).
(٤) في الأصل: يزيد بن حلد، والتصويب من سنن الدارقطني. =
[ ١ / ٢٠٨ ]
عن أبي سفيان (^١)، عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء" (^٢)، وهذا عام في العمد والسهو؛ ولأن مثله غير مسنون في الصلاة، فوجب أن لا يختلف عمدُه وسهوه؛ كالجماع، ولا يلزم ﵇؛ لأن مثله مسنون في الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (^٣).
ولا يلزم عليه الخطوة والخطوتان (^٤)؛ لأنه لا يختلف عمدها وسهوها، وكذلك الالتفات.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يبطل الطهارة والصلاة، فأبطل
_________________
(١) = ويزيد هو: أبو خالد الدالاني، الأسدي، الكوفي، اسمه: يزيد بن عبد الرحمن، قال ابن حجر: (صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس). ينظر: التقريب ص ٧٠١.
(٢) هو: طلحة بن نافع الواسطي، الإسكاف، قال ابن حجر: (صدوق). ينظر: التقريب ص ٢٩١.
(٣) أخرجه الدارقطني في كتاب: الطهارة، باب: أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، رقم (٦٥٩)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٦٧)، وضعّف رفع الحديث في السنن الكبرى (١/ ٢٢٦)، وضعّفه ابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٣٠)، وابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٩٦)، وابن حجر في التلخيص (٢/ ٨١١).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأذان: باب: التشهد الأخير، رقم (٨٣١)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، رقم (٤٠٢).
(٥) في الأصل: الخطوتين.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الصلاة في الحالين، والكلام لا يبطل الطهارة، ويبطل الصلاة، فاختلف عمده وسهوه؛ كالسلام.
قيل له: العمل الكثير لا يبطل الطهارة، ويبطل الصلاة، ويستوي عمده وسهوه؛ ولأنه من كلام الناس، فوجب أن يفسد الصلاة؛ كما لو تعمد.
ولا يلزم ﵇؛ لأنه ليس من كلام الناس، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (^١)؟ ووجدنا السلام مثله مسنون في الصلاة، فلو كان من كلام الناس، لما كان مسنونًا في الصلاة.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ -: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه" (^٢).
والجواب: أن ظاهره يقتضي أن يكون نفسُ النسيان مرفوعًا عن الأمة، وقد علمنا وقوع النسيان منهم، فعلم أن المراد بالخبر غيرُ ما يقتضي ظاهره، فلا يخلو إما أن يكون المراد به المأثم، أو الحكم، وليس واحد منهما مذكورًا في الخبر، فسقط التعلق به.
فإن قيل: نحمله عليهما.
قيل له: العموم يُدّعى في الألفاظ، والمأثم والحكم غير مذكورين (^٣)
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ١٩٩).
(٢) مضى تخريجه ص ١٠٢.
(٣) في الأصل: مكورين، ولعل المثبت يستقيم به اللفظ.
[ ١ / ٢١٠ ]
في اللفظ، فلا يصح ادعاء العموم فيهما.
واحتج: بحديث معاوية، وأن النبي - ﷺ - لم يبطل صلاته (^١)، وقد أجبنا عنه، وجعلناه حجة لنا من الوجه الذي بينا.
واحتج: بحديث أبي هريرة - ﵁ -: أنه قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشاء، فسلم في الركعتين، ثم استند إلى جذع في المسجد، وخرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة [، أم نسيت]؟ فقال: "لم تقصر، ولم أنس"، فقال: بل نسيت، قال: "كل ذلك لم يكن"، ثم أقبل على أبي بكر وعمر - ﵄ -، فقال لهما: "أحق ما يقول ذو اليدين؟ "، فقالا: نعم، فعاد إلى مكانه، وأتم صلاته (^٢).
فوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - تكلم، وعنده: أنه قد أتم الصلاة، فكان بمنزلة الناسي، وكذلك ذو اليدين تكلم، وعنده: أن الصلاة قد قصرت، فظن أنه يتكلم في غير الصلاة، فكان في حكم الناسي، ومع ذلك فلم يستأنف النبي - ﷺ -، بل بنى على ما مضى منها.
والجواب: أن الكلام في الصلاة كان مباحًا في ذلك الوقت، ورُوي عن الزهري: أنه قال: [كان ذلك قبل استحكام الفرائض]، ويدل على ذلك أيضًا: أن النبي - ﷺ - قال: "لم تقصر، ولم أنس" قال ذو اليدين: بل نسيت،
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ١٩٩).
(٢) مضى تخريجه (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٢١١ ]
هكذا رواه أبو داود (^١)، فتكلم عامدًا بعد ما علم أن الصلاة لم تقصر، وأنه بعدُ في الصلاة، وكذلك أبو بكر وعمر - ﵄ - تكلما بعد علمهما أنهما في الصلاة، ولم يأمرهما النبي - ﷺ - بإعادة الصلاة.
فإن قيل: روى أبو داود (^٢) هذا الحديث بإسناده عن أبي هريرة - ﵁ - إلى قوله: "قال له ذو اليدين: بل نسيتَ يا رسول الله، فأقبل على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا (^٣)؛ أي: نعم، ففي هذا الخبر أنهم أشاروا ولم يتكلموا، ويروى: "أنهم قالوا: نعم" (٢)، وإنما أراد به الإيماء، وسمّاه قولًا؛ لأن ذلك سائغ في اللغة، تقول العرب: قلتُ برأسي ويدي، وقال بعضهم (^٤):
تقُول إِذا دَرأْتُ لها وَضِينِي … أَهذا دِينُه أَبَدًا ودِيني (^٥)
_________________
(١) في سننه في كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، رقم (١٠٠٨).
(٢) مضى تخريجه في (١/ ٢٠٠).
(٣) في الأصل: فاوموا.
(٤) هو: المثقب العبدي، واسمه: عائذ بن محصن بن ثعلبة، من بني عبد القيس من ربيعة، شاعر جاهلي من أهل البحرين. ينظر: مقدمة ديوان المثقب ص ٨.
(٥) في الأصل: يقول إذا رادت وقلت لها وصيتي … أهذا دينه أبدًا وديني ينظر ديوان المثقب ص ١٩٥، وهو بيت من قصيدة مطلعها: أَفاطِمُ قبلَ بيْنِكِ مَتّعيني … وَمَنْعُكِ ما سَأَلتُ كَأَنْ تَبِيني =
[ ١ / ٢١٢ ]
يريد: الناقة، فعبّر عن الإشارة والإيماء بالقول.
قيل له: في هذا الخبر: "أن القوم أومؤوا؛ أي: نعم"، وفي رواية أحمد التي تقدم ذكرها (^١): أن أبا بكر وعمر - ﵄ - قالا: نعم، فثبتهما جميعًا، ونقول: أشار القوم؛ أي: نعم، وقال أبو بكر وعمر - ﵄ - بلسانهما: نعم.
فإن قيل: لم تبطل صلاة أبي بكر وعمر - ﵄ -، وإن تكلما عامدين؛ لأن النبي - ﷺ - لما سألهما عما يقول ذو اليدين، لزمهما أن يجيباه، ألا ترى أن النبي - ﷺ - دعا أُبيًّا وهو في الصلاة، فلم يجبه، فلما فرغ، قال له النبي - ﷺ -: "ما منعكَ أن تجيبني إذ دعوتُكَ؟ "، فقال: كنت أصلي، فقال: "أما سمعتَ الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ فقال: لا أعود (^٢). فدل على أن إجابته في الصلاة كانت واجبة، وإذا وجبت، لم تبطل بها الصلاة، وجرت مجرى القراءة، والركوع، والسجود.
قيل: لزوم الإجابة لرسول الله - ﷺ - لا يمنع الفساد، ألا ترى أنه لو
_________________
(١) = ومعنى دَرَأْت وضِينَ البعيرِ: إِذا بَسَطْتَه على الأَرضِ، ثم أَبْرَكْته عليه لِتَشُدَّه به، ودَرَأْتُ عن البعير الحَقَبَ: دَفَعْتُه؛ أَي: أَخَّرْته عنه. ينظر: لسان العرب (درأ). الوَضِين: بِطانٌ منسوج بعضه على بعض، يُشَدُّ به الرَّحْلُ على البعير. ينظر: اللسان (وضن).
(٢) (١/ ٢٠١).
(٣) أخرجه أحمد في المسند رقم (٩٣٤٥)، والترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل الفاتحة رقم (٢٨٧٥)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، رقم (٨٦١).
[ ١ / ٢١٣ ]
رأى رجلًا يقتل رجلًا، وأمكنه أن يمنعه، لزمه أن يمنعه؟ وإذا فعل، فسدت صلاته.
فإن قيل: حظرُ الكلام في الصلاة كان بمكة، وقصةُ ذي اليدين بالمدينة، يدلك على صحة ذلك: ما روي أن عبد الله قدم من الحبشة، والنبي - ﷺ - كان يصلي عند الكعبة، فسلم عليه، فلم يرد عليه، الخبر (^١).
قيل له: الكلام كان مباحًا بالمدينة، ألا ترى أن أبا عمرو الشيباني (^٢) روى عن زيد بن أرقم قال: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام (^٣).
وروى رجاء الحافظ (^٤) في كتابه
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ١٢٠)، وليس فيه جملة: "عند الكعبة"، وسيأتي كلام المؤلف بعد قليل.
(٢) هو: سعد بن إياس الكوفي، من بني شيبان بن ثعلبة، أدرك الجاهلية، وكاد أن يكون صحابيًا، حدث عن طائفة من الصحابة، من رجال الكتب الستة، توفي سنة ٩٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٧٣)، والتقريب ص ٢٢٠.
(٣) مضى تخريجه (١/ ١٩٨).
(٤) هو: رجاء بن مرجَّى الغفاري، أبو محمد المروزي، إمام، ثقة، حافظ، توفي سنة ٢٤٩ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤١٦)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٩٨)، والتقريب ص ١٩٦.
[ ١ / ٢١٤ ]
قال (^١): كنا على عهد رسول الله - ﷺ - (^٢) حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا حينئذ بالسكوت.
ورُوي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كنا نرد السلام في الصلاة، حتى نُهينا عنه (^٣).
وزيد بن أرقم وأبو سعيد لم يُسْلِما بمكة، وهما من الأنصار.
وقال صالح بن أحمد (^٤): قلت لأبي: قصة ذي اليدين قبل بدر أو بعد بدر؟ فقال: أبو هريرة يحكيه، وكان إسلامه بعد وقعة خيبر، وإنما صحب النبي - ﷺ - ثلاث سنين وشيئًا (^٥)، وهذا يدل على أنه رأى النسخ بالمدينة، وقولهم: إن عبد الله بن مسعود قدم والنبي - ﷺ - يُصلي عند الكعبة غلط؛ لأن في هذا الخبر: أن عبد الله قدم من الحبشة، والنبي - ﷺ - كان
_________________
(١) هكذا في الأصل، وثمة سقط وهو: (بإسناده عن زيد بن أرقم)، كما في الانتصار (٢/ ٢٩٨).
(٢) هكذا في الأصل، وثمة سقط وهو: (نتكلم في الصلاة …)، والحديث مضى تخريجه (١/ ١٩٨).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٥١)، والبزار. ينظر: كشف الستار عن زوائد البزار (٢/ ٢٦٨)، رقم (٥٥٤)، قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٨١): (وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث … ضعفه الأئمة أحمد وغيره)، وينظر: فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٢٠).
(٤) في مسائله رقم (١٤٣).
(٥) في الأصل: أو سنتا، والتصويب من المسائل.
[ ١ / ٢١٥ ]
يتأهب للخروج إلى بدر، وذو اليدين صاحب القصة كان حيًا يومئذ، وقتل ببدر بعد ذلك، فيجوز أن تكون قصته قبل قدوم عبد الله من الحبشة في حال كان الكلام مباحًا، ثم حظر الكلام، فقدم عبد الله والكلامُ محظور (^١)، فخرج ذو اليدين إلى بدر، وقتل، وإذا ثبت أن قدومه كان عند تأهبه، امتنع أن يكون قدومه بمكة؛ لأنه من المدينة خرج إلى بدر.
فإن قيل: الذي قتل يوم بدر كان يقال له: ذو الشمالين، والذي تكلم في الصلاة ذو اليدين، والدليل على ذلك: ما روى علي بن سعيد قال: سألت أحمد - ﵀ - عن قصة ذي اليدين، وقصة الخرباق؟ قال: لا، هما حديثان (^٢).
وقال أيضًا في رواية الميموني - وقد قيل: لو أنهم يقولون: إنه قتل يوم بدر -، فقال: ليس من هذا شيء.
وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (^٣): حديث عمران بن
_________________
(١) في الأصل: محظورًا.
(٢) ينظر: فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٧١). علي هو: ابن سعيد بن جرير النسوي، أبو الحسن، قال الخلال عنه: (كبير القدر، صاحب حديث)، له مسائل كيرة عن الإمام أحمد، توفي سنة ٢٥٧ هـ. ينظر: الطبقات (٢/ ١٢٦)، والمقصد الأرشد (٢/ ٢٢٥).
(٣) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥١٠) رقم (٣٩٢٥)، فقد أورد كلام الحميدي بطوله. =
[ ١ / ٢١٦ ]
حصين غير حديث أبي هريرة، وكانا في وقتين مختلفين، والخرباق غير ذي اليدين، والدليل عليه: أن عمران بن حصين روى أن النبي - ﷺ - سلّم من ركعتين، فدل ذلك على أحدهما غير الآخر.
ولأن أبا محمد القتبي (^١) قال في المعارف (^٢): "ذو اليدين، كنيته: أبو محمد (^٣)، واسمه: عمير (^٤)، وكان من خزاعة، قال: وهو الذي كلمه النبي - ﷺ - في الصلاة.
قيل له: قد قيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وكان طويل اليدين يعرف بذي الشمالين، فكره النبي - ﷺ - أن يقال له: ذو الشمالين، فقال: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ ".
_________________
(١) = والحميدي هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة، الإمام، الحافظ، الفقيه، شيخ الحرم، أبو بكر القرشي، الأسدي، قال أحمد بن حنبل: الحميدي عندنا إمام. له كتاب المسند، توفي سنة ٢١٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٦).
(٢) القتبي هو: أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدينوري، قال الذهبي: (العلامة الكبير، ذو الفنون)، من تصانيفه: غريب القرآن، وغريب الحديث، والمعارف، ومشكل القرآن، وغيرها، توفي سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦).
(٣) في ص ١٨٢.
(٤) في الأصل: محمد، والتصويب من المعارف.
(٥) في الأصل: عبيد، والتصويب من المعارف.
[ ١ / ٢١٧ ]
وروى الزهري أنه قال (^١): ذو اليدين قتل يوم بدر، وأن ذا اليدين وذا الشمالين واحد (^٢).
وروي عن يحيى بن معين: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، واسمه الخرباق (^٣).
وفي بعض الأخبار رُوي عن (^٤) [أبي] (^٥) قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: سلّم رسول الله - ﷺ - في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل الحجرة، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان طويل اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا يجر رداءه، فقال: "أصدق؟ "، قال: نعم، فصلى تلك الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (^٦).
وقد روى أحمد - ﵀ - هذا اللفظ (^٧)، على أن أكثر ما فيه أن ذا اليدين غير ذي الشمالين، وأن القصة تأخرت عن قدوم ابن مسعود،
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله: وروي عن الزهري أنه قال.
(٢) ينظر: الاستذكار (٤/ ٣١٠ و٣١١)، وشرح ابن بطال للبخاري (٣/ ٢٢٢)، وتنقيح التحقيق (٢/ ٣٠٥).
(٣) لم أقف عليها.
(٤) في الأصل: أنه، والمثبت هو الصواب. كما مضى في ص ٢٠١.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) مضى تخريجه (١/ ٢٠٢).
(٧) في المسند، رقم (١٩٨٢٨).
[ ١ / ٢١٨ ]
وهذا لا يضير (^١)؛ لأن الكلام أُبيح بعد ذلك، والدليل عليه: ما روى زيد بن أرقم قال: كنا نتحدث في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت (^٢).
وزيد بن أرقم أصغر سنًا من أبي هريرة - ﵄ -.
فإن قيل: فأبو هريرة هو الذي روى قصة ذي اليدين، وعمران بن حصين، وإسلامُهما متأخر، وقد بين ذلك محمد بن نصر المروزي (^٣) في كتابه: الرد على أهل الرأي ومخالفتهم لعلي وعبد الله - ﵄ -، فذكرا لي قال: وأما أبو هريرة، فقال: أسلمتُ والنبيُّ - ﷺ - قد فتح خيبر، وقدمت المدينة وبها سباع بن عرفطة (^٤) الغفاري - ﵁ -، والنبي - ﷺ - بخيبر، فخرجت إليه، قال: وصحبت النبي - ﷺ -[ثلاث] سنوات (^٥).
_________________
(١) في الأصل: يصير، والكلام لا يستقيم بها، فلعل المثبت هو الصواب.
(٢) مضى تخريجه (١/ ١٩٨).
(٣) هو: محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، أبو عبد الله، قال الذهبي: (الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ)، من مصنفاته: تعظيم قدر الصلاة، واختلاف الفقهاء، والسنة، توفي سنة ٢٩٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣)، والتقريب ص ٥٧٠.
(٤) في الأصل: عروطة.
(٥) في الأصل: بدون ثلاث، والزيادة من صحيح البخاري. (وقول أبي هريرة - ﵁ -: صحبت …) أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٥٩١). =
[ ١ / ٢١٩ ]
وقال أبو بكر الحميدي: وأسلم عمران بن حصين بعد بدر (^١).
وإذا كان كذلك، دل على أنه كان هذا بعد تحريم الكلام بسنتين.
قيل: يحتمل أن يكون حدّث بالقصة عن غيره، وإن لم يكن قد شاهدها، وكذلك زيد بن أرقم وعمران بن حصين - ﵄ -، كما قال البراء: ما كلُّ ما نحدِّثكم عن رسول الله - ﷺ - سمعناه، ولكن سمعنا، وحدَّثَنا أصحابُنا (^٢).
وروى حماد بن سلمة (^٣) عن حميد (^٤)، عن (^٥) أنس قال: والله!
_________________
(١) = وينظر: الأوسط (٣/ ٢٩٢)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٥٨٩). وأما كتاب الرد على أهل الرأي لابن نصر، فلم أقف عليه، وقد أشار إليه الذهبي في السير (١٤/ ٣٨).
(٢) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥١٠)، رقم (٣٩٢٥).
(٣) أخرجه بنحوه الإمام أحمد في المسند، رقم (١٨٤٩٣ و١٨٤٩٨)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٧٤)، وقال: (هو صحيح على شرط الشيخين، وليس له علة، ولم يخرجاه)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٤): (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح).
(٤) ابن دينار البصري، أبو سلمة، قال ابن حجر: (ثقة، عابد، … تغير حفظه بأخرة). توفي سنة ١٦٧ هـ. ينظر: التقريب ص ١٦٣.
(٥) ابن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، قال ابن حجر: (اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة، مدلس)، توفي سنة ١٤٢ هـ. ينظر: التقريب ص ١٦٦.
(٦) في الأصل: بن، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب.
[ ١ / ٢٢٠ ]
ما كلُّ ما نحدِّثكم سمعناه من رسول الله - ﷺ -، ولكن كان يحدث بعضنا بعضًا (^١).
وروى ابن جريج (^٢) قال: نا عمرو (^٣) عن يحيى بن جعدة (^٤): أنه أخبره عن عبد الله بن عبد القاري (^٥) أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: لا وربِّ هذا البيت! ما أنا قلت: من أدرك الصبح وهو جنب، فليفطر، ولكن محمدًا قاله، وحقِّ ربِّ هذا البيت (^٦).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٣/ ٦٦٥) رقم (٦٤٥٨)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٤): (ورجاله رجال الصحيح).
(٢) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي، قال ابن حجر: (ثقة، فقيه، فاضل، وكان يدلس، ويرسل)، توفي سنة ١٥٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٩٤.
(٣) هو: عمرو بن دينار المكي، أبو محمد، الأثرم، الجمحي مولاهم، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ١٢٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٤٦٢.
(٤) ابن هبيرة بن أبي وهب المخزومي. قال ابن حجر: (ثقة، وقد أرسل عن ابن مسعود، ونحوه). ينظر: التقريب ص ٦٥٨.
(٥) هو: عبد الله بن عمرو بن عبد القاري، قال ابن حجر: (مقبول). ينظر: التقريب ص ٣٣٢.
(٦) أخرجه بنحوه الإمام أحمد في مسنده، رقم (٧٣٨٨)، وابن ماجه في كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الرجل يصبح جنبًا وهو يريد الصيام، رقم (١٧٠٢)، وقال الألباني: (إسناده صحيح، رجاله ثقات)، ينظر: السلسلة الصحيحة (٣/ ١١)، رقم (١٠١٢).
[ ١ / ٢٢١ ]
ثم لما أُخبر برواية أم سلمة (^١) - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم يومه ذلك، قال: لا علم لي بهذا، إنما أخبرني به الفضل بن العباس - ﵄ - (^٢).
فإن قيل: لو كان كذلك، لما روى أبو هريرة - ﵁ -: صلى بنا رسول الله - ﷺ -؛ لأن أبا هريرة لم يكن قد أسلم في ذلك.
قيل له: قوله: صلى بنا، يحتمل أن يريد به: صلى بقومنا، ويعني به: المسلمين، كما قال النزال بن سَبْرة (^٣) - ﵁ -: قال لنا رسول الله - ﷺ - (^٤).
وكما قال طاوس (^٥): قدم علينا معاذ، وأراد به: قدم على أهل
_________________
(١) في الأصل: برواية وأم سلمة.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا، رقم (١٩٢٥ و١٩٢٦)، ومسلم في كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، رقم (١١٠٩).
(٣) في الأصل: سرة، والتصويب من التقريب ص ٦٢٧. قال ابن حجر: (النزال بن سَبْرة، الهلالي، الكوفي، ثقة … قيل: إن له صحبة)، روى عنه البخاري وغيره. ينظر: التقريب ص ٦٢٧.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٨/ ٢٨٢)، رقم (٣٢٣٩)، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: (رجاله ثقات)، وينظر: شرح ابن بطال على صحيح البخاري (٣/ ٢٢٠)، وتعليق ابن التركماني على سنن البيهقي (٢/ ٥١١)، وأول الحديث: "إنا كنا وإياكم في الجاهلية ندعى بني عبد مناف".
(٥) هو: طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم، يقال: =
[ ١ / ٢٢٢ ]
بلدنا؛ لأن (^١) معاذًا خرج إلى اليمن في عهد رسول الله - ﷺ -، وطاوس لم يكن ولد في ذلك الوقت (^٢).
وكما قال الحسن (^٣): خطبنا عتبة بن غزوان، وأراد به خطب أهلَ بلدنا - يعني: البصرة (^٤) -.
فإن قيل: نحمل حديث زيد بن أرقم على أن المهاجرين كان أحدهم يكلم الرجل إلى جنبه بمكة، ويكون بمعنى قوله: أحدنا يريد به: أحد (^٥) الصحابة - ﵃ -، وهم المهاجرون بمكة، فأضافه إليهم على هذا الوجه.
_________________
(١) = اسمه ذكوان، وطاوس لقب، قال ابن حجر: (ثقة، فقيه، فاضل)، توفي سنة ١٠٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٢٨٩.
(٢) في الأصل: إلى أن، والمثبت هو الصواب. ينظر: الانتصار (٢/ ٣٠١).
(٣) ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٥١)، وابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (٣/ ٢٢١)، وابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي (٢/ ٥١١).
(٤) هو: الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار الأنصاري مولاهم، قال ابن حجر: (ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، وكان يرسل كثيرًا، ويدلس، قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم، فيتجوز، ويقول: حدثنا وخطبنا، يعني: قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة)، توفي سنة ١١٠ هـ. ينظر: التقريب ص ١٤٠.
(٥) ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٥١).
(٦) في الأصل: أخذنا، يريد به: أخذ، والمثبت هو الصواب.
[ ١ / ٢٢٣ ]
قيل له: لا يصح هذا؛ لأنه ذكر في الخبر: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وهذا في سورة البقرة (^١)، وهي مدنية، قال أحمد - ﵀ - في رواية المروذي: أربع سور نزلت بالمدينة: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة (^٢).
واحتج: بأنا قد علمنا بأن الكلام في الصلاة لم يكن يبطلها، وقد تيقنا ورود النسخ في العمد، فيجب أن يكون حكم السهو باقيًا على ما كان في الأصل.
والجواب: أن الذي أوجب بطلان الصلاة بكلام العامد هو الذي يوجب بطلانها بكلام الساهي، فلا معنى للفرق بينهما.
فإن قيل: الذي يوجب بطلان الصلاة بكلام العامد هي (^٣) الأخبار التي فيها نهي عن الكلام، والناسي لا يتوجه إليه النهي.
قيل له: إن يتوجه إليه، جاز أن يدخل تحت الخبر الذي صورته الإخبار؛ مثل قوله: الكلام يبطل الصلاة، ولا يبطل الوضوء، ومثل حديث معاوية (^٤)، وعلى أن إباحة الكلام في الصلاة ونفي بطلانها بالكلام حكم ثابت في الأصل، فالحكم ببطلانها بكلام الناسي لا يكون نسخًا،
_________________
(١) آية: ٢٣٨.
(٢) ينظر: بدائع الفوائد (٣/ ١٠٢٦).
(٣) في الأصل: هو، والصواب المثبت.
(٤) مضى تخريجه في (١/ ١٩٩).
[ ١ / ٢٢٤ ]
فيجوز أن يثبت بدلالة القياس.
واحتج: بأن الناسي كالجاهل في سقوط المأثم، ثبت أنه لو كان جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، لم تبطل صلاته، كذلك إذا كان ناسيًا.
والجواب: أن الجاهل بتحريم الكلام يتكلم بإباحة سابقة؛ لأن الكلام كان مباحًا في صدر الإسلام.
بدليل: ما تقدم من الأخبار، فلهذا لم يثبت حكم النسخ في حقه إلا بعد العلم، وليس كذلك الناسي؛ لأن الكلام حصل منه بعد علمه بنسخه، فلهذا لم يعذر فيه.
فإن قيل: فالناسي أعذر من الجاهل، بدليل: أنه لو أكل في الصوم ناسيًا، لم يبطل صومه، ولو أكل جاهلًا بتحريم الأكل، بطل صومه.
قيل: إنما لم يعذر الجاهل (^١)؛ لأنه لم يسبق في الشرع إباحة [الأكل] في حال الصوم، وها هنا قد سبق إباحة الكلام، وأما إذا أكل ناسيًا، فإنما لم يبطل صومه؛ لما يأتي الكلام عليه.
واحتج: بأن الكلام معنى يختص بإفساد الصلاة، فوجب أن لا يفسدها بسهوه؛ قياسًا على السلام، وفيه احتراز من الحدث؛ لأنه يفسد الطهارة والصلاة جميعًا، فلم يكن مختصًا بإفساد الصلاة، وربما قالوا: نطقٌ حرّمتْهُ الصلاة، فوجب أن يختلف عمده وسهوه، أصله: السلام.
والجواب: إن مثله مسنون في الصلاة، فجاز أن يختلف حكم عمده
_________________
(١) في الأصل: إنما يعذر الجاهل، والصواب المثبت.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وسهوه، وليس كذلك الكلام؛ لأن مثله غير مسنون في الصلاة، فلا يختلف حكم سهوه وعمده؛ كالجماع.
قيل: الحلق مأمور به في الحج والعمرة في موضع، وقتل الصيد غير مأمور به، ثم إذا قدم الحلق في الإحرام على موضعه، كان حكمه حكم قتل الصيد فيما يتعلق به من الفدية، ولم يجز أن يفرق بينهما بأن أحدهما نسك في هذه العبادة، والآخر ليس بنسك، كذلك لا يجوز أن يفرق بين الكلام والسلام بهذا الفرق.
قيل له: الحلق غير مأمور به في حال هذه العبادة، فلم يختلف حكمه وحكم قتل الصيد في حال الإحرام، واستوى أيضًا حكم عمده وسهوه؛ كالكلام لما لم يكن مسنونًا في حال الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (^١)، فجاز أن يختلف حكم عمده وسهوه.
واحتج: بأنه معنى تمتنع منه (^٢) العبادة منعًا يختص بالعبادة، فسهوه لا يبطلها؛ كالأكل في الصوم.
والجواب: أنا لا نسلِّم الوصف في الأصل؛ لأن الأكل لا يختص
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ٢٠٩).
(٢) هكذا في الأصل، ولعلها: معنى يمنع منه في العبادة منعًا يختص. وقد جاء في الانتصار (٢/ ٣٠٦): (واحتج: بأن ما منع منه في العبادة منعًا يختصها فُرِّق بين عمده وسهوه؛ كالأكل في الصوم).
[ ١ / ٢٢٦ ]
النهي عنه بالصوم؛ لأنه ممنوع منه في الصلاة أيضًا، وعلى أن الصلاة أعم في الفساد من الصوم؛ لأنه يفسدها ما لا يفسد الصوم من الكلام، والعمل، والحديث.
ولأن الصوم حجة عليهم؛ لأنه لو ظن أن الشمس قد غربت، فأكل، ثم بان أنها لم تغرب، فعليه القضاء، ولو ظن أنه قد خرج من الصلاة فتكلم، فصلاته صحيحة، وكان يجب أن يقولوا: تبطل كالصوم، وعلى أن الصوم ينعقد، وإن لم يقصد انعقاده، وهو بكونه (^١) نائمًا، أو مغمى عليه حين طلوع الفجر، فجاز أن يكون ما يفسده يختلف بقصده وعدم قصده، والصلاة لا يصح انعقادها من غير قصده، فجاز أن لا يختلف ما يفسدها بالسهو.
واحتج: بأن بكر بن محمد روى عن أبيه (^٢) عن أحمد - ﵀ - فيمن قرأ آية رحمة، فجعلها عذابًا، تمت صلاته، ولا يسجد للسهو (^٣)، ومعلوم أن هذا لا يكون قرآنًا، وقد حكم أحمد - ﵀ - بصحة (^٤) الصلاة (^٥).
_________________
(١) في الأصل: بكون.
(٢) اسمه: محمد بن الحكم، مضت ترجمته.
(٣) ينظر: الإنصاف (٤/ ٣٩٩).
(٤) في الأصل: بصحت.
(٥) ينظر: التمام (١/ ١٧٨)، والنكت على المحرر (١/ ١٣٨)، ونقل الكوسج نحوها في مسائله (١٩٩)، وكذلك مثنى بن جامع. ينظر: التمام =
[ ١ / ٢٢٧ ]
والجواب: أن هذا يعتقد أنه يأتي في صلاته بما هو مشروع فيها، فهو كما لو سها، فصلى خمسًا: أن صلاته صحيحة، وكلام الآدميين لم يقصد به هذا، فهو كالعمل في الصلاة إذا كثر من غير اعتقاد أنه من الصلاة، فإن صلاته تبطل، وعلى أنه قد رُوي عن أحمد - ﵀ - ما يدل على بطلان الصلاة أيضًا، فقال الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني (^١): سألت أحمد - ﵀ -: عن الرجل يختم آية رحمة بآية عذاب؟ فقال: هذا أشد، كأنه رأى الإعادة للصلاة، قيل له: فأي حروف تعاد منه الصلاة؟ قال: إذا كان حرفًا يغيّر المعنى، أو كلامًا يشبه هذا (^٢)، وهذا يدل على البطلان.
* * *