نص عليه في رواية الميموني (^٣)،
_________________
(١) = (١/ ١٧٨)، والطبقات (٢/ ٤١٢).
(٢) قال ابن أبي يعلى: (نقل عن إمامنا أشياء)، ولم يؤرخ وفاته، ولم أجد مزيدًا في ترجمته: ينظر: الطبقات (١/ ٣٧١)، والمقصد الأرشد (١/ ٣٣٣).
(٣) ينظر: التمام (١/ ١٧٩)، وقد جعلت الرواية فيه لوالده محمد بن الحارث، وهو سهو، بل الرواية لابنه الحسن. وينظر: الإنصاف (٤/ ٣٩٩).
(٤) ينظر: الانتصار (٢/ ٣٠٨).
[ ١ / ٢٢٨ ]
وإسحاق بن إبراهيم (^١)، وصالح (^٢)، قال صالح: قلت (^٣): قال سفيان في الضحك والريح: يعيد الوضوء والصلاة، وفي الرعاف (^٤): يبني؟ فقال: إني أعجبُ إليَّ أن يتوضأ في هذا كله ويستأنف الصلاة (^٥).
وبهذا قال مالك (^٦)، والشافعي - رحمهما الله - في الجديد (^٧).
وروى حنبل عنه: أنه يتوضأ، ويبني على صلاته (^٨).
وهو قول أبي حنيفة - ﵀ - (^٩)، والشافعي - ﵀ - في القديم (^١٠)، وداود (^١١).
_________________
(١) في مسائله رقم (٣٧ و٢٢٨ و٢٢٩ و٣٩٧ و٣٩٨ و٣٩٩).
(٢) في مسائله رقم (٦٨٤ و١٢٧٨).
(٣) كذا في الأصل منسوبة لصالح، ولعل الصواب أنها للكوسج، فهي موجودة في مسائله بالنص، ويدل على هذا: أنه كثيرًا ما يسأل الإمام أحمد عن أقوال سفيان.
(٤) رعاف الأنف: هو سيلان دمه وقطرانه. اللسان (رعف).
(٥) ينظر: مسائل الكوسج رقم (٨٩ و٩٠).
(٦) ينظر: المدونة (١/ ٣٧)، والمعونة (١/ ٢٠٤).
(٧) ينظر: الأم (٢/ ٦٦)، والبيان (٢/ ٣٠٢).
(٨) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٩).
(٩) ينظر: الحجة (١/ ٦٠)، ومختصر الطحاوي ص ٣٢.
(١٠) ينظر: الأم (٢/ ٦٦)، والبيان (٢/ ٣٠١).
(١١) ينظر: المحلى (٤/ ٩٨).
[ ١ / ٢٢٩ ]
وروى عنه الفضل بن زياد: إن كان الحدث من السبيلين، يبتدئ الصلاة، وإن كان من غيرهما؛ كالرعاف والفصاد (^١) ونحوه، توضأ وبنى (^٢).
وهو قول سفيان - ﵁ - (^٣).
فالدلالة على أنه يبتدئ الصلاة: ما رُوي عن النبي - ﷺ - قال: "لا صلاة إلا بطهور" (^٤)، وهذا لا طهور له، فوجب أن لا يكون صلاة.
فإن قيل: لا تجوز الصلاة بغير طهور؛ لأنه لو فعل جزءًا منها بغير طهور، لم يعتد به.
قيل له: إلا أنه داخل في الصلاة، ومتلبس فيها قبل أن يتوضأ، والخبر يقتضي: نفي الصلاة إذا لم تكن طهارة.
وأيضًا ما روى أبو داود (^٥)، وذكره أبو بكر بإسناده عن علي بن طلق - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا فسا أحدُكم في الصلاة، فلينصرف،
_________________
(١) الفصد: قطع العروق، وافتصد فلان: إذا قطع عرقه. اللسان (فصد).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٣٩). والفضل هو: ابن زياد القطان، أبو العباس، البغدادي، قال الخلال: (كان من المتقدمين عند أبي عبد الله، وكان أبو عبد الله يعرف قدره، ويكرمه، وكان يصلي بأبي عبد الله). ينظر: الطبقات (٢/ ١٨٨).
(٣) ينظر: مسائل الكوسج رقم (٨٩)، واختلاف الفقهاء للمروزي ص ١٢٦. وسفيان هو: ابن سعيد بن مسروق الثوري، مضت ترجمته.
(٤) مضى تخريجه (١/ ١٧٦).
(٥) في سننه، كتاب: الطهارة، باب: من يحدث في الصلاة، رقم (٢٠٥).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فليتوضأ، وليُعد صلاته" (^١)، ولم يفرق بين أن يكون مختارًا، أو مغلوبًا عليه.
والقياس: أنه حدثٌ يمنع من المضي في الصلاة، فوجب أن يمنع من البناء عليها، قياسًا على الحدث إذا تعمده، وعكسه حدث الاستحاضة، ومن به سَلَس؛ لأن هناك لا يمنع المضي، فلا يمنع البناء.
فإن قيل: امتناع المضي فيها لا يدل على بطلانها، كالأمة إذا عتقت في الصلاة، لا يجوز لها [أن] (^٢) تمضي فيها بغير قناع، ولا تبطل صلاتها، وأهل قباء لما علموا بوجوب التوجه إلى الكعبة، لم يجز لهم المضي فيها إلى تلك الجهة، ولم تبطل صلاتهم.
قيل له: إنما لم تبطل صلاتها، وصلاة أهل قباء؛ لأن ذلك عمل يسير، وهو الستر، والاستدارة إلى القبلة، وها هنا عمل كثير؛ ولأن ما أوجب الطهارة في خلال الصلاة أبطل الصلاة.
دليله: الماسح على الخفين إذا انقضت مدة مسحه في الصلاة، وكما لو احتلم في صلاته في حال نومه، أو أصابته بُنْدُقة (^٣)، فشجته،
_________________
(١) أخرجه الترمذي بنحوه في كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن، رقم (١١٦٤)، وأعله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ١٩١) بأن في سنده من لا يعرف، وأقره الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ٧٨٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٦٠٧).
(٢) إضافة يقتضيها الكلام.
(٣) البندق: الذي يرمى به، والواحدة بندقة، وقيل: البندق حمل شجر. =
[ ١ / ٢٣١ ]
وسال دمه، فإنهم قد وافقوا في هذه المسائل أنه يبتدئ الصلاة، كذلك ها هنا.
فإن قيل: المعنى في المسح على الخفين: أنه لا يرفع الحدث، وإنما أُبيح له أداءُ الصلاة به ما دام الوقت باقيًا، فإذا خرج الوقت، ارتفعت الرخصة، وقد حصل له جزء من الصلاة مع الحدث، فيجب عليه أن يستقبل، وها هنا صح دخوله في الصلاة على طهارة صحيحة، ففارقَ حكمَ الماسح، وكذا الاحتلام؛ فإن القياس يقتضي فيه البناء كالحدث، لكن خصصناه من جملة القياس، فلا يقاس عليه، وأما الحدث بالبندقة، فإنما (^١) ابتداء؛ فإنه حصل بفعل آدمي.
قيل له: أما قولك: إن المسح لا يرفع الحدث، فلا نسلم لك هذا، بل يرفع الحدث، وهذا أصل قد تقدم الكلام فيه في الطهارة في مسألة: إذا خلع خفيه، هل تبطل الطهارة بكمالها، أم لا؟
وعلى أن هذا المعنى لم يمنع من المضي في جميع الصلاة، مع بقاء الوقت، فأولى أن لا يمنع الاعتداد.
وأما قولك: إن القياس يقتضي في الاحتلام: أنه يبني أيضًا، لكن خصصناه بدليل، فغير صحيح؛ لأن المعنى الذي لأجله تركت القياس في الاحتلام موجود في غيره من الأحداث، فيجب أن يترك القياس له.
_________________
(١) = ينظر: اللسان (بندق).
(٢) في الأصل بياض بمقدار كلمة، ولعلها [يجب]؛ لدلالة ما سيأتي.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وأما قولك: إن الحدث بالبندقة حصل بفعل آدمي، فيبطل إذا وقعت آجُرّة (^١) على رأسه من هبوب ريح، ومرور سِنَّور (^٢) عليها، فشجته، فإن صلاته تبطل، وإن كان ذلك بغير فعل آدمي، وعلى أن هذا لا يوجب الفرق بينهما في البناء والابتداء، كما لم يوجبه في بعض الطهارة وبطلانها.
واحتج المخالف: بما روى ابن أبي مليكة (^٣) عن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: "من قاء (^٤)، أو رعفَ، فلينصرفْ فليتوضأ، وليبنِ على ما مضى من صلاته ما لم يتكلَّمْ أو يُحْدِث" (^٥).
والجواب: أن أبا طالب سأل أحمد - ﵀ - عن حديث ابن
_________________
(١) الآجر: طين يطبخ، ثم تصنع به بعض الأشياء كالأواني. اللسان (أجر).
(٢) السَّنَّوْرُ: الهِرُّ. ينظر: اللسان (سنر).
(٣) هو: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة - بالتصغير - ابن عبد الله بن جدعان، يقال: اسم أبي مليكة: زهير، التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، قال ابن حجر: (ثقة، فقيه)، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٢٨.
(٤) في الأصل: من فسا، والتصويب من الحديث.
(٥) أخرجه ابن ماجه في كتاب: إقامة الصلوات، باب: ما جاء في البناء على الصلاة رقم (١٢٢١)، والدارقطني في كتاب: الطهارة، باب: في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقيء رقم (٥٦٣)، والبيهقي في كتاب: الطهارة، باب: ترك الوضوء من خروج الدم من غير مخرج الحدث رقم (٦٦٩)، والحديث ضعيف كما سيأتي من كلام المؤلف، وينظر: التلخيص الحبير (٢/ ٧٨٧).
[ ١ / ٢٣٣ ]
عياش (^١) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - قال: "من قاء أو رعف"، فقال: كذا رواه ابن عياش، وإنما رواه ابن جريج عن أبيه (^٢)، وليس فيه عائشة - ﵂ -، ولا النبي - ﷺ - (^٣).
ورُوي عن أبي عبد الرحمن بن أبي حاتم (^٤) قال: سألتُ أبي (^٥) عن هذا الحديث؟ فقال: هذا خطأ، إنما يرويه ابنُ جريج عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي - ﷺ - (^٦).
_________________
(١) في الأصل: ابن عباس - ﵄ -، والتصويب من سنن البيهقي (١/ ٢٢٢)، والانتصار (٢/ ٣١١). وابن عياش هو: إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة، الحمصي، قال ابن حجر: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم)، توفي سنة ١٨١ هـ. ينظر: التقريب ص ٨١.
(٢) هو: عبد العزيز بن جريج المكي، مولى قريش، قال الحافظ: (ليّن). ينظر: التقريب ص ٣٨٦.
(٣) ينظر: سنن البيهقي (١/ ٢٢٢)، فقد ذكر رواية أبي طالب بسنده.
(٤) كذا في الأصل، واسمه: عبد الرحمن، وكنيته: أبو محمد، فتكنيته بأبي عبد الرحمن سهو. قال الذهبي: (العلامة، الحافظ)، له مصنفات كثيرة، منها: الجرح والتعديل، والتفسير، والعلل، وغيرها، توفي سنة ٣٢٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣).
(٥) هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم، الرازي، شيخ المحدثين، توفي سنة ٢٧٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٧).
(٦) ينظر: العلل (١/ ١٥٤) رقم (٥٧)، وفيه: (يروونه عن ابن جريج)، =
[ ١ / ٢٣٤ ]
وجواب ثاني (^١): وهو أنه لو صح واتصل، فإنا نحمل قوله: "يبني" بمعنى: يبتدئ؛ لأنه يقال لمن فعل مثلَ ما سبق بفعله: بنى عليه، فيقال: فلان (^٢) يبني على حديث فلان، وفلان يبني دار فلان، وإن كان مبتدئًا بها.
وقوله (^٣): "ما لم يتكلم" حث على المسارعة إليه قبل الاشتغال بغيره حتى لا يفوته الوقت.
واحتج: بما روي عن عمر (^٤)، وعلي (^٥)، وابن عمر (^٦) - ﵃ - جواز البناء، ولا نعرف عن نظرائهم خلافه.
_________________
(١) = بدلًا عن: (يرويه)
(٢) هكذا في الأصل، ولعل الأصوب: وجواب ثان.
(٣) في الأصل: فلا.
(٤) في الأصل: قولك. وينظر: الانتصار (٢/ ٣١٢).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٥٩٥٠)، وفي سنده رجل لم يسمَّ.
(٦) أخرجه عبد الرزاق، رقم (٣٦٠٦)، وابن أبي شيبة، رقم (٥٩٥٢)، والبيهقي في كتاب: الصلاة، باب: من قال: يبني من سبقه الحدث على ما مضى من صلاته، رقم (٣٣٨٥ و٣٣٨٦)، وقال: (الحارث الأعور ضعيف، وعاصم بن ضمرة غير قوي، وروي من وجه ثالث عن علي - ﵁ -، وفيه أيضًا ضعف).
(٧) أخرجه عبد الرزاق رقم (٣٦٠٩ و٣٦١٠)، وابن أبي شيبة رقم (٥٩٥٣)، وأخرجه البيهقي في كتاب: الصلاة، باب: من قال: يبني من سبقه الحدث على ما مضى من صلاته، رقم (٣٣٨٤) من فعل ابن عمر - ﵄ -: أنه إذا رعف، انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى على ما صلى، ولم يتكلم، قال البيهقي: (هذا عن ابن عمر صحيح).
[ ١ / ٢٣٥ ]
والجواب: أنه قد رُوي عن المسور بن مخرمة - ﵁ -: أنه يستأنف الصلاة (^١)، وروى أبو حفص البرمكي (^٢) بإسناده عن الزهري: أن معاوية - ﵁ - صلى بالناس، فطُعن وهو ساجد، فسلّم، وقال: أتموا صلاتكم، فصلى كل رجل لنفسه، ولم يقدِّم رجلًا (^٣). وقوله: "سلّم" يقتضي: أنه لم يتم صلاته.
واحتج: بأنه حدث خارج الصلاة لا يتعلق به غسلُ جميع البدن، فإذا حدث في الصلاة بغير فعل آدمي، لم تبطل الصلاة، دليله: دم الاستحاضة، وبول من به سلس البول، ولا يلزم عليه الضحك؛ لأنه ليس بحدث خارج الصلاة، ولا يلزم عليه الاحتلام؛ لأنه يتعلق به غسل جميع البدن، ولا يلزم عليه إذا أصابته بندقة فشجته؛ لأنه حصل بفعل الآدمي.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في كتاب: الصلاة، باب: من قال: يبني من سبقه الحدث على ما مضى من صلاته، رقم (٣٣٩٥)، واحتج به الشافعي. ينظر: الأم (٢/ ٤٢٨)، وجزم البيهقي أنه قول للمسور - ﵁ -. ينظر: سنن البيهقي (٢/ ٣٦٢ و٥٦٥) رقم (٣٣٨١ و٤٠٩١).
(٢) هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم، أبو حفص البرمكي، له مصنفات، منها: المجموع، وشرح بعض مسائل الكوسج، وغيرهما. توفي سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٢٧٣)، والمقصد الأرشد (٢/ ٢٩٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، رقم (٣٦٨٧)، والبيهقي في كتاب: الصلاة، باب: الإمام يخرج ولا يستخلف رقم (٥٢٥٩).
[ ١ / ٢٣٦ ]
والجواب: أنه يبطل بانقضاء مدة المسح، وبوقوع الآجرّة على رأسه بهبوب الريح، ومشي السنور عليها، فإنه بغير فعل آدمي، ولا يتعلق به غسلُ جميع البدن، وهو حدث خارج الصلاة، ومع هذا، فإنه يُبطل الصلاة، ثم المعنى في الأصل: أنه لا يمنع من المضي في الصلاة، أو لا يوجب عملًا طويلًا، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه بخلافه، والله أعلم.
* * *