نص عليه في رواية حرب (^١)، وصالح: فيمن يدرك مع الإمام ركعتين من صلاة الظهر؟ يقرأ فيما بقي في كل ركعة بالحمد وسورة (^٢). وقال في رواية بكر بن محمد: إذا قام يقضي، يستعيذ (^٣)، وكذلك نقل أحمد بن أصرم المزني (^٤)، وهذا فائدة قولنا: إن ما يفعله آخرُ صلاته،
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٢٨).
(٢) في مسائله رقم (٣٨٣).
(٣) لم أقف عليها فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب.
(٤) ينظر: قواعد ابن رجب (٣/ ٢٧١). وأحمد هو: ابن أصرم بن خزيمة بن عباد، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن مغفل - ﵁ -، أبو العباس المزني، نقل عن أحمد أشياء، توفي سنة ٢٨٥ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤٨)، وسير الأعلام (١٣/ ٣٨٤).
[ ١ / ٢٣٧ ]
وبهذا قال أبو حنيفة (^١)، وهو المشهور عن مالك - ﵀ - (^٢).
وقال الشافعي - ﵀ -: ما يفعله مع الإمام أولُ صلاته، وما يقضيه آخرُ صلاته (^٣)، وهو قول محمد (^٤)، وقد رُوي نحوُ ذلك عن مالك - ﵀ - (^٥)، وربما يحكيه بعض أصحابنا رواية لأحمد - ﵀ -؛ لأن محمد بن موسى بن مشيش قال: سألت أحمد - ﵀ - عن الرجل إذا أدرك الإمام، وقد سبقه بركعة، فهي للإمام ثانية، وله أولة، يتشهد مع الإمام؟ فقال: نعم، يتشهد، قد تجد الرجل يقعد في مواضع ثلاث مرات (^٦).
_________________
(١) ينظر: مختصر اختلاف الفقهاء (١/ ٢٩٣)، والمبسوط (١/ ٣٤٧).
(٢) ينظر: المدونة (١/ ٩٦)، والإشراف (١/ ٢٦٦).
(٣) ينظر: الأوسط (٤/ ٢٤٠)، والبيان (٢/ ٣٧٩).
(٤) ينظر: التجريد (٢/ ٦٢٣)، والمبسوط (١/ ٣٤٧). ومحمد هو: ابن الحسن بن فرقد الشيباني، الكوفي، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، قال الذهبي: (العلامة، فقيه العراق)، له من المصنفات: السير الكبير، والصغير، والآثار، وغيرها، توفي سنة ١٨٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤).
(٥) ينظر: المدونة (١/ ٩٧)، والإشراف (١/ ٢٦٦).
(٦) ينظر: الروايتين (١/ ١٢٨). وابن مشيش هو: أبو جعفر محمد بن موسى بن مشيش البغدادي، قال أبو بكر الخلال: (كان من كبار أصحاب أبي عبد الله، وروى عنه مسائل مشبعة جيادًا، وكان جاره، وكان يقدمه، ويعرف حقه). =
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقول أحمد - ﵀ -: نعم، لم يرجع إلى أن ما يفعله أولُ صلاته، وإنما يرجع إلى أنه يتشهد تبعًا للإمام، وروى عنه عقيب هذا الكلام: أنه قال: إذا أدرك ركعة من الظهر، ثم قام، يقضي فاتحة الكتاب وسورة، ويجلس ثم يقوم، فيقرأ فاتحة الكتاب وسورة، فإذا قضى الثالثة، قرأ فاتحة الكتاب (^١).
والدلالة على أن ما يفعله آخرُ صلاته: ما روى أحمد - ﵀ - في المسند (^٢) قال: نا علي بن عاصم (^٣) عن حميد (^٤)، عن أنس - ﵁ -، وخالد (^٥) عن محمد (^٦)، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا جاء أحدكم وقد أُقيمت الصلاة، فليمش على هِينَتِه (^٧) وليصلِّ ما أدركَ، وليقضِ ما سبقَه" (^٨)،
_________________
(١) = ينظر: الطبقات (٢/ ٣٦٥)، والمقصد الأرشد (٢/ ٤٩٥).
(٢) ينظر: مسائل عبد الله رقم (٥٠٤ و٥٠٥)، وقواعد ابن رجب (٣/ ٢٧٢).
(٣) رقم (١٣٥٥٨).
(٤) ابن صهيب الواسطي، التيمي مولاهم، قال ابن حجر: (صدوق، يخطئ ويصر)، توفي سنة ٢٠١ هـ. ينظر: التقريب ص ٤٤٣.
(٥) الطويل، مضت ترجمته.
(٦) الحذاء، مضت ترجمته.
(٧) ابن سيرين، مضت ترجمته.
(٨) أي: بسكون ورفق؛ كقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ينظر: لسان العرب (هون).
(٩) أخرجه بلفظ قريب منه: مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، =
[ ١ / ٢٣٩ ]
فوجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: قوله: "فليصل ما أدرك"، والذي أدركه آخرُ صلاة الإمام، وقد أُمر أن يُصلي ما أدركه، فيجب أن يكون آخرَ صلاته.
والثاني: قوله: "وليقض ما سبقه"، والقضاء لا يكون إلا لشيء فائت، والذي يفعل في موضعه لا يكون فائتًا، ولو كان ما يفعله مع الإمام أولَ صلاته، وما يفعله وحده آخرَ صلاته، لما كان شيء منه قضاء؛ لأنه يأتي بأفعال صلاته في موضعها أولًا فأولًا على الترتيب.
فإن قيل: قوله: "وليقض ما سبقه" معناه: ما بقي عليه من صلاته فليفعله؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، معناه: إذا فُعلت وأُديت.
قيل له: لا يجوز أن يعبر عما بقي عليه بالفائت؛ لأن الفائت عبارة عما وجب في الماضي وفات موضعُه، على أن الفائت من صلاة الإمام أولُها، فيجب أن يقضيه.
فإن قيل: فقد روى أحمد - ﵀ - أيضًا (^١) قال: نا سليمان بن
_________________
(١) = كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم (٦٠٢)، والحديث مخرّجٌ في الصحيحين بمعناه، البخاري في كتاب: الأذان، باب: لا يسعى إلى الصلاة، رقم (٦٣٦)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم (٦٠٢).
(٢) في المسند رقم (١٣٣٩٧).
[ ١ / ٢٤٠ ]
حيان (^١) قال: نا حميد عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة، فليمش على هينته، فما أدرك صلَّى، وما سبقه أتمَّ" (^٢)، والأمرُ بإتمام الصلاة يقتضي فعلَ آخرِها.
قيل له: الأمر بالإتمام يقتضي تمام النقصان، والنقصان يكون في الأول كما يكون في الآخر، فإذا استوفى آخر الصلاة، واستوعب فروضها، فقد أتم، ويدل عليه أيضًا: قوله - ﷺ -: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (^٣).
ولأنه آخرُ صلاة الإمام، فوجب أن يكون آخرَ صلاة المأموم أيضًا؛ كما لو أدرك أول صلاة الإمام؛ ولأن الفائت أولُ صلاة الإمام، فيجب أن يكون أولَ صلاة المأموم، دليله: إذا أدركه في التشهد.
واحتج المخالف: بما روى أبو حفص باسناده عن معاذ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا معاذ! اجعلْ ما أدركتَ مع الإمام أولَ صلاتك" (^٤).
والجواب: إنما نحمل قوله: "اجعل ما أدركتَ أولَ صلاتك" فعلًا لا حكمًا.
_________________
(١) هو: أبو خالد الأحمر، مضت ترجمته.
(٢) وسنده صحيح كما قاله محقق المسند (٢١/ ٩١)، وأخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٢٦٩٧)، وينظر: السلسلة الصحيحة رقم (١١٩٨).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة، رقم (٧٢٢)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام رقم (٤١٤).
(٤) لم أقف عليه.
[ ١ / ٢٤١ ]
واحتج: بما رُوي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - (^١): أنه قال: ما أدرك المأموم فهو أولُ صلاته (^٢).
ورُوي عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء - ﵄ - (^٣).
والجواب: أن قول الواحد والجماعة ليس بحجة على قول الشافعي - ﵀ - (^٤). وعلى أن أحمد - ﵀ - قد قال في رواية صالح (^٥):
_________________
(١) قال ابن كثير - ﵀ - في تفسيره (١١/ ٢٣٨): (وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي - ﵁ - بأن يقال: "﵇"، من دون سائر الصحابة، أو: "كرم الله وجهه"، وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يُسَاوى بين الصحابة في ذلك؛ فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه - ﵃ أجمعين -).
(٢) أخرجه عبد الرزاق رقم (٣١٦٠)، وابن أبي شيبة رقم (٧١٩٤)، والدارقطني في كتاب: الصلاة، باب: ما أدرك مع الإمام فهو أول الصلاة، رقم (١٤٩٨)، وذكر ابن المنذر: أنه لا يثبت، وأقره النووي، وابن رجب. ينظر: الأوسط (٤/ ٢٣٩)، والمجموع (٤/ ٨٤)، وفتح الباري (٣/ ٥٧٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، رقم (٧١٩١)، والبيهقي في كتاب: الصلاة، باب: ما أدرك من صلاة الإمام فهو أول صلاته، رقم (٣٦٣٢)، قال ابن المنذر: (ولا يثبت ذلك)، وأقره النووي، وابن رجب. ينظر: الأوسط (٤/ ٢٣٩)، والمجموع (٤/ ٨٤)، وفتح الباري (٣/ ٥٧٤)، وضعفها ابن عبد البر. ينظر: التمهيد: (٢٠/ ٢٣٥).
(٤) ينظر: البرهان للجويني (٢/ ١٣٦٢)، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ٥٤).
(٥) في مسائله رقم (٦٦٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
قال ابن مسعود - ﵁ -: ما أدركت من الصلاة، فهو آخرُ صلاتك (^١)، وهذا خلاف في الصحابة، فلم يصح الاحتجاج به.
واحتج: بأنها ركعة مفتتحة بالإحرام، فوجب أن تكون أول صلاته، دليله: إذا كان منفردًا، وقيل: لأنها أول صلاته فعلًا، فوجب أن تكون أولها حكمًا؛ قياسًا على ما ذكرنا، وقيل: ركعة يعقبها ركعة، فوجب أن لا تكون آخر صلاته، دليله: ما ذكرنا، وقيل: لأنه لم يتقدم من جهته ما هو أول صلاته، فلم يكن هذا آخر صلاته، دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه لا يجوز حال المؤتم به بالمنفرد، ألا ترى أنه لو دخل خلف الإمام وهو في السجود، لزمه أن يبدأ بالسجود، ولو كان منفردًا، لم يجز له أن يبدأ به، وكذلك لو دخل في صلاة الإمام في الركعة الثالثة من المغرب، لزمه أن يقعد مع الإمام، ويقعد في الثانية والثالثة، ولو كان منفردًا، لقعد في الثانية والأخيرة فقط، فإذا كان كذلك، لم يمنع أن يختلف المؤتم به في مسألتنا وحكم المنفرد؛ ولأن صلاة المنفرد غير تابعة لغيرها، فاعتبر حكمها بنفسها، والمؤتم صلاته مبنية على صلاة غيره، وتترتب عليها، فجاز اعتبارها بها.
وإن قاسوا على صلاة الإمام.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة رقم (٧١٩٧)، واحتج به إسحاق بن راهويه. ينظر: مسائل الكوسج (٢/ ٨٢٨) رقم (٤٧٩)، وجزم به أحمد في مسائل صالح رقم (٦٦٦).
[ ١ / ٢٤٣ ]
فالجواب عنه: ما تقدم من الفرقين أحدهما: أن حكم الإمام حكم المنفرد فيما يأتي به من الأفعال، والمأموم بخلافه، وهو أنه يلزمه أن يتبع الإمام فيما لا يعتد به. والثاني: أن صلاة الإمام غير تابعة لغيرها.
واحتج: بأن ما كان له تحليل وتحريم، فإن التحريم أولُه، والتحليل آخرُه؛ كالحج، والصلاة منفردًا.
والجواب: أنا لا نسلم أن تحريم المسبوق أولُ صلاته.
فإن قيل: إذا سَلَّم لنا أن التحريم أولُ صلاته، وجب أن يكون ما يلي التحريم أولَ صلاته.
قيل له: لا يجب هذا؛ كما لو دخل مع الإمام وهو في السجود، فإن التحريم أولُ صلاته، وما يلي التحريم من السجود ليس بأولها، وكذلك إذا دخل معه في صلاة المغرب في الركعة الثالثة، وأما الحج لا يقع على وجه المتابعة الغير (^١)، وكذلك صلاة المنفرد، فلهذا وجب اعتبارها، ثم تقع المتابعة به، وهذا يقع على وجه المتابعة له.
ولأن الصلاة يقع الدخول في آخرها إذا كان الإمام يصلي آخرها، فإن جاز أن يقع الدخول في آخرها، جاز أن يحتسب به عن آخرها، ولما كان الحج، وصلاة المنفرد مما لا يقع الدخول ابتداءً في آخرها، لم يحتسب إلا على الوجه الذي يقع فيه الدخول.
واحتج: بأنه لو أدرك مع الإمام ركعة من المغرب، فسلم الإمام،
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: للغير.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقام هو وقضى ركعة، أمر بالقعود فيها، فلو كان ما يقضيه أول صلاته، لما أمر بالقعود؛ لأن هذه الركعة أولُ صلاته، وليس من السنة القعودُ في الركعة الأولى من الصلاة.
والجواب: أن الرواية اختلفت عن أحمد - ﵀ - في ذلك، فروى حرب عنه (^١): فيمن أدرك ركعة من صلاة الظهر وركعة من صلاة المغرب، وقام يقضي: لا يجلس عقيب الثانية، فعلى هذا يسقط السؤال.
وروى صالح (^٢)، والميموني عنه: أنه يجلس (^٣)، فعلى هذا الركعةُ التي يقضيها، وإن كانت أول صلاته في الحكم، فإنها ثانية في الفعل، وجب أن تكون ثانية في الحكم؛ كما لو كان منفردًا.
قيل له: الاتفاق في الهيئة لا يوجب الاتفاق في الحكم؛ لأن الفرض والنفل متفقان في الهيئة، ومختلفان في الحكم.
وجواب آخر: وهو أنا نقابل هذا بمثله، فنقول: فلو كانت الركعة الآخرة التي يدركها مع الإمام من المغرب أولَ صلاته، لم يجلس فيها للتشهد، ولما قالوا: يجلس، وإن كانت أول صلاته، كذلك لا يمتنع أن نقول: يجلس في الثانية، وإن كانت أول صلاته.
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٢٨ و١٢٩)، والمغني (٣/ ٣٠٧)، وقواعد ابن رجب (٣/ ٢٧٣).
(٢) في مسائله رقم (٢٩٠ و٣٨٣ و٦٦٦ و١١٦٩).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٢٤٥ ]
فإن قيل: إنما يجلس فيها لأجل متابعة إمامه، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.
قيل له: وكذلك نقول: إنه يجلس عقيب الثانية بحكم المتابعة، ومن حُكم متابعة الإمام الجلوسُ عقيب الركعتين، وليس ممتنع أنه يلزمه حكمُ المتابعة مع زوال صلاة الإمام وخروجه عن متابعته، ألا ترى أن المسافر يدخل مع المقيم في آخر صلاته، ثم يسلم الإمام، فإنه يلزمه أن يأتي بجميع صلاة الإمام، وإن كان ما زاد على الركعتين إنما يلزمه على وجه المتابعة والائتمام به، ومع هذا، فحكمه لازم مع زوال صلاة الإمام.
واحتج: بأنه لو كانت الأخيرة التي يقضيها أولية، لم يجب فيها الجلوس للتشهد، فلما أجمعنا على الجلوس للتشهد فيها، دل أنها الآخرة.
والجواب: أنه يحتاج إلى التحلل من الصلاة، والتحلل منها لا يكون إلا في حال القعود، والقعود الذي يليه التحلل من الصلاة فرض.
واحتج: بأنه لو كان ما يقضيه أول صلاته؛ لوجب إذا فاته مع الإمام ركعتان من صلاة المغرب والعشاء الآخرة أن يجهر بالقراءة فيهما، فلما لم يجهر، علم أنه آخر صلاته.
والجواب: أنه ليس من حيث لم يجهر بالقراءة فيها يجب أن لا يكون أول صلاته؛ لأنه لو افتتح صلاة المغرب والعشاء مع الإمام، لزمه أن يقرأ كما يقرأ الإمام عندكم، ولا يجهر بالقراءة فيهما، ولم يمنع ذلك من أن تكون الركعتان من أول صلاته، على أن المسبوق فيما يقضيه في حكم
[ ١ / ٢٤٦ ]
المنفرد، ألا ترى أنه لو سها، لم يلزمه سجود السهو؟ والمنفرد لم يسن له الجهر ولا الإخفاء، وقد قال أحمد - ﵀ - في رواية حرب: في رجل فاتته صلاة يُجهر فيها بالقراءة في الجماعة: يصلي وحده، فإن شاء لم يجهر؛ لأن الجهر في الجماعة (^١)، وكذلك لو فاتته صلاة بالليل مما يُجهر فيها بالقراءة، فصلاها بالنهار، ونقل الأثرم عنه أيضًا: في المأموم إذا قام يقضي: إن شاء جهر، وإن شاء خافت، إنما الجهر للجماعة، وكذلك إذا صلى وحده بالمغرب (^٢)، وظاهر كلام أحمد - ﵀ -: أنه مخير في ذلك، والأفضل تركُه؛ لما نا أبو محمد الخلال (^٣) بإسناده عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "قد سمعتُك يا أبا بكر تُخافِتُ بصلاتك"، قال: أسمعتُ من ناجيتُ، قال: "وسمعتك يا عمر تجهر"،
_________________
(١) لم أقف على رواية حرب، وقد اطلعت على رسالة علمية مقدمة في الجامعة الإسلامية لنيل درجة الدكتوراه بعنوان (مسائل الإمام أحمد بن حنبل الفقهية رواية حرب الكرماني) للشيخ د/ عبد الباري الثبيتي - وفقه الله -، ولم يذكر هذه الرواية. ووجدت نحوها من رواية صالح. ينظر: مسائله رقم (١١٠٧).
(٢) ينظر: المغني (٢/ ٢٧١)، والإنصاف (٣/ ٤٦٦)، وللفائدة ينظر: المستوعب (٢/ ١٤٨)، ومختصر ابن تميم (٢/ ١٣٠)، وتصحيح الفروع (٢/ ١٨٨).
(٣) هو: الحسن بن محمد بن الحسن البغدادي، أبو محمد الخلال، قال الذهبي: (الإمام الحافظ المجود، محدث العراق)، من مصنفاته: المستخرج على الصحيحين، وغيره، توفي سنة ٤٣٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٩٣).
[ ١ / ٢٤٧ ]
قال: أُنَفِّر الشيطان، وأُوقظ الوسنان (^١)، وقال: "وسمعتك يا بلال تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة"، قال: كلام طيب يجمع الله بعضه إلى بعض، فقال رسول الله - ﷺ -: "كلكم قد أصاب" (^٢).
فوجه الدلالة: أنه أقرّ كلَّ واحد منهم، فدل على أن الجميع جائز.
فإن قيل: فإذا قلتم: إنه مخير في الجهر وفي تركه، فأيهما أفضل؟
قيل: ترك الجهر، وهو ظاهر كلام أحمد - ﵀ - في رواية الميموني: في رجل زحم مع الإمام يوم الجمعة، فلم يقدر يركع ولا يسجد حتى انصرف الإمام: يصلي ركعة يقرأ فيها، قيل له: يرفع صوته بالقراءة؟ قال: ليس عليه أن يجهر، إنما الجهر بالقراءة في الجماعة، أرأيت إن صلى وحده عليه أن يجهر؟ (^٣).
قيل له: وهكذا إذا صلى وحده، فلا يجهر فيما ليس عليه، لوجهين:
أحدهما: أن المنفرد في حكم المأموم؛ بدليل أنه لا يتحمل عن غيره، والمأموم لا يجهر بالقراءة في حال سكتات الإمام، كذلك المنفرد.
_________________
(١) هو: النائم الذي ليس بمستغرق في نومه. ينظر: النهاية في الغريب (وسن)، ولسان العرب (وسن).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل رقم (١٣٣٠)، قال النووي: (رواه أبو داود بإسناد صحيح). ينظر: المجموع (٣/ ٢٤٨).
(٣) ينظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٤٠٩)، ونصها: (إنما الجهر بالقراءة في الجماعة، أرأيت إن صلى وحده عليه أن يجهر؟! إنما الجهر في الجماعة إذا صلوا).
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولأن الجهر إنما يستحب عند الجماعة، ألا ترى أن المأموم يستحب له أن يرفع صوته بالتكبير عند كثرة الناس للحاجة، ولا يستحب ذلك عند عدمها؟ فنقول: كل من لا يحتمل القراءة عن غيره لا يُشرع في حقه الجهر، دليله: المأموم في سكتات الإمام.
ولأن الأذكار التي يسن فيها الجهر في حق الإمام لا تسن في حق المنفرد، دليله: التكبير، وقول: سمع الله لمن حمده، والسلام، ولا معنى لقولهم: إن الإمام إنما يجهر بذلك ليسمع المأموم؛ لأن القراءة أيضًا بهذه المثابة.
واحتج: بأنه لو كان ما يفعله مع الإمام آخرَ صلاته، وما يقضيه أولَ صلاته، لوجب أن يكون القعود مقدار التشهد مع الإمام فرضًا، حتى لو تركه، فسدت صلاته؛ لأن القعود في آخر الصلاة فرض، وتركه يوجب فساد الصلاة.
والجواب: أن القعود الفرض هو الذي يفعله في آخر صلاته، ويعقبه السلام، وهذا معدوم ها هنا، فهو يجري مجرى التشهد الأول، على أن القعود بعد سجدتي السهو من آخر صلاته، وليس بفرض، فلا يمتنع أيضًا أن يكون القعود الذي يفعله مع الإمام من آخر صلاته، ولا يكون فرضًا.
واحتج: بأنا لا نجد في الأصول صلاة يفعل آخرها قبل أولها.
والجواب: أنا لا نجد في الأصول أيضًا أن يفعل الإمام آخر صلاته، والمأموم أولها.
[ ١ / ٢٤٩ ]
واحتج: بأن اتباع الإمام لا يقلب الأركان، فيجعل المقدم مؤخرًا، والمؤخر مقدمًا؛ بدلالة الركوع والسجود.
والجواب: أن من أدرك الإمام في الركعة الثالثة من المغرب، فإنه يأتي عقيبها بقعدة، وتأتي مثل عقيب كل ركعة بقعدة، فصار تاركًا للترتيب لأجل متابعته، وكذلك المسافر يدخل مع المقيم؛ فإن قعدته الأولى كانت فريضة، وبمتابعته الإمام ينقلب إلى آخر صلاته، وتكون الأوّلة سنة عندهم.
واحتج: بأن الشيء يكون أولًا ثم آخرًا، ولا يجوز آخرًا ثم أولًا.
والجواب: أن الذي يفعله المؤتم أولُ صلاته من جهة الفعل، وآخرُها من جهة الحكم، والامتناع الذي ذكروه إنما يكون في الفعل من جهة المشاهدة، ونحن نمنع من ذلك، فأما من جهة الحكم، فغير ممتنع؛ ألا ترى أنه إذا أدرك الإمام في التشهد الأخير، فإنه يجلس معه، وإن كان هذا مما يؤتى به في آخر صلاته، وقد أتى به في أولها.
واحتج: بأنه لو كان هذا الذي يقضيه أول صلاته، لم يسلِّم فيها.
والجواب: أن السلام يختص بحال الفراغ والخروج من الصلاة، وهذا يحصل بهذه الركعة، فلهذا سلم عقيبها.
* * *