نص على هذا في رواية أبي طالب، فقال: يصلي الرجل الصلوات كلها إلا المغرب (^١)، وهو قول مالك - ﵀ - (^٢).
وروى عنه الأثرم: إذا صلى في جماعة، ثم دخل يصلي معهم، قيل: والمغرب؟ قال: والمغرب أيضًا، إلا أنه يشفع معها ركعة (^٣)، وظاهر هذا: أنه يكره فعلها، وأنه يعيدها، ولو كان قد صلى في جماعة، وهو قول أبي يوسف (^٤).
وقال أبو حنيفة: يصليها إلا الفجر والعصر والمغرب (^٥).
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٦٦).
(٢) ينظر: المدونة (١/ ٨٧)، والإشراف (١/ ٢٦٧).
(٣) ينظر: الروايتين (١/ ١٦٦)، والمغني (٢/ ٥١٩).
(٤) ينظر: فتح القدير (١/ ٣٣٦).
(٥) ينظر: الحجة (١/ ١٤٤)، والآثار (١/ ٣٤٥)، ومختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٩٧).
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقال الشافعي - ﵀ -: يصلي كلها حتى المغرب، ولا يشفع معها ركعة (^١).
فالدلالة على أبي حنيفة - ﵀ -: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن يزيد بن الأسود (^٢) عن أبيه - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - صلى بنا الفجر، فانحرف فرأى رجلين في أُخْريات الناس جالسين، قال: فدعاهما، فجيء بهما ترعُدُ فرائِصُهما (^٣)، فقال: "ما منعكما من الصلاة معنا؟ "، قالا: صلينا في رحالنا، ثم أتيناك، قال: "فإذا صليتم، ثم جئتم والناسُ في الصلاة، فصلوا معهم، واجعلوها سُبْحَة" (^٤).
وروى أحمد - ﵀ - بلفظ آخر: أن النبي - ﷺ - صلى الفجر، فرأى رجلين في آخر القوم، فقال: "ما منعكما أن تصليا؟ "، قالا:
_________________
(١) ينظر: حلية العلماء (١/ ٢٢٣)، والبيان (٢/ ٣٨١).
(٢) هو: جابر بن يزيد بن الأسود السوائي، ويقال: الخزاعي، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، قال ابن حجر: (صدوق). ينظر: تهذيب الكمال (٤/ ٤٦٥)، والتقريب ص ١١٣.
(٣) الفريصة: اللحم الذي بين الكتف والصدر. ينظر: اللسان (فرص).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، رقم (٥٧٥)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، رقم (٢١٩)، وقال: (حديث حسن صحيح)، والنسائي في كتاب: الإمامة، إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده رقم (٨٥٨)، وحسّن إسناده الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٨٣).
[ ١ / ٢٥٤ ]
يا رسول الله! صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا أُقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصلِّيا فإنها لكما نافلة" (^١)، وهذا في صلاة الفجر، وقوله - ﵇ -: "إذا أقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصلِّيا" عام في سائر الصلوات إلا ما خصه الدليل.
وروى أحمد - ﵀ -، وذكره أبو بكر بإسناده عن بسر بن محجن (^٢) عن أبيه - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وقد أقيمت الصلاة، فجلست، فلما صلى، قال: "ألست مسلمًا؟ "، قلت: بلى، قال: "فما يمنعك أن تصلي مع الناس؟ "، قال: قلت: قد صليت في أهلي، قال: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت في أهلك" (^٣).
وهذا عام أيضًا في الفجر، والعصر، وغيرهما.
والقياس: أنها صلاة شفع، فاستحب له (^٤) فعلُها في جماعة، دليله: الظهر والعشاء، ولا يلزم عليه الوتر والمغرب؛ لأنهما وتر.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "لا صلاة بعد
_________________
(١) ينظر: المسند رقم (١٧٤٧٤).
(٢) الدِّيلي، قال ابن حجر: (صدوق). ينظر: تهذيب الكمال (٤/ ٧٧)، والتقريب ص ٩٦.
(٣) ينظر: المسند رقم (١٦٣٩٥)، وأخرجه النسائي في كتاب: الإمامة، باب: إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه، رقم (٨٥٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم (١٣٣٧).
(٤) في الأصل: استحب لها، والصواب المثبت.
[ ١ / ٢٥٥ ]
العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" (^١).
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا من النوافل التي لا سبب لها.
واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال: "من صلَّى وحدَه، ثم أدرك الجماعة، فليصلِّ، إلا الفجرَ والمغربَ" (^٢).
والجواب: أنا نحمل قوله - ﵇ -: "إلا" بمعنى الواو (^٣)، وتقديره: والفجر والمغرب، كما قال (^٤):
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، رقم (٥٨٦)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، رقم (٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) ذكره بسنده الدارقطني في العلل (١٢/ ٣١٢) مرفوعًا، وابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٢٧٤)، وأشار إلى اضطرابه سندًا ومتنًا، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٦٧٢٦) نحوه من كلام ابن عمر - ﵄ -، ونصه أنه قال: (إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعةً، صلى معهم، إلا المغرب والفجر)، وروى مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵄ -: أنه قال: (من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام، فلا يَعُد لهما). ينظر: الموطأ، كتاب: صلاة الجماعة، باب: إعادة الصلاة مع الإمام، وصوّب الموقوف الدارقطني في العلل (١٢/ ٣١٢).
(٣) ينظر: جمهرة أشعار العرب (١/ ١٣)، والصحاح (إلا)، ولسان العرب (إلا).
(٤) القائل هو: عمرو بن معد يكرب الزَّبيدي، أسلم في سنة تسع من =
[ ١ / ٢٥٦ ]
وكُلُّ أَخٍ مفارِقُهُ أخوه … لَعَمْرُ أَبيكَ (^١) إلَّا الفرقدانِ (^٢)
واحتج: بأنها صلاة نافلة، فكُره فعلُها بعد العصر وبعد الفجر، دليله: سائر النوافل التي لا سبب لها، وتبين صحة هذا: أن ماله سبب لا يجوز فعلُه في هذه الأوقات؛ بدليل سجود التلاوة، وتحية المسجد، وصلاة الخسوف، ونحو ذلك، وليس في هذه الصلاة أكثرُ من أن لها سببًا، فيجب أن لا يجوز.
والجواب: أن هذا قياس المنصوص على المنصوص عليه، وذلك لا يجوز؛ لأنه يفضي إلى إسقاط أحدهما، وذلك أن سائر النوافل منهي عنها بقوله - ﷺ -: "لا صلاة بعد العصر … وبعد الفجر … " (^٣)، وفي مسألتنا الخبرُ الذي ذكرنا يقتضي جوازها، فحملُه على ذلك يُسقط أحدَهما؛ ولأن هذه الصلاة آكدُ من غيرها من النوافل، ألا ترى أنه يستحب فيها
_________________
(١) = الهجرة، وبعد وفاة الرسول - ﷺ - ارتد، ثم أسلم، توفي سنة ٢٦ هـ. ينظر: الأعلام (٥/ ٨٦)، ونُسِب البيت إلى حضرمي بن عامر. ينظر: خزانة الأدب (٣/ ٤٢٦).
(٢) في الأصل: أخيك، والتصحيح من ديوان عمرو ص ١٦٧.
(٣) ينظر: ديوان عمرو ص ١٦٧. والفرقدان: نجمان في السماء لا يغرُبان، ولكنهما يطوفان بالجدي، وقيل: هما كوكبان قريبان من القُطْب، وقيل: هما كوكبان في بنات نَعْشٍ الصغرى. ينظر: لسان العرب (فرقد).
(٤) مضى تخريجه (١/ ٢٥٦).
[ ١ / ٢٥٧ ]
الجماعة، وغيرها من النوافل التي لها سبب لم يشرع فيها ذلك، فكانت هذه كالفرض.
واحتج: بأنه لو كان في غير مسجد الجماعة، وأقيمت الصلاة، لم يستحب له الدخولُ وفعلُ الفجر والعصر، كذلك إذا كان في مسجد الجماعة، وأقيمت الصلاة يجب أن يكره له فعلُها.
والجواب: أن المذهب على هذا، وأنه يكره دخول في هاتين الصلاتين، وقد نص عليه أحمد - ﵀ - في رواية الأثرم (^١)، إلا أنه إذا دخل، وحضرت الجماعة، فإنه يصليها، وكأن المعنى في ذلك: أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصليا" (^٢)، فأمر بذلك لمن كان حاضرًا؛ ولأنه إذا كان حاضرًا، ولم يصل، كان مستخفًا بحرمتها؛ ولأنه يلحقه تهمة في أنه لا يرى (^٣) فعل الجماعة، وهذا معدوم إذا لم يكن حاضرًا.