هكذا ذكره شيخنا (^١)، وأبو بكر الخلال (^٢)، وقد توقف أحمد - ﵀ - عن الجواب في ذلك، فقال صالح: سألت أبي: إذا صلت المرأة معهم في الصف، هل تفسد صلاتهم؟ فقال: دعها (^٣)، ولم يجب.
وبهذا قال مالك (^٤)، والشافعي (^٥) - رحمهما الله -.
وذكر أبو بكر بن جعفر في كتاب الخلاف: تبطل صلاة من يليها (^٦).
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: تبطل صلاة مَنْ عن يمينها، وعن
_________________
(١) المراد به: ابن حامد. ينظر: الانتصار (٢/ ٣٩٧)، وطبقات الحنابلة (٣/ ٢١٧)، والمحرر (١/ ١٨٧).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٣)، والانتصار (٢/ ٣٩٧)، وطبقات الحنابلة (٣/ ٢١٧).
(٣) لم أجدها في مسائله المطبوعة، وذكرها أبو الخطاب في الانتصار (٢/ ٣٩٧)، ونقل عبد الله نحوها في مسائله رقم (٥٤١).
(٤) ينظر: المدونة (١/ ١٠٦)، ومواهب الجليل (٢/ ٤٣٤).
(٥) ينظر: الأم (٢/ ٣٣٥)، والبيان (٢/ ٤٣٠).
(٦) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٣)، والانتصار (٢/ ٣٩٧)، وطبقات الحنابلة (٣/ ٢١٧).
[ ١ / ٢٦٣ ]
يسارها، ومن خلفها بحذاها (^١).
وقال داود: تبطل صلاتها، ولا [تبطل] (^٢) صلاة الرجل (^٣).
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "لا يقطع الصلاةَ شيء، وادرؤوا ما استطعتم" (^٤).
وهذا عام في المجتاز بين يديه وفي غيره، إلا ما خصه الدليل.
وروت عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضَةٌ بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة (^٥).
فإن قيل: عائشة - ﵂ - لم تكن في صلاة بين يديه،
_________________
(١) ينظر: الآثار (١/ ٣٦٢ و٣٦٣)، ومختصر القدوري ص ٧٩، وتحفة الفقهاء (١/ ٣٦٠).
(٢) بياض في الأصل، ويستقيم الكلام بالمثبت.
(٣) ينظر: المحلى (٤/ ١٤).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء، رقم (٧١٩)، والدارقطني في كتاب: الصلاة، باب: صفة السهو فى الصلاة، وأنه لا يقطع الصلاة شيء، رقم (١٣٨٢) والحديث ضعفه ابن الجوزي في التحقيق (٣/ ٢١٥)، وقال: (فيه مجالد، وقد ضعفه يحيى، والنسائي، والدارقطني)، وكذلك قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣١٩).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش رقم (٣٨٣)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي، رقم (٥١٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
وإنما تبطل صلاته إذا كان مشاركًا له في الصلاة (^١).
قيل له: [كونها] (^٢) في صلاة أحسنُ حالًا من كونها بين يديه في غير صلاة، ثم لم تبطل صلاته بذلك، فأولى أن لا تبطل إذا كانت في صلاة.
والقياس: أنه شخص لو وقف إلى جانبه في صلاة الجنازة، صحت صلاته، فإذا وقف في سائر الصلوات، يجب أن يصح؛ قياسًا على العبيد والصبيان؛ ولأنها (^٣) صلاة لو وقف فيها قُدّام النساء، صحت، فإذا وقف فيها معهن، يجب أن تصح؛ قياسًا على صلاة الجنازة.
فإن قيل: المرأة لم تجعل لها مقامًا؛ لأنها منهية عن حضور الجنازة مع الرجال، بدلالة: ما رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه رأى نسوة في الجنازة، فقال: "أتحملْنَ فيمن نحمل؟ "، فقلن: لا، فقال: "أتدلين فيمن يدلي (^٤)؟ "، فقلن: لا. فقال: "ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجورات" (^٥)، فنهاهن عن
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الأصوب أن تكون العبارة: إذا كانت مشاركة له في الصلاة. وينظر: الانتصار (٢/ ٣٩٨).
(٢) ليست بالأصل، وبها يستقيم الكلام. ينظر: الانتصار (٢/ ٣٩٨).
(٣) في الأصل: لأنه.
(٤) في الأصل: فيمن ندلي، والتصويب من سنن ابن ماجه.
(٥) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء الجنائز، رقم (١٥٧٨)، والبيهقي في كتاب: الجنائز، باب: ما ورد في نهي النساء عن اتباع الجنائز، رقم (٧٢٠١)، قال النووي في المجموع (٥/ ١٦٨): (إسناده ضعيف).
[ ١ / ٢٦٥ ]
حضور الجنازة مع الرجال، فدل على أنه ليس لهن مقام في هذه الصلاة، وإذا لم يكن لهن مقام، لم يؤخذ علينا فيها الترتيب في المقام، وليس كذلك سائر الصلوات ليس لهن مقامٌ فيها، فكان الترتيب في المقام مأخوذًا (^١) علينا، فكان حكمُ الرجال معهن حكمَ المأمومين في سائر الصلوات مع الرجال إذا تركوا الترتيب في المقام، ووقفوا قُدّام الإمام، فسدت صلاتهم، كذلك ها هنا، ويفارق العبيد والصبيان؛ لأنه لم يُنْه عن المقام إلى جنبهم.
قيل له: النساء منهياتٌ عن حضور سائر الصفوف؛ كما نهين عن حضور صلاة الجنازة، فإذا حضرن وصلين، كان موقفهن خلف الرجال، فلا فرق بين صلاة الجنازة وبين سائر الصلوات، وقد نص أحمد - ﵀ - على هذا في رواية حرب، وقد سأله عن النساء يخرجن في العيدين، فقال: لا يعجبني في زماننا هذا؛ لأنهن فتنة (^٢)، وقد وردت السنة بذلك، فحدثنا أبو بكر بن جعفر الحنبلي المؤدب (^٣) بإسناده عن محمد بن عبد الله بن قيس (^٤): أن رجالًا من أصحاب النبي - ﷺ -، أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: إن نساءنا يستأذِنَّنا في المسجد؟ فقال: "احبسوهن"،
_________________
(١) في الأصل: مأخوذ.
(٢) ينظر: الانتصار (٢/ ٤٠١)، والفروع (٢/ ٤٢٢)، وفتح الباري (٦/ ١٤٠)، ونقلها صالح في مسائله رقم (٤٠٢)، وعبد الله في مسائله رقم (٦١٨).
(٣) مضت ترجمته.
(٤) ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، قال ابن حجر: (مقبول). ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٦١٣)، والتقريب ص ٥٤٥.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثم إنهن عدن إلى أزواجهن، فعاد أزواجهن إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله! قد استأذنَّنا حتى إننا لَنُحرج. قال: "فإن أرسلتموهن، فأرسلوهن تَفِلاتٍ" (^١).
وبإسناده عن عمر بن عبد الله القيسي (^٢): أن امرأة (^٣) قالت: يا رسول الله! نحب الصلاة معك، فيمنعنا أزواجُنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "صلاتكن في بيوتكن أفضلُ من صلاتكن في حُجَركن، وصلاتكن في حجركن أفضل من صلاتكن في دوركن، وصلاتكن في دوركن أفضل من صلاتكن في مسجد القرية، وصلاتكن في مسجد القرية أفضلُ من صلاتكن في مسجد الجماعة" (^٤).
وبإسناده عن أم سلمة - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - قال: "خير
_________________
(١) لم أجده، وقد ذكره ابن مفلح في الفروع (٢/ ٤٢٢)، وقال عنه ابن رجب: (وهذا مرسل غريب). ينظر: فتح الباري (٥/ ٣٢٠). تفلات: أي: تاركات للطيب. ينظر: لسان العرب (تفل).
(٢) لم أجد له ذِكرًا، لا في أسانيد الحديث، ولا في كتب التراجم التي وقفت عليها.
(٣) هي أم حميد الساعدي - ﵂ -.
(٤) أخرجه أحمد في المسند بنحوه رقم (٢٧٠٩٠)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٧٧٠٢)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٦٨٩)، من حديث أم حميد - ﵂ -. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٣): (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري، وثقه ابن حبان)، وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٥١): (وإسناد أحمد حسن).
[ ١ / ٢٦٧ ]
مساجد النساء قعرُ بيوتهن" (^١).
وإذا ثبت بهذه الأخبار أنهن منهياتٌ عن حضور سائر الصلوات، لم يصح الفرق بينها وبين صلاة الجنازة.
وقولهم: إن الصبي والعبد غير منهي عن الصلاة إلى جنبه، وهو منهي عن الصلاة إلى جنبها، فيأتي الكلام عليه، وأيضًا: فإن الرجل والمرأة في خطأ الموقف سواء؛ لأن الرجل كما نُهي عن القيام إلى جنب المرأة، نُهيت المرأة عن القيام بجنب الرجل، فلما لم تبطل صلاتها، وجب أن لا تبطل صلاته.
فإن قيل: الرجل مخصوص بالنهي؛ بدليل: أنه واجه الرجال بالخطاب دون النساء، بدليل قوله - ﷺ -: "أَخِّروهنَّ من حيث أَخَّرَهنَّ الله" (^٢)، وإذا كان الرجل مخصوصًا بالنهي، لم يصح قولك: إنهما في الموقف سواء.
قيل له: لا يجوز أن يأمرهم بتأخيرهن، ولا يجب عليهن التأخر، وإنما واجه الرجالَ بالخطاب دون النساء؛ لأن الأحسن في الخطاب
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند رقم (٢٦٥٤٢)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٦٨٣) وتوقف في ثبوته، والحاكم في المستدرك كتاب: الصلاة، في الإمامة وصلاة الجماعة، رقم (٧٥٦) وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٣٢٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من قول ابن مسعود - ﵁ - رقم (٥١١٥)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٧٠٠)، وقال: (الخبر موقوف غير مسند)، وضعفه مرفوعًا الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٦ و٣٧).
[ ١ / ٢٦٨ ]
مواجهةُ الرجال به؛ ولأنهم أقوى من النساء، وأقدرُ على الدفع، فأُمروا بدفعهن وتأخيرهن.
فإن قيل: فالمرأة إنما نُهيت عن القيام إلى جانب الرجال لأجل صلاة الرجل، والرجل نُهي عن القيام إلى جانبها لأجل صلاة نفسه، فتبطل صلاته، ولا تبطل صلاتها، كما قلنا في الإمام والمأموم: إن الإمام منهي عن القيام خلف المأمومين لأجل صلاتهم، والمأمومون منهيون عن القيام قُدّام الإمام لأجل صلاتهم، فبطلت صلاتهم، ولم تبطل صلاة الإمام كذلك ها هنا.
فإن قيل: لا نسلم لك أنها نهيت عن القيام إلى جانب الرجل لأجل صلاة الرجل، بل نُهي كل واحد منهما لأجل صلاة نفسه، لا لأجل صلاة غيره، وأما صلاة المأموم قُدّام الإمام، فيأتي الكلام عليه.
فإن قيل: الرجل أغلظ حالًا من المرأة؛ لأنه منع من الوقوف خلف المرأة وعن يمينها وشمالها، والمرأة لم تُنه عن الوقوف خلف الرجل.
قيل: قد نهيت عن الوقوف قُدّام الرجل، ولم يُنه الرجل عن الوقوف قدام المرأة، فاستويا.
وأيضًا: كل معنى اشترك الرجل والمرأة في المنع منه، ولم تبطل صلاة المرأة، لم تبطل صلاة الرجل، دليله: الالتفات، ورفع الرأس من السجود قبل الإمام، والتشبيك بين الأصابع، والفرقعة، وفعل الصلاة مع المدافعة للأخبثين، وما أشبه ذلك.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وفيه احتراز من اقتداء الرجل بالمرأة في الصلاة، فإنه لا تبطل صلاة المرأة، وتبطل صلاة الرجل؛ لأنهما لم يشتركا في النهي عن ذلك؛ فإن المرأة يجوز لها أن تأتم بالمرأة، ولا يجوز للرجل أن يأتم بالمرأة، وكل من لا يُبطل صلاةَ الرجل إذا كان خلفه، لا يُبطل صلاته إذا صافَّه؛ كالصبي.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ - قال: "أخروهن من حيث أخرهن الله" (^١)، فأمر بتأخيرهن، وذلك يقتضي النهي عن القيام إلى جانبهن، والنهي يدل على الفساد، وإن شئت قلت: أمر بتأخيرهن، فصار تأخيرهن فرضًا، فإذا تركن فرضًا مأمورًا به في الصلاة، فسدت صلاته.
والجواب: أن المرأة يجب عليها أن تتأخر بهذا الأمر؛ لأنه أن يكون الرجل مأمورًا بتأخيرهن، ولا يكون النساء مأمورات؛ ولأن النبي - ﷺ - قال: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، وهذا يدل على أنهن مأمورات بالتأخير، فإذا لم تبطل صلاة المرأة، لم تبطل صلاة الرجل، وهذا موجود في صلاة المرأة.
واحتج: بقوله - ﷺ -: "شرُّ صفوف النساء أولُها، وخيرها آخرُها" (^٢)، وإذا كان تقدمها على الرجل في الصف شرًا، وجب تأخرها.
والجواب عنه: ما تقدم.
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ٢٦٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها، رقم (٤٤٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٢٧٠ ]
واحتج: بما رُوي: أن النبي - ﷺ -[صلى] (^١) في بيت أم سليم، فأقام أنسًا واليتيم وراءه، وأقام أمَّ سليم خلفهما (^٢)، فلو كان لها مقام، لأقام (^٣) أمَّ سليم في صف الرجال، مع نهيه عن صلاة المنفرد خلف الصف، وإذا ثبت أنه ليس لها مقام في صف الرجال، وجب عليها تأخيرها (^٤).
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج: بما رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "يقطع صلاةَ الرجل: المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ الأسود" (^٥)، وليس ها هنا موضعٌ تقطع المرأة صلاة الرجل إلا هذا الموضع، فوجب أن يستعمل الخبر فيه.
والجواب: أن المراد به: إذا مرت بين يدي المصلي، وهو منسوخ؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأن كل شخصين كانا مشتركين في صلاة جُعل لهما فيها مقام، وقام أحدهما مقامًا لا يجوز أن يقومه بحال، مع اختصاصه بالنهي
_________________
(١) بياض في الأصل، والمثبت من الحديث.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: صلاة النساء خلف الرجال، رقم (٨٧١) من حديث أنس - ﵁ -.
(٣) في الأصل: لما أقام، والصحيح المثبت.
(٤) كذا في الأصل، ولعله: وجب عليه تأخيرها.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي، رقم (٥١٠ و٥١١) من حديث أبي ذر، وأبي هريرة - ﵄ -.
[ ١ / ٢٧١ ]
لأجل صلاته، فسدت صلاته، دليله: إذا قام المأموم قُدّام الإمام، ولا يلزم عليه إذا قام إلى جانبها في صلاة الجنازة؛ لقولنا: في صلاة جُعل لهما فيها مقام، ولم يجعل للمرأة في صلاة الجنازة مقام أصلًا، ولا يلزم عليه الإمام إذا قام خلف المأمومين أن صلاته لا تفسد؛ لقولنا: مع اختصاصه بالنهي لأجل صلاته، والإمام لم يُنه عن القيام (^١) خلف المأمومين لأجل صلاته، وإنما نُهي عنه لأجل غيره، وهو أن ذلك يفسد صلاة المأمومين، ألا ترى أنه قد كان جائزًا له أن يقف حيث شاء قبل دخول المأمومين في صلاته؟ فإذا لم يتعلق المنع بمعنى يرجع إلى صلاته، لم تبطل صلاته؛ كالصلاة في الدار المغصوبة.
ولا يلزم عليه أيضًا المرأة أن صلاتها لا تفسد، وإن كانت منهية عن القيام إلى جانب الرجل؛ لأنها إنما نهيت عن محاذاة الرجل لأجل صلاته، ألا ترى أن لها أن تقف خلفه بحذاه، وليس له أن يقف خلفها بحذاها، فلو كانت قد نُهيت عن محاذاته لأجل صلاتها، لما جاز لها أن تقف خلفه، كما لا يجوز له أن يقف خلفها بحذاها، فإذا ثبت أنها نهيت عن ذلك لمعنى في غير صلاتها، لم تفسد صلاتها؛ كالصلاة في الدار المغصوبة.
ولا يلزم عليه إذا قام عن يسار الإمام ليس ذلك يجوز أن يقوم به المأموم بحال، وهو أن القوم إذا كانوا كلهم عراة، قام الإمام في وسطهم،
_________________
(١) في الأصل: عن القيام [خلف القيام] خلف المأمومين، فما بين قوسين حذفتها من الأصل؛ ليستقيم الكلام.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وجعل بعضهم عن يمينه وشماله، وكذلك الفَذُّ خلف الصف يجوز أن يقومه المأموم بحال، وهو أن يدخل المسجد، فلا يجد في الصف موضعًا، فله أن يقف خلف الصف وحدَه.
والجواب: أن قولك: مع اختصاصه بالنهي لأجل صلاته، غيرُ مسلَّم، بل هما في النهي سواء، وقد بينا ذلك، وإذا لم يسلم، وجب حذفه، وإذا حذفه، انتقض بصلاة المرأة، وعلى أنه منتقض بصلاة الجنازة؛ لأن موقفها فيه خلف الرجال كسائر الصلوات، ثم إذا وقفت في صفهم، لا تبطل صلاتها، والأوصاف التي ذكروها موجودة فيها، ثم المعنى في الأصل: لأنه موقف لو وقفه في صلاة الجنازة، بطلت صلاته، كذلك ها هنا؛ لأن هذا موقف لو وقفه في صلاة الجنازة، لم تبطل صلاته، فإذا وقفه في غيرها، لم تبطل؛ كما لو وقف إلى جنب صبي أو عبد.
وجواب آخر: وهو أن النهي هناك لما اختص المأموم، أفسدت صلاته، وها هنا الرجل والمرأة يشتركان في النهي، فلما لم تفسد صلاة المرأة، يجب أن لا تفسد صلاة الرجل، وهكذا الجواب على أصلنا عن الفذ خلف الصف، وإذا صلى عن يسرة الإمام، وهو أن ذلك النهي لما كان مؤثرًا في الصلاة، استوى فيه صلاة الجنازة وغيرها.
ولأنه لما اختص النهي المأموم، أفسد، وها هنا الرجل والمرأة يشتركان في النهي، فلما لم يُفسد صلاة المرأة، لم يُفسد صلاة الرجل، وجميع ما ذكرنا على أبي حنيفة - ﵀ - من الدلائل، فهو دلالة على داود من الأخبار؛ ولأن المرأة والرجل متساويان في مخالفة مسنون
[ ١ / ٢٧٣ ]
الموقف، بل الرجل هو المخاطب بالتأخير، فإذا لم تبطل صلاته، فأولى أن لا تبطل صلاتها.
فإن قيل: بل هي المنهية عن التقدم، والمأمورة بالتأخير.
قيل: قد بيّنا أن كل واحد منهما مأمور بذلك، والله أعلم.
* * *