نص عليه في رواية حنبل (^١)، والأثرم (^٢)، فقال: ما كان في الصلاة، فأحبُّ أن يسجد؛ لأنه أوكَدُ، ومن قرأ، ولم يكن في صلاة، ولم يسجد، فلا بأس.
وبهذا قال الشافعي (^٣)، وداود (^٤) - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: هو واجب (^٥).
_________________
(١) ينظر: الانتصار (٢/ ٣٨٠).
(٢) ينظر: الانتصار (٢/ ٣٨٠).
(٣) ينظر: التنبيه ص ٧٣، والبيان (٢/ ٢٨٩). وإلى استحبابه ذهبت المالكية. ينظر: المدونة (١/ ١١١)، والإشراف (١/ ٢٦٩).
(٤) ينظر: المحلى (٥/ ٧٤).
(٥) ينظر: مختصر القدوري ص ٩٦، والهداية (١/ ٧٨).
[ ١ / ٢٧٤ ]
دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده (^١) عن عطاء بن يسار (^٢)، عن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: قرأت على رسول الله - ﷺ - سورة النجم، فلم يسجد فيها (^٣).
فلو كانت واجبة، لم يتركها النبي - ﷺ -، ولم يترك أحدًا يَتْركها.
فإن قيل: أراد به: لم يسجد في الحال؛ لأنه معلوم أن زيدًا لم يكن في سائر أوقاته مع النبي - ﷺ - حتى يعلم تركه في جميع الأوقات، وعندنا: تركه في الحال وتأخيره (^٤) إلى وقت آخر.
قيل له: بل طريق إلى معرفة ذلك من قول النبي - ﷺ -: إنني لم أسجد، أو دلالة تدل عليه من حالة تضطره إلى معرفته، فيجب حَمْله على إطلاقه، وهذا كما رُوي عن عليّ - ﵁ -: أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة (^٥)، ونحن نعلم: أنه لم يكن معه في سائر
_________________
(١) في كتاب: الصلاة، باب: من لم ير السجود في المفصل، رقم (١٤٠٤).
(٢) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة - ﵂ -، قال ابن حجر: (ثقة، فاضل)، توفي سنة ٩٤ هـ. ينظر: التقريب ٤٣١.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: من قرأ السجدة ولم يسجد رقم (١٠٧٢ و١٠٧٣)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة، رقم (٥٧٧).
(٤) كذا في الأصل، ولعل الأصوب: وأخّره.
(٥) أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: في الجنب يقرأ القرآن، رقم (٢٢٩)، والنسائي في كتاب: الطهارة، باب: حجب الجنب من قراءة القرآن، =
[ ١ / ٢٧٥ ]
أوقاته، ولكن لما كان له طريق إلى العلم به، حملنا قوله على إطلاقه، كذلك زيدٌ له طريق إلى معرفة ذلك، فوجب حملُه على عمومه.
فإن قيل: إنما قال عليٌّ ذلك؛ لأنه سمع النبي - ﷺ - يقول: "لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" (^١)، ولم يثبت عنه في ترك السجود خبر ينتظم جواز تركه في سائر الأوقات، فيجب أن يُحمل قولُ زيد على ما ذكرنا.
قيل له: ذلك لا يدل على حكم النبي - ﷺ -، وإنما يدل على حكم أمته، وعلى أن الخبر اقتضى أن الجنب والحائض يُمنعان من القرآن، ولم يبين حكم غيرهما، وعليّ (^٢) نفى جميع الأشياء، وأثبت الجنابة، وعلى أن زيد بن ثابت أخبر عن نفسه: أنه لم يسجد، كما أخبر عن غيره، وهو
_________________
(١) = رقم (٢٦٥)، وابن ماجه في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم (٥٩٤)، ونقل النووي في المجموع (٢/ ١٢٨): أن الحفاظ على تضعيفه، وينظر: العلل للدارقطني (٣/ ٢٤٨).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأان القرآن، رقم (١٣١)، وابن ماجه في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم (٥٩٥)، والدارقطني في كتاب: الطهارة، باب: في النهي للجنب والحائض عن قراءة القرآن، رقم (٤١٩)، قال الإمام أحمد: (هذا باطل). ينظر: العلل للإمام أحمد (٣/ ٣٨١)، وقال ابن حجر: (ضعيف من جميع طرقه). ينظر: الفتح (١/ ٥٣٠).
(٣) في الأصل: وعلى ونفى.
[ ١ / ٢٧٦ ]
يعلم حال نفسه، فلو كان واجبًا، لعلمه النبي - ﷺ -.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قرأها عند طلوع الشمس، أو وقت الزوال، أو الغروب، فلم يسجد فيها.
قيل: لو كان كذلك، لوجب أن ينقل زيد السبب الذي لأجله تركه.
فإن قيل: لا يجب ذلك، ألا ترى أن النبي - ﷺ - قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" (^١)، وهو وارد على سبب، فنقل الراوي الخبر، وسكت عن نقل السبب، وكذلك حديث أسامة - ﵁ -: "إنما الربا في النسيئة" (^٢)، "ولا ربا إلا في النسيئة" (^٣)، وهذا وارد في الجنسين، فنقل الراوي الخبرَ، وترك السبب.
قيل له: لا يجوز أن يترك نقل السبب؛ لأن إفراده عن سببه إسقاط لوجوبه، وقوله: "ولد الزنا شر الثلاثة" (١)، فلا نقول: إنه وارد على سبب، ولا على رجل بعينه، وإنما هو عام في الجميع، والمراد به: شر الثلاثة نسبًا، فإنه لا نسب له، وأما قوله: "إنما الربا في النسيئة" (٢)، فإنه يجوز أن يكون قد خفي عليه السؤال، ولم يسمعه؛ لأنه لا يمتنع أن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند رقم (٢٤٧٨٤)، وأبو داود في كتاب: العتق، باب: في عتق ولد الزنا، رقم (٣٩٦٣)، وحسنه ابن القيم في المنار المنيف ص ١٢٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل، رقم (١٥٩٦).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: بيع الدينار بالدينار نساء، رقم (٢١٧٨، ٢١٧٩).
[ ١ / ٢٧٧ ]
يسمع الجواب ولا يسمع السؤال، ويجوز أن يكون منسوخًا، ولم يكن وارد [ًا] على سبب.
فإن قيل: يجوز أن يكون قد خفي سببه عليه.
قيل: لو كان كذلك، لسأل رسولَ الله - ﷺ - عنه، وأعلمه رسولُ الله - ﷺ -، ولم يكن له ترك الواجب الذي زال وجوبه لعارض وسبب، ولما لم يبينه لهم، دل على إسقاط وجوبه.
وأيضًا: فإنه إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، روى ابن خزيمة محمد بن إسحاق (^١)، وأبو بكر بن المنذر (^٢): أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قرأ يوم الجمعة على المنبر، حتى إذا جاء السجدة، قال: أيها الناس! إنما نمر بالسجود، فمن سجد، فقد أجاد وأحسن، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه (^٣).
_________________
(١) في صحيحه في كتاب: الصلاة، باب: ذكر الدليل على أن السجود عند قراءة السجدة فضيلة لا فريضة، رقم (٥٦٧). وابن خزيمة هو: محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، أبو بكر، قال الذهبي: (الحافظ، الحجة، الفقيه، شيخ الإسلام، إمام الأئمة)، من مؤلفاته: كتاب التوحيد، والصحيح، وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥).
(٢) في الأوسط (٤/ ٧٧).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود، رقم (١٠٧٧).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فوجه الدلالة: أنه قال هذا في يوم الجمعة في وقت الخطبة بمحضر من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، ولا خالفه مخالف، فصار ذلك إجماعًا منهم. وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن هشام بن عروة (^١) عن أبيه (^٢): أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجدوا معه، ثم قرأها من الجمعة الأخرى، فتهيؤوا للسجود، فقال: على رِسْلِكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا (^٣).
فإن قيل: يحتمل أن تكون التلاوة منه كانت وقت الزوال.
قيل له: فإن ذلك كان في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة لا تُفعل وقت الزوال.
والقياس: أن السجود ركن في الصلاة، فوجب أن لا يجب منفردًا، أصله: القعود للتشهد الثاني.
فإن قيل: فيجب أن لا يستحب منفردًا؛ كالقعود للتشهد.
_________________
(١) ابن الزبير بن العوام الأسدي، قال ابن حجر عنه: (ثقة، فقيه، ربما دلّس)، توفي سنة ١٤٥ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٤٠.
(٢) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، قال ابن حجر عنه: (ثقة، فقيه)، توفي سنة ٩٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٤٢٥.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: القرآن، باب: ما جاء في سجود القرآن، رقم (٧٠١)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: من لم ير وجوب سجدة التلاوة، رقم (٣٧٥٦)، وهو مرسل، ذكره البيهقي في الكبرى (٢/ ٤٥٥).
[ ١ / ٢٧٩ ]
قيل له: لا يمتنع أن يُستحب منفردًا، ولا يجب كالقراءة؛ ولأن ما شُرع فعلُه لوجود التلاوة، لم يكن واجبًا؛ قياسًا على سؤال الرحمة إذا قرأ آية الرحمة، والاستعاذة من النار إذا قرأ آية عذاب، فإن ذلك مستحب للتلاوة، وقد رُوي ذلك في حديث (^١)؛ ولأنها تلاوة، فلم يجب فيها سجود، دليله: إذا تكررت في مجلس، والسجدة الثانية من الحج.
فإن قيل: السجدة الثانية ليست من مواضع السجود.
قيل له: عندنا أنها من مواضع السجود.
فإن قيل: تكرار الزنا لا يوجب تكرار الحد، ولم يمنع ذلك وجوبه في الابتداء، وكذلك الشرب، وكذلك تكرار السهو في الصلاة لا يوجب تكرار سجود السهو، ولم يمنع ذلك وجوبه لأجل السهو، وكذلك تكرار الحدث لا يوجب تكرار الطهارة، ولم يمنع ذلك وجوب الطهارة بالحدث.
قيل له: هذا ما يشبهه ما ذكرنا؛ لأنه لو قرأ وسجد، ثم كرر قراءتها في ذلك المجلس، لم يسجد، ومثله لو زنا فَحُدَّ، ثم زنا في ذلك المجلس حُدَّ، وكذلك الحدث؛ ولأنه لو قرأها في مجلس ولم يسجد، وقرأ في مجلس آخر، وجب عليه القضاء، ولو زنا ولم يُحد، وزنا في وقت آخر، فحَدٌّ واحد، فعلم أن السجود لا يشبه الحدَث، ولا الحدَّ، وأما سجود السهو، فلا يُفعل عقيب سببه، وإنما يؤخر إلى آخر الصلاة ليكون جبرانًا
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، رقم (٧٧٢).
[ ١ / ٢٨٠ ]
لما يحصل من السهو، فلهذا لم يكن تداخُله دلالة على نفي الوجوب، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يفعل عقيب سببه، فلو كان واجبًا، لم يتداخل بتكراره؛ كالسجود في الصلاة المفروضة.
وأيضًا: فإن هذا سجود يجوز فعلُه على الراحلة من غير خوف ولا شرط، فلم يكن واجبًا، دليله: سجود النافلة، وقد ثبت عندهم: أنه لو قرأ على الراحلة السجدة، جاز أن يسجد عليها، ولا يلزم عليه إذا نذر أن يصلي ركعتين على الراحلة أنه يجزئه، ومع هذا فهي واجبة؛ لأنها إنما جاز ذلك بالشرط، ألا ترى أنه لو نذر أن يصلي ركعتين مطلقًا، لم يجز أن يصلي على الراحلة، وفي مسألتنا القراءةُ على الراحلة ليس فيها شرط، فلو كانت واجبة، لم يجز فعلُها على الراحلة.
فإن قيل: إذا تلاها راكبًا، فقد أوجب السجدة على تلك الصفة، ألا ترى أنه لو تلاها على الأرض، لم يجز له أن يؤديها راكبًا؟
قيل له: هذا باطل به لو زالت الشمس وهو على الراحلة، فإن سبب الوجوب قد وجد وهو على الراحلة، ولا يجوز فعلُ الصلاة عليها.
وأيضًا: فإنها لو كانت واجبة، لوجب إذا تلاها في الصلاة، ثم لم يفعلها فيها حتى خرج منها أن لا تسقط، فلما اتفقنا أنه لا يجب عليه فعلها بعد خروجه منها، دل على أنها لم تجب.
فإن قيل: إذا تليت في الصلاة، صارت من سننها، وسنن الصلاة لا تقضى خارج الصلاة.
[ ١ / ٢٨١ ]
قيل له: لا نسلم لك أنها تصير من سنن الصلاة.
فإن قيل: لو لم تصر من سننها، ما جاز فعلُها فيها.
قيل: إنما جاز فعلُها في الصلاة (^١)؛ لأن سببها عرض في الصلاة.
فإن قيل: سقوطها في الثاني لا يدل على أنها لم تجب عليه، كما أن سقوط فرض الجمعة بخروج الوقت لا يدل على نفي وجوبها في وقتها.
قيل له: إنما سقطت الجمعة؛ لأن الوقت شرط في صحتها، وليس كذلك السجدة؛ لأن الصلاة ليست شرطًا (^٢) في صحتها؛ لأنها تفعل خارج الصلاة عند التلاوة كما تفعل في الصلاة، فلو كانت واجبة، لوجب قضاؤها خارج الصلاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، فذمَّهم على ترك السجود، والذمُّ لا يستحق إلا بترك الواجب.
والجواب: أن الله - ﷿ - ذم الكفار في هذه الآية على تركهم الإيمان، وتركهم لسجود القرآن تكذيبًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢، ٢٣] يعني: بما يجمعون في صدورهم من الكفر والشرك (^٣)، وإذا ترك سجود القرآن على هذا
_________________
(١) في الأصل: فيها الصلاة.
(٢) في الأصل: شرط.
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٢٥٧)، والمحرر الوجيز (٨/ ٥٧٤).
[ ١ / ٢٨٢ ]
الوجه، فهو مذموم يستحق الوعيد.
فإن قيل: الكافر لا يستحق الذم على ترك ما ليس بواجب، فلما ذمهم على ترك السجود عند تلاوته، دل على وجوبه.
قيل له: إنما ذمهم على تركه على الوجه الذي ذكرنا، وهو تركهم له تكذيبًا وكفرًا، وذلك يستحق به الذم، وقد قيل: لما أضاف ذلك إلى جميع القرآن، دل على أن المراد به ما ذكرنا.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥]، فجعله من شرائط الإيمان، فدل على وجوبه.
والجواب: أنه من شرائط الإيمان في حق من تركه مستكبرًا جاحدًا، وهكذا نقول.
واحتج بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ثم قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]، والظاهر: أن هذا راجع إلى ما تقدم ذكرُه من السجود، فدل على وجوبه؛ لاستحقاق الذم بتركه.
والجواب: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] يعني: كذبوا بها، هكذا ذكره المفسرون (^١)، وأنهم اليهود، وإذا تركوا
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ١٦٤)، والمحرر الوجيز (٦/ ٤٦)، والدر المنثور (١٠/ ٩٧).
[ ١ / ٢٨٣ ]
ذلك على وجه التكذيب، استحقوا الذم، مع أنه قرن السجود بالبكاء، والبكاء غير واجب، كذلك السجود.
واحتج بقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وهذا أمر.
والجواب: أنا نحمله على الندب؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما روى أبو داود بإسناده (^١) عن ابن مسعود - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قرأ سورة النجم، فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد هذا قُتل كافرًا (^٢)، وهذا على وجه الذم له عند ترك السجود، والذم لا يستحق إلا بترك الواجب.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون ترك السجود مستكبرًا أو جاحدًا، فلهذا ذمه، ولهذا روي: أنه قُتل كافرًا.
واحتج: بأنه يجوز فعلُها في الصلاة في حق تاليها، ولو كانت نفلًا، لم يجز فعلها، ولما جاز فعلُه فيها، دل على وجوبه، دليله: سجدات الصلاة، ولا يلزم عليه سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا.
والجواب: أنه إنما جاز في الصلاة لا لوجوبه، لكن لوجود سببه في الصلاة، ألا ترى لو قرأ آية السجدة خارج الصلاة، لم يجز له أن يسجد
_________________
(١) في سننه رقم (١٤٠٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: ما جاء في سجود القرآن وسنتها، رقم (١٠٦٧)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة رقم (٥٧٦).
[ ١ / ٢٨٤ ]
في الصلاة، وإن كانت السجدة عندهم؛ لأن سببها لم يوجد في الصلاة.
فإن قيل: هذا يبطل بسجود الشكر إذا وجد سببه في الصلاة، وهو إذا بُشِّر في صلاته بنعمة من الله - ﷿ - ظاهرة تجددت، فإنه لا يجوز أن يسجد في صلاته، وإن كان سببه وجد في الصلاة.
قيل: سبب سجود الشكر تجدد النعمة، وذلك ليس بعارض في الصلاة، وإنما العارض أن يكون سببه من أفعال الصلاة، والله أعلم.
* * *