نص على ذلك في رواية الأثرم (^١)، وهو قول الشافعي - ﵀ - (^٢).
وقال مالك (^٣)، وأبو حنيفة (^٤) - رحمهما الله -: فيها سجدة
_________________
(١) ينظر: التمهيد (١٩/ ١٣١)، والاستذكار (٨/ ١٠٣)، ولم أجدها في كتب الأصحاب - ﵏ -.
(٢) ينظر: الأم (٨/ ٤١٥)، والبيان (٢/ ٢٩١).
(٣) ينظر: المدونة (١/ ١٠٩)، والمعونة (١/ ٢٠٦).
(٤) ينظر: الحجة (١/ ٨٢)، وتحفة الفقهاء (١/ ٣٧٠).
[ ١ / ٢٨٥ ]
واحدة، وهي الأولى.
دليلنا: ما روى أحمد - ﵀ - (^١)، وذكره عبد الله في مسائله (^٢) قال: نا عبد الله بن يزيد (^٣) قال: حدثنا ابن لهيعة (^٤) عن مِشْرح (^٥) بن هاعان (^٦)، عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله! أفضلت سورة الحج على القرآن بأن جُعل فيها سجدتان؟ قال: "نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما" (^٧).
_________________
(١) في المسند رقم (١٧٣٦٤).
(٢) رقم (٤٨٩).
(٣) المكي، أبو عبد الرحمن المقرئ، قال ابن حجر عنه: (ثقة، فاضل)، توفي سنة ٢١٣ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٤٩.
(٤) عبد الله بن لَهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، قال ابن حجر عنه: (صدوق، … خلّط بعد احتراق كتبه)، توفي سنة ١٧٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٣٧.
(٥) في الأصل: شريح، والتصويب من المسند، رقم الحديث (١٧٣٦٤).
(٦) المَعَافري، المصري، أبو مصعب، قال ابن حجر عنه: (مقبول)، توفي سنة ١٢٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٩٣.
(٧) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود رقم (١٤٠٢)، والترمذي في كتاب: الجمعة، باب: في السجدة في الحج، رقم (٥٧٨) وقال: (هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي)، والبيهقي في كتاب: الصلاة، باب: سجدتي الحج، رقم (٣٧٢٨)، وأقرّ الاحتجاج به الإمام أحمد كما في رواية الأثرم. ينظر: التمهيد (١٩/ ١٣١)، بل واحتج به كما في =
[ ١ / ٢٨٦ ]
وروى أبو داود بإسناده (^١) عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله! أفي سورة الحج سجدتان؟ فقال: "نعم، ومن لم يسجدْهما، فلا يقرأهما" (^٢).
فإن قيل: ظاهر الخبر يقتضي الوجوب، وقد اتفقنا على نفي وجوبها، والخبر إذا اقتضى وجوب شيء، وقامت الدلالة على نفي الوجوب، سقط التعلق بظاهره، ولم يجز الاحتجاج به في الندب.
قيل له: هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أنه لا يدل على وجوبه؛ لأن معناه: من تركهما معتقدًا أنه ليس بقربة، فليترك قراءتهما معتقدًا أنه ليس بقربة، وهذا مثل قوله - ﵇ -: "من لم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مصلَّانا" (^٣).
_________________
(١) = مسائل عبد الله رقم (٤٨٩)، وقال أحمد شاكر: (بل هو حديث صحيح). ينظر: تحقيقه لسنن الترمذي (٢/ ٣٦٣).
(٢) ينظر: الحاشية رقم (٧) صفحة ٢٨٦.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود رقم (١٤٠٢)، والترمذي في كتاب: الجمعة، باب: في السجدة في الحج، رقم (٥٧٨)، وقال: (هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي)، والبيهقي في كتاب: الصلاة، باب: سجدتي الحج، رقم (٣٧٢٨)، وأقرّ الاحتجاج به الإمام أحمد كما في رواية الأثرم. ينظر: التمهيد (١٩/ ١٣١)، بل واحتج به كما في مسائل عبد الله رقم (٤٨٩)، وقال أحمد شاكر: (بل هو حديث صحيح). ينظر: تحقيقه لسنن الترمذي (٢/ ٣٦٣).
(٤) أخرجه أحمد في المسند رقم (٨٢٧٣)، وابن ماجه في كتاب: الأضاحي، =
[ ١ / ٢٨٧ ]
والثاني: أن اللفظ الذي تركنا ظاهره غيرُ الذي أثبتنا به السجدة الثانية؛ لأنا أثبتناها بقوله - ﵇ -: "نعم" جوابًا عن السؤال، وهذا مستقل بنفسه غيرُ متعلق بما بعده.
وأيضًا: روى أبو داود بإسناده (^١) عن عمرو بن العاص (^٢) - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان (^٣).
_________________
(١) = باب: الأضاحي واجبة هي أم لا؟ رقم (٣١٢٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، ورجاله ثقات، ومخرج لهم في الصحيحين إلا واحدًا، فهو من أفراد مسلم، وروي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه بالصواب، ذكر ذلك ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٥٦٤)، وابن حجر في الفتح (١٠/ ٦)، وينظر: كلام ابن مفلح في الفروع (٢/ ٣٠٩).
(٢) في كتاب: الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود رقم (١٤٠١).
(٣) في الأصل: عن عبد الله بن عمرو بن العاص. والتصويب من سنن أبي داود.
(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب: إقامة الصلاة، باب: عدد سجود القرآن، رقم (١٠٥٧)، والحاكم في المستدرك، كتاب: الصلاة، باب: التأمين، رقم (٨١١) وقال: (هذا حديث رواته مصريون، قد احتج الشيخان بأكثرهم، وليس في عدد سجود القرآن أتم منه، ولم يخرجاه)، قال ابن الجوزي في التحقيق (٣/ ٢٢٧): (وهذا الحديث لا يعتمد عليه)، وقال الذهبي في تنقيحه على التحقيق (٣/ ٢٢٧): (لم يصح)، وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٨٤٨): (فيه عبد الله بن منين، وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي، وهو لا يعرف أيضًا).
[ ١ / ٢٨٨ ]
فإن قيل: ليس فيه أن النبي - ﷺ - قال: هذه مواضع السجود، وجاز أن يكون قرأها على النبي - ﷺ -، فظن أنها مواضع السجود، فأخبر عما عنده.
وأيضًا: بأنه إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم -.
روى أحمد - ﵀ - بإسناده في مسائل عبد الله (^١) عن عبد الله بن ثعلبة (^٢) قال: رأيت عمر بن الخطاب - ﵁ - يسجد في الحج سجدتين، قال سعد بن إبراهيم (^٣): قلت لعبد الله بن ثعلبة: في الصبح؟ قال: في الصبح (^٤).
_________________
(١) لم أجده في المسائل المطبوعة، ولا في مسند الإمام أحمد. ينظر: كشاف القناع (٣/ ١٢٠).
(٢) ابن صُعَير، ويقال: ابن أبي صعير، معدود من الصحابة، قال ابن حجر: (له رؤية، ولم يثبت له سماع)، توفي سنة ٨٧ هـ، وقد قارب التسعين. ينظر: التقريب ص ٣٠٩.
(٣) في الأصل: سعيد بن إبراهيم، وهو خطأ. وسعد هو: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال ابن حجر: (كان ثقة فاضلًا عابدًا)، توفي سنة ١٢٥ هـ. ينظر: التقريب ص ٢١٩.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٥٨٩٥)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٣١٩)، والدارقطني في: سجود القرآن، رقم (١٥٢٢)، والحاكم في المستدرك في كتاب: التفسير، تفسير سورة الحج، رقم (٣٤٧١) وصححه، ووافقه الذهبي، وقال أبو الطيب آبادي في تعليقه على المغني (٢/ ٢٧١): (إسناده قوي).
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي (^١): إن علي بن أبي طالب - ﵁ - كان يسجد في الحج سجدتين (^٢).
وروى أحمد بن حنبل - ﵀ - بإسناده (^٣) عن أبي العالية (^٤): قال ابن عباس - ﵄ -: فُضلت سورة الحج بسجدتين (^٥).
وروى أحمد - ﵀ - بإسناده (^٦) عن جبير بن نفير: أن أبا
_________________
(١) هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السُّلمي، الكوفي، المقرئ، مشهور بكنيته، قال ابن حجر: (ثقة، ثبت)، توفي بعد السبعين من الهجرة. ينظر: التقريب ص ٣١٢.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٣٢٢)، والبيهقي في الكبرى كتاب: الصلاة، باب: سجدتي سورة الحج، رقم (٣٧٣٢)، وفي معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٤٦)، وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٦٣): (وممن ثبت ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب …)، وبنحوه ذكر النووي في المجموع (٣/ ٣٨٤).
(٣) لم أجده.
(٤) هو: رُفَيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، روايته في الكتب الستة، قال ابن حجر: (ثقة كثير الإرسال)، توفي سنة ٩٠ هـ. ينظر: التقريب ص ١٩٧.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٥٨٩٤)، والبيهقي في الكبرى كتاب: الصلاة، باب: سجدتي سورة الحج، رقم (٣٧٣٦) ومال إلى الاحتجاج به في معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٤٤)، وصححه ابن حزم في المحلى (٥/ ٧٥).
(٦) لم أجده.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الدرداء - ﵁ - سجد في الحج سجدتين (^١).
وقال صفوان بن محرز (^٢): إن أبا موسى الأشعري - ﵁ - قرأ عليّ (^٣) سورة الحج على منبر البصرة، فسجد بالناس سجدتين (^٤).
وروى أحمد - ﵀ - بإسناده (^٥) عن نافع قال: كان ابن عمر - ﵄ - يسجد في الحج سجدتين (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٣٢٠)، والبيهقي في الكبرى كتاب: الصلاة، باب: سجدتي سورة الحج، رقم (٣٧٣٧)، قال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٦٥): (كان يرى أن يسجد في الحج سجدتين: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرو)، وينحوه ذكر النووي في المجموع (٣/ ٣٨٤).
(٢) في الأصل: محمد، وهو تصحيف. وصفوان هو: ابن محرز بن زياد المازني أو الباهلي، قال ابن حجر: (ثقة، عابد)، توفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: التقريب ص ٢٨٣.
(٣) كذا في الأصل، ولعلها: علينا، وقد تكون: علي، خطأ.
(٤) كذا في الأصل، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٦٤)، ونصه: (عن صفوان بن محرز: أن أبا موسى قرأ سورة الحج على منبر البصرة، فسجد بالناس سجدتين)، والبيهقي في الكبرى كتاب: الصلاة، باب: سجدتي سورة الحج، رقم (٣٧٣٤)، وينظر: كلام ابن المنذر في الحاشية رقم (١).
(٥) لم أجده.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٥٨٩٠)، والحاكم في المستدرك في كتاب: التفسير، تفسير سورة الحج، رقم (٣٤٧٣)، وصححه، ووافقه الذهبي، =
[ ١ / ٢٩١ ]
وروى أحمد - ﵀ - بإسناده (^١) عن أبي إسحاق قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين (^٢).
وهذا إجماع منهم لا يُعرف عن أحد منهم خلافُه، فوجب العمل به (^٣).
والقياس: أنه ترغيب من الله تعالى، وحث (^٤) على السجود له في شريعتنا باسمه الخاص، فوجب أن يكون من مواضع السجود، أصله: المواضع الأُول من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨]، وسائر الآيات التي يتعلق بتلاوتها السجود.
وفيه احتراز من قوله في آخر الحجر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ لأن ذلك لم يقصد به الترغيب في السجود، وإنما قُصد به تسليةُ رسول الله - ﷺ - مما يضيق صدره من كلام المشركين وقلبه، وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] معناه: مع
_________________
(١) = والبيهقي في الكبرى كتاب: الصلاة، باب: سجدتي سورة الحج، رقم (٣٧٣١)، وهو في موطأ مالك عن عبد الله بن دينار: أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين. ينظر: الموطأ (٢/ ٢٨٨) رقم (٦٩٩).
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٤٣٢٦).
(٤) ينظر: المغني (٢/ ٣٥٦).
(٥) في الأصل: وجب، والصواب المثبت.
[ ١ / ٢٩٢ ]
الساجدين، هكذا قاله المفسرون (^١)، فأمره الله تعالى بمفارقة المشركين، ومصاحبة المؤمنين، لئلا يرى منهم ما يضيق صدره.
وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، لأن ذلك من قول الملائكة: يا مريم إلى قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ ولأن ذلك في شريعة مَنْ كان قبلنا.
وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]؛ لأنه لا يتضمن السجود، ولم يصرح باسمه.
وفيه احتراز من قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]؛ لأن ذلك ذم لمن ترك السجود لآدم - ﵇ -، وليس ذلك بذم لمن ترك السجود لله. وأما قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ليس بحث على السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود - ﵇ -.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، ليس بحثٍّ على السجود، وإنما هو حثٌّ على التسبيح.
وأما قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، أمر بتطهير البيت من الشرك للمصلين، وليس بحث على السجود؛ لأن القائمين هم المصلون، والركع السجود تكرار
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي (٣/ ٦٩).
[ ١ / ٢٩٣ ]
على سبيل التأكيد.
وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ لأن ذلك ليس بحث على السجود، وإنما هو إخبار عن قوم (^١) وصفهم الله بذلك، ونعت حالهم لنا.
واحتج المخالف: بأن الثانية من الحج ذكرت مع الركوع، فصارت كقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
والجواب: أن عند المخالف: أنه إذا تلا السجدة، كان مخيرًا بين السجود والركوع، والسجود على طريق التأكيد، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه ترغيب من الله على السجود في شريعتنا باسمه الخاص أشبه ما ذكرنا.
واحتج: بأن السجود الذي مع الركوع هو الصلاة، والأمر بالصلاة لا يقتضي سجودًا؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢].
الجواب: أن هذا ليس بأمر بالصلاة؛ لأن الأمر بالصلاة بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ولو كان ذلك أمرًا بالصلاة، لما أعادها بعد، وعلى أنه لو كان أمرًا بالصلاة، اقتضى أن يكون موضعًا للسجود؛ ولأنه قد صرح بذكر السجود على سبيل الحث والترغيب، وليس كذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ لأنه لم يصرح بذكر السجود.
_________________
(١) في الأصل: قومهم.
[ ١ / ٢٩٤ ]
واحتج: بأنها سورة من القرآن، فلم تتضمن سجدتين، دليله: سائر سور القرآن.
والجواب: أن هذا القياس وما قبله من الأقيسة يخالف نصَّ الخبر والإجماع، فيجب اطِّراحُه، وعلى أنه ليس إذا لم يكن في غيرها من السور مما يمنع منها، كما أن السور التي فيها السجود لم يوجد ذلك في غيرها، ولم يمنع ذلك منها؛ ولأن سائر السور لم يوجد الترغيب من الله تعالى على السجود في موضعين، وليس كذلك في هذه السورة؛ لأنه قد وجد الترغيب من الله - ﷿ - على السجود في شرعنا باسمه الخاص في موضعين، فلهذا فرقنا بينهما.
* * *