فنقل المروذي (^١)، وحرب (^٢) عدد سجود القرآن أربع عشرة، فأخرج منها سجدة،
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٤).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٤).
[ ١ / ٢٩٥ ]
وهو اختيار الخرقي (^١)، وبه قال الشافعي - ﵀ - (^٢).
ونقل صالح (^٣)، والأثرم (^٤)، والفضل بن زياد (^٥): أنها خمس عشرة، فأثبت ﴿ص﴾. وهو قول مالك (^٦)، وأبي حنيفة (^٧) - رحمهما الله -.
وجه الأولة: ما روى أبو داود بإسناده (^٨) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قرأ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر: ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر، قرأها، فلما بلغ السجدة، تشرَّفَ الناس للسجود، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما هي توبةُ نبي، ولكن رأيتكم تشزنتم (^٩) للسجود، فنزل وسجد" (^١٠)، وهذا يدل
_________________
(١) في مختصره ص ٤٨.
(٢) ينظر: الأوسط (٥/ ٢٦٨)، والبيان (٢/ ٢٩١).
(٣) لم أجدها في المطبوع من مسائله. وينظر: الروايتين (١/ ١٤٣).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٣).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٣).
(٦) أي: إثبات سجدة سورة ﴿ص﴾. ينظر: المدونة (١/ ١٠٩)، والإشراف (١/ ٢٧٠).
(٧) في الأصل: أبو حنيفة. ينظر: الآثار (١/ ٥٦٧)، وتحفة الفقهاء (١/ ٣٧٠).
(٨) في كتاب: الصلاة، باب: السجود في ﴿ص﴾ رقم (١٤١٠).
(٩) التشزن: التأهب والتهيؤ للشيء، والاستعداد له. ينظر: النهاية في غريب الحديث (شزن).
(١٠) أخرجه الدارقطني في كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن، رقم (١٥١٩)، =
[ ١ / ٢٩٦ ]
على أنه ليس بترغيب في السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود - ﵇ -، وأن رسول الله - ﷺ - سجد للشكر.
فإن قيل: لما سجد في المرة (^١) الأولى عند التلاوة، دل على أنه موضع للسجود، وقوله: "ولكني رأيتكم تشزنتم" يدل على جواز التأخير، وقوله: "إنما هي توبة نبي" لا ينفي كونها من العزائم؛ بدليل أن داود - ﵇ - سجدها على وجه التوبة، والنبي - ﷺ - سجدها لتلاوة الآية.
قيل: أما سجوده في الرفعة (^٢)، فإنما أراد به الشكر لا التلاوة.
بدليل: أنه بين عن ذلك في المرة الثانية، وقال: "إنما هي توبة نبي".
وقولهم: إن قوله: "رأيتكم تشزنتم" يدل على التأخير، لا يصح؛ لأنه بين عن العلة التي لأجلها أراد الترك، وهو كونها توبة نبي.
ورُوي عن ابن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "سجدها نبي الله داود - ﵇ - توبة، وسجدناها شكرًا" (^٣)، وهذا نص.
_________________
(١) = والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: سجدة ﴿ص﴾، رقم (٣٧٤٠)، وقال: (هذا حديث حسن الإسناد صحيح).
(٢) في الأصل: المراة.
(٣) كذا في الأصل، وقد تكون تصحيفًا من لفظة: التوبة.
(٤) أخرجه النسائي في كتاب: الافتتاح، باب: سجود القرآن: السجود في ﴿ص﴾ رقم (٩٥٧)، والدارقطني في كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن رقم (١٥١٥)، وقد روي موصولًا ومرسلًا، قال البيهقي عن الموصول: =
[ ١ / ٢٩٧ ]
ولأنه إجماع الصحابة - ﵃ -.
روى أحمد بإسناده (^١) عن عكرمة (^٢) عن ابن عباس - ﵄ - قال: ليس من عزائم السجود، ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها (^٣).
فإن قيل: قوله: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها يدل على أنها من عزائمه.
قيل له: بل يدل على أنها شكر، إلا أنه قد بين ذلك فيما ذكرنا، وروى ابن المنذر (^٤) عن ابن مسعود - ﵁ -: أنه كان لا يسجد في ﴿ص﴾، ويقول: إنها توبة نبي (^٥).
_________________
(١) = (ليس بالقوي)، وذكر أن المرسل هو المحفوظ. ينظر: سنن البيهقي (٢/ ٤٥٢)، ومعرفة السنن والآثار (٣/ ٢٥٢).
(٢) في المسند رقم (٣٣٨٧).
(٣) عكرمة هو: أبو عبد الله القرشي، مولاهم، المدني، البربري الأصل، كان مولى لابن عباس، قال ابن حجر: (ثقة، ثبت، عالم بالتفسير … لا تثبت عنه بدعة)، توفي سنة ١٠٤ هـ. ينظر: سير الأعلام (٥/ ١٢)، والتقريب ص ٤٣٧.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: سجدة ﴿ص﴾، رقم (١٠٦٩).
(٥) في الأوسط (٥/ ٢٥٥).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٥٨٧٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٤٣٠٠)، وجزم به ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٥٥) حيث قال: (وممن كان لا يسجد فيها: عبد الله بن مسعود).
[ ١ / ٢٩٨ ]
والقياس: أنها توبة نبي، فوجب أن لا يتعلق بتلاوتها سجود، أصلُه: قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢].
فإن قيل: أجمعنا على الفرق بينهما؛ لأنه إذا قرأ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، سجد، وإذا قرأ توبة آدم، لا يسجد، فدل أنه في ﴿ص﴾ للتلاوة.
قيل له: لا فرق بينهما عندنا؛ لأنه لا يسجدهما لتلاوتهما، وليس واحد منهما حثًا على السجود، ولا ترغيبًا، فقد سوّينا بينهما في ذلك.
وأما قوله: إنكم تسجدون لتوبة داود، ولا تسجدون لتوبة آدم - ﵇ -، فإنما فرقنا بينهما؛ لأن آدم - ﵇ - لم يسجد لتوبته، وداود - ﵇ - سجد لتوبته، فسجد رسول الله - ﷺ - للشكر على صفته وهيئته.
وأيضًا (^١): فإنه ليس بحثٍّ على السجود، ولا ترغيب فيه، وإنما السجود في الموضع الذي يكون [في] القرآن حثًا على السجود، وترغيبًا فيه، ألا ترى أن سائر مواضع السجود فيها أمرٌ بالسجود، أو حث عليه؛ كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ونحو ذلك، وها هنا هو خبر عن فعل داود - ﵇ -، وليس بحث، فوجب أن لا يتعلق بتلاوته السجود.
_________________
(١) كررت (أيضًا) في الأصل مرتين.
[ ١ / ٢٩٩ ]
واحتج المخالف: بما رُوي عن ابن عباس - ﵄ -: أنه سجد في ﴿ص﴾، وقال: رأيت النبي - ﷺ - سجد فيها (^١)، وظاهره: أنه يقتضي للتلاوة (^٢).
والجواب: أنه سجدها شكرًا، لا للتلاوة؛ بدليل: ما ذكرنا في خبر آخر.
واحتج: بأن من يقول: إنها سجدة شكر (^٣)، فإنه يفعلها للتلاوة، فإذا كان كذلك، قلنا: إن كل سجدة تعلقت بالتلاوة فإنها من سجدات التلاوة.
دليله: سائر السجدات التي في القرآن.
والجواب: أنها غير متعلقة بالتلاوة، وإنما [تكون] (^٤) شكرًا على ما أنعم الله على داود - ﵇ - بقبول توبته واستغفاره لذنبه، وتكون التلاوة سببًا للعلم بذلك أو التذكر.
واحتج: بأن مواضع السجود على ضربين: أحدهما: ذُم قوم على ترك السجود؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، ومُدح قوم على فعل السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [وَيُسَبِّحُونَهُ] (^٥) وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله:
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ٢٩٨).
(٢) هكذا في الأصل، ولعلها: التلاوة.
(٣) في الأصل: سجد شكر.
(٤) بياض في الأصل بمقدار كلمة، وتستقيم بالمثبت.
(٥) ساقطة من الأصل.
[ ١ / ٣٠٠ ]
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] حكاية عنه على وجه المدح له، فوجب أن يكون موضعًا للسجود.
والجواب: أنه ليس بمدح، إنما هو إخبار عن ذنبه واستغفاره وتوبته، قال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤]؛ أي: علم داود قول الملكين له: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] تنبيهًا له على ذنبه في امرأة أوريا (^١)، وليس كل خبر عن ذنب وتوبة يوجب أن يكون مدحًا لفاعله، فلم يكن حجة على أنه مدح؛ ولأنه إنما يكون حثًا وترغيبًا لمدح إذا كان المدح لمن أطاع من غير معصية، فأما من عصى ثم تاب، وأذنب ثم استغفر، فإنه إذا فعل ذلك ترغيبًا أو حثًا على مثله، وجب أن يكون حثًا على الذنب والتوبة، وهذا لا يجوز، فبان بهذا أنه ليس بمدح؛ إذ لو كان مدحًا، لم يكن للترغيب والحث والتحريض.
واحتج: بأنه لو كان للشكر، لبطلت الصلاة به.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولو قلنا: إنها تبطل كسائر سجود الشكر، لم يمتنع، وإن قلنا: لا تبطل، فوجهه: أن سبب العلم بهذه النعمة هو القرآن وإذ (^٢) سبب، وجعل العلم بالسبب من جهة التلاوة لم تبطل الصلاة، وتخالف سائر سجود الشكر.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٦٧)، وتفسير القرطبي (١٨/ ١٥٥).
(٢) طمس في الأصل بمقدار كلمة.
[ ١ / ٣٠١ ]
والوجه الأول أقطع لكلام الخصم.
* * *