نص على ذلك في رواية الجماعة (^٥):
_________________
(١) المفصل اختلف فيه على أقوال لعل أصحها: أنه من أول سورة "ق" إلى آخر سورة الناس. وسمي بذلك: لكثرة الفصل بين سوره، أو لقلة النسخ فيه. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع ص ٩٤، والبرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٥).
(٢) ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢].
(٣) ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١].
(٤) ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
(٥) قال عثمان النجدي المعروف بابن قائد المتوفى سنة ١٠٩٧ هـ في حاشيته على المنتهى (٢/ ١٧٩): (وحيث أُطلق الجماعة، فالمراد بهم: عبد الله ابن الإمام، وأخوه صالح، وحنبل ابن عم الإمام، وأبو بكر المروذي، وإبراهيم الحربي، وأبو طالب، والميموني)، وأشار إلى أن هذا ما قاله الشيخ محمد الفارضي المتوفى سنة ٩٨١ هـ. وللشيخ الدكتور عبد الرحمن الطريقي - وفقه الله - بحث عن مصطلح الجماعة عند الحنابلة، نشر في مجلة جامعة أم القرى العدد ٢٣، سنة ١٤٢٢ هـ، انتهى فيه إلى أن المراد بالجماعة عند الإطلاق: =
[ ١ / ٣٠٢ ]
الأثرم (^١)، وحنبل (^٢)، وحرب (^٣)، وغيرهم (^٤).
وهو قول أبي حنيفة (^٥)، والشافعي (^٦) - رحمهما الله -.
ورُوي عن مالك - ﵀ - روايتان، إحداهما: مثل هذا (^٧).
والثانية - وهي الصحيحة -: لا سجود فيه (^٨).
دليلنا: ما رُوي في حديث عمرو بن العاص الذي تقدم
_________________
(١) = عدم التحديد بعدد مقدر، أو معدود محدد بعينه، إنما رواية أكثر، قلتُ: وهو الذي يظهر، فأبو يعلى مثلًا في كتابه الروايتين (١/ ١١٧) قال: (فنقل الجماعة، منهم: إسحاق بن إبراهيم، وأبو الحارث، وعلي بن سعيد …) وقال في (١/ ١١٨): (فنقل الجماعة، منهم: عبد الله، ومهنا، وإسحاق بن إبراهيم، وابن مشيش، وحنبل، وأبو طالب …)، فلم يطلقها - أي: رواية الجماعة - على أصحاب مسائل بأعيانهم، وقد يقال: إن مصطلح الجماعة عند المتأخرين من الحنابلة يختلف عن متقدميهم.
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٣).
(٣) لم أجدها.
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٤).
(٥) ينظر: مسائل عبد الله رقم (٤٨٩)، ومسائل ابن هانئ رقم (٤٨٨)، ومسائل الكوسج رقم (٣٧٠).
(٦) ينظر: الحجة (١/ ٨٣)، ومختصر القدوري ص ٩٦.
(٧) ينظر: الإشراف (٢/ ٢٨٨)، والحاوي (٢/ ٢٠٢).
(٨) ينظر: الإشراف (١/ ٢٧٠)، والمعونة (١/ ٢٠٧).
(٩) ينظر: المدونة (١/ ١٠٩)، والإشراف (١/ ٢٧٠).
[ ١ / ٣٠٣ ]
ذكره (^١): أن النبي - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان.
وأيضًا: ما روى أحمد - ﵀ - في مسائل عبد الله بإسناده (^٢) عن ابن مسعود - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قرأ سورة النجم، فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير أن شيخًا أخذ كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قُتل كافرًا (^٣).
وروى أحمد - ﵀ - في مسائل عبد الله بإسناده (^٤) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سجدت مع رسول الله - ﷺ - في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (^٥).
وروى أبو داود (^٦) عن أبي رافع - ﵁ - قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد، فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه (^٧).
_________________
(١) (١/ ٢٨٨).
(٢) لم أجده في مسائل عبد الله المطبوعة، وهو في المسند برقم (٣٨٠٥، ٤٤٠٥).
(٣) مضى تخريجه (١/ ٢٨٤).
(٤) لم أجده في مسائل عبد الله المطبوعة، وهو في المسند برقم (٧٣٩٦).
(٥) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة رقم (٥٧٨).
(٦) في كتاب: الصلاة، باب: السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ﴾ رقم (١٤٠٨).
(٧) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: الجهر في العشاء رقم (٧٦٦)، =
[ ١ / ٣٠٤ ]
وهذه الأخبار نصوص في ذلك.
ولأن مواضع السجود على ثلاثة أضرب: أحدها: ذمُّ قومٍ على ترك السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
ومدحُ قومٍ على السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وأمرُ قومٍ بالسجود؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، وهذه المعاني موجودة في المفصل؛ لأن قوله تعالى في آخر النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أمر.
وقوله تعالى في سورة الانشقاق: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، ذم القوم على ترك السجود.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أمر، فيجب أن يكون ذلك من عزائم السجود.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] ليس فيه مدح ولا ذم.
قيل له: قد تقدم ذم، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]؛ يعني: لاهون (^١).
_________________
(١) = ومسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة رقم (٥٧٨).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٩٧)، وتفسير البغوي (٤/ ٣١٩).
[ ١ / ٣٠٥ ]
واحتج المخالف: بما روى أبو داود بإسناده (^١) عن ابن عباس - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (^٢).
وروى أبو داود بإسناده (^٣) عن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: قرأت على رسول الله - ﷺ - سورة النجم، فلم يسجد فيها (^٤).
والجواب: أنا قد روينا في أخبارنا: أنه سجد، ونقل في أخبارهم الترك، فنحمل أخبارهم أنه ترك ليبين أنه ليس بواجب، وسجد ليبين أنه سنة.
واحتج: بما رُوي عن ابن عباس - ﵄ -، وزيد بن ثابت - ﵁ -: ليس في المفصل سجود (^٥).
_________________
(١) في كتاب: الصلاة، باب: من لم ير السجود في المفصل رقم (١٤٠٣).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: ذكر الدليل على ضد قول من زعم أن النبي - ﷺ - لم يسجد في المفصل بعد هجرته إلى المدينة، رقم (٥٦٠)، وذكره ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٧١)، وقال: (حديث قد تكلم في إسناده)، قال ابن عبد الهادي: (لا يصح). ينظر: التحقيق (٢/ ٣٣٥).
(٣) في كتاب: الصلاة، باب: من لم ير السجود في المفصل رقم (١٤٠٤).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: من قرأ السجدة ولم يسجد رقم (١٠٧٣)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة رقم (٥٧٧).
(٥) أثر ابن عباس - ﵄ - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٥٩٠٠)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٤٢٥٤)، وصحح إسناده ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٩٦). =
[ ١ / ٣٠٦ ]
والجواب: إنا قد روينا (^١) عن أبي هريرة - ﵁ -: أنه سجد في سورة الانشقاق، فتعارضا، وكان قول أبي هريرة أولى؛ لأنه يوافق الأخبار، وفيه الاحتياط. والله تعالى أعلم.
* * *