وقد قال أحمد - ﵀ - في رواية الأثرم: إذا كان السجود في آخر السورة، فقرأها في الصلاة، فإن شاء سجد، وإن شاء ركع (^٢)، ولم يرد بهذا أن الركوع يقوم مقام السجود، وإنما خيره إن شاء أسقط السجود أصلًا، وركع ركوع الصلاة؛ لأنه آخر السورة.
_________________
(١) = وأما أثر زيد - ﵁ -، فلم أقف على سنده، وقد أشار إليه البيهقي في الكبرى (٢/ ٤٤٣)، وينظر: معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٣٥)، إلا أن يكون المراد بالأثر: أن عطاء بن يسار سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام؟ فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، فلم يسجد. فهذا مضى تخريجه في (١/ ٣٠٦).
(٢) في (١/ ٣٠٤).
(٣) لم أجد رواية الأثرم، وقد رواها عن الإمام أحمد الكوسجُ في مسائله رقم (٣٨٠)، وينظر: المستوعب (٢/ ٢٥٤)، والمغني (٢/ ٣٦٩)، والإنصاف (٤/ ٢١٧).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وبهذا قال الشافعي - ﵀ - (^١).
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: هو بالخيار، إن شاء ركع، وإن [شاء] سجد (^٢).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وهذا أمر؛ ولأنه مستطيع للسجود، فلم يقم الركوع مقامه، دليله: سجود الصلاة.
واحتج المخالف: بأن الركوع ركن، وهو خضوع في الصلاة، فجاز أن يجزئ في التلاوة، دليله: السجود، تبين صحة هذا: أنه قد يعبر بأحدهما عن الآخر، قال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وأراد به: السجود.
والجواب: أن الركوع، وإن كان خضوعًا، فإن السجود أبلغ في الخضوع منه، فلا يوجد معناه فيه، وعلى أن هذا المعنى لم يوجب أن ينوب الركوع فيه عن السجود في الصلاة، كذلك ها هنا في التلاوة.
وقياس قول أحمد - ﵀ -: أنه إذا قرأ سجدة في الصلاة، فأقام ركوع الصلاة مقامها أن يجزئه؛ لأنه قد قال في رواية الأثرم وغيره: إذا كانت السجدة في آخر السورة، أو قريبًا من آخرها، مثل سورة الأعراف، وبني إسرائيل، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، فركع
_________________
(١) ينظر: حلية العلماء (١/ ٢٠٤)، والمجموع (٣/ ٣٩٢). وهو قول المالكية. ينظر: المدونة (١/ ١١١)، والإشراف (١/ ٢٧٠).
(٢) ينظر: مختصر اختلاف الفقهاء (١/ ٢٤١)، والمبسوط (٢/ ١٥ و١٦).
[ ١ / ٣٠٨ ]
حين فرغ من السورة، تجزئه سجدة الركعة من سجود التلاوة، ولفظ كلامه أنه قال: إن شاء سجدها، وإن شاء ركع (^١)، بلغنا عن ابن مسعود - ﵁ - ذلك (^٢).
والخلاف في المسألتين خلاف واحد، وهو قول أبي حنيفة - ﵀ - (^٣)؛ خلافًا للشافعي - ﵀ - في قوله: لا يجزئه ذلك (^٤).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فعبر بالركوع عن السجود، وعن ابن مسعود - ﵁ - في سورة الأعراف: إن شاء سجدها، وإن شاء ركع (^٥).
وعن ابن عمر - ﵄ -: إذا تلا سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] في غير الصلاة، سجد، وإذا تلاها في الصلاة، ركع ولم يسجد (^٦).
_________________
(١) ينظر: ص ٣٠٨، وينظر: الأوسط (٥/ ٢٨٦).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (٥٩١٩)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٨٥)، قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٨٦): (رجاله ثقات).
(٣) ينظر: مختصر اختلاف الفقهاء (١/ ٢٤١)، والمبسوط (٢/ ١٥ و١٦).
(٤) ينظر: حلية العلماء (١/ ٢٠٤)، والمجموع (٣/ ٣٩٢).
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم (٨٧٣٤)، وذكر الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٨٦): أن رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم النخعي وبين ابن مسعود - ﵁ -.
(٦) لم أجده، وأخرج الطبراني في المعجم الكبير رقم (٨٧٢٩) عن الأسود قال: سجدت مع عمر، ومع عبد الله في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، قال الأسود: أما أحدهما، فلا أشك فيه. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٨٦): (رواه =
[ ١ / ٣٠٩ ]
فدل على أن ما بعد الركوع من السجود يقوم مقام سجود التلاوة، فيقع التداخل به.
ولأنه إذا نوى أن يقيم ركوع الصلاة مقامها، قامت الركعة بسجودها (^١) مقام سجدة التلاوة، وسجدة التلاوة يصح فيها التداخل، ولهذا إذا تلا السجدة في مجلس واحد مرتين، اقتصر على سجود واحد؛ لأن الفصل متقارب، ولو كانا في مجلسين، لم يتداخل، كذلك ها هنا بين قراءة السجدة وبين سجدة الصلاة زمان يسير، فتداخلا، ويفارق هذا سجود الصلاة؛ لأنه ليس مبناه على التداخل مع تقارب السجدتين.
ولا معنى لقولهم: إن هذا سجود، فلا يقوم الركوع مقامه؛ كسجود الصلاة، وذلك أننا نقول بموجبه، ونقول: بأن إحدى السجدتين قامت مقام الأخرى؛ لتقاربهما، فأما أن نقول: الركوع قام مقامه، فلا، ولهذا نقول: لو قرأها خارج الصلاة، فأراد أن يجعل مكان السجود ركوعًا، لم يصح؛ لأنه ليس هناك سجود متكرر، فيتداخل، والله أعلم.
* * *