وقد نص أحمد - ﵀ - على المنع في رواية إبراهيم بن الحارث، فقال: لا يصلي فوق بيت الله الحرام (^١)، وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا صلى فوق الكعبة، فلا تجوز صلاته (^٢)، وكذلك نقل أحمد بن القاسم (^٣) - وقد سئل عن الصلاة المفروضة في الكعبة -، فقال: في نفسي منه شيء (^٤)،
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٤٨٩).
(٢) ينظر: شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٤٨٩).
(٣) لا مزيد في اسمه على ما ذكره المؤلف، غير أن له مسائل عن الإمام أحمد، وهو صاحب لأبي عبيد القاسم بن سلام. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٣٥)، والمقصد الأرشد (١/ ١٥٥).
(٤) ينظر: شرح العمدة (٢/ ٥٠٠).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وحُكي عن ابن عباس - ﵄ -: أنه كان ينكره (^١)؛ لأنه يجعل بعض البيت خلفه، والتطوع أسهل، والصلاة فوقه أيسرُ من الصلاة فيه، وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: لا يصلي في الحِجْر، الحجر من البيت (^٢)؛ فقد منع الصلاة فيه، وحمل أصحابنا ذلك المنعَ على الإبطال، وقد أطلق أحمد - ﵀ - القولَ في رواية أبي طالب (^٣) - وقد سئل: أيصلي الرجل في البيت؟ - قال: نعم، ويقوم كما قام النبي - ﷺ - بين الأسطوانتين، وهذا محمول على صلاة التطوع.
فأما قوله في رواية ابن القاسم: الصلاة فوق أيسر، فقد نقل الأثرم عنه خلاف هذا، فقال: أما فوق الكعبة، فلم يختلفوا بأنه لا يجوز، واحتج بالحديث: "لا قِبلَة له" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: من كبر في نواحي الكعبة، رقم (١٦٠١)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، رقم (١٣٣١).
(٢) ينظر: شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٤٨٩)، والفروع (٢/ ١٢٤)، وحاشية ابن قندس (٢/ ١٢٣).
(٣) ينظر: الفروع (٢/ ١١٤)، والمبدع (١/ ٣٩٩)، والإنصاف (٣/ ٣١٦)، ونقل نحوها الكوسج في مسائله رقم (١٥٤٧). وحديث صلاة النبي - ﷺ - بين الأسطوانتين: أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الأبواب والغلق للكعبة رقم (٤٦٨)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج، رقم (١٣٢٩).
(٤) ينظر: شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٤٨٩). ولم أقف على حديث: "لا قبلة له".
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال أبو حنيفة (^١)، وداود (^٢): تجوز الصلاة فيها، وعلى ظهرها إذا كان قدامه شيء من السطح، أو أرض البيت.
وروي عن مالك روايتان: إحداهما: مثل مذهبنا، وهو المشهور عنهم، والثانية: مثل قول أبي حنيفة - ﵀ - (^٣).
وقال الشافعي - ﵁ -: إن صلى على ظهرها، لم (^٤) إلا أن يكون بين يديه سترة مبنية بجص أو طين، فأما إن كان لَبِنًا، أو آجرًا منصوبًا بعضُه فوق بعض، لم تجز، وإن غرس خشبة، فاختلفوا، فمنهم من قال: تصح، ومنهم من قال: تبطل. وإن صلى في جوفها مقابلًا للباب، لم تجز إلا أن يكون بين يديه عتبة شاخصة متصلة بالبناء (^٥).
دليلنا على أنه لا تجوز صلاة الفرض من فوقها ولا فيها، سواء كان بين يديه سترة متصلة أو لم يكن: قوله - ﷾ -: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ومنه ثلاثة أدلة:
أحدها: أنه أمرنا أن نصلي إلى البيت؛ لأن الشطر هو: النحو
_________________
(١) ينظر: مختصر اختلاف الفقهاء (١/ ٢٣٣)، والهداية (١/ ٩٣).
(٢) ينظر: المحلى (٤/ ٥٣).
(٣) ينظر: المدونة (١/ ٩١)، والإشراف (١/ ٢٧١)، والكافي ص ٣٩.
(٤) كذا في الأصل، ولعلها: لم يجز.
(٥) ينظر: الأم (٢/ ٢٢٣ و٨/ ٥٥٢)، والحاوي (٢/ ٢٠٦)، والبيان (٢/ ١٣٧).
[ ١ / ٣٣٢ ]
والتلقاء، ومنه قول الشاعر:
أقولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقِيمي (^١) … صُدورَ العِيسِ (^٢) شَطْرَ بَني تَميمِ (^٣)
يعني: نحوهم، وإذا كان مأمورًا أن يصلي إلى البيت، فإذا صلى على ظهره، فهو مصلٍّ (^٤) عليه، وليس بمصلًّ إليه، فيجب أن لا تصح صلاته، ألا ترى أن المصلي على الراحلة يسمى مصليًا عليها، ولا يسمى مصليًا إليها، وكذلك إذا صلى على بساط، قالوا: صلى عليه، ولا يقولون (^٥): صلى إليه، وكذلك من صلى في دار، يقال: صلى فيها، ولا يقال: صلى إليها، فلما كان المصلي عليها وفيها لا يكون مصليًا إليها، كان الأمر بالصلاة إليها باقيًا، فيلزمه إعادتها.
_________________
(١) في الأصل: أقيمن أم زنباع أقيمن، والتصويب من كتاب الأغاني (١٠/ ٢٢٩).
(٢) في الأصل: العيش، والتصويب من كتاب الأغاني (١٠/ ٢٢٩).
(٣) وقائل هذا البيت هو: أبو جندب بن مرة الهذلي، من شعراء هذيل المعدودين، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، ومات في الحرم وهو يعتمر. ينظر: الشعر والشعراء ص ٤٤٠، والأغاني (١٠/ ٢٢٩)، ولقصيدته هذه تتمة، ومناسبتها حث على طلب الثأر. ينظر: الأغاني (١٠/ ٢٢٧)، ولسان العرب (شطر).
(٤) في الأصل: مصلي.
(٥) في الأصل: يقولوا.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فإن قيل: إذا كان بين يديه جزء من البيت، أو من السطح، فقد صلى إليه.
قيل له: فيجب إذا صلى على الراحلة وعلى البساط يقال (^١): قد صلى إلى الراحلة وإلى البساط؛ لأن بين يديه جزء [ًا] منه، وأحد من أهل اللغة لا يقول هذا.
والدليل الثاني من الآية الكريمة: أنه بالصلاة إلى البيت (^٢)، وإذا صلى فيه أو عليه، فقد صلى إلى بعضه وجزء منه، وهذا خلاف ما اقتضاه الأمر.
فإن قيل: الشطر لا يقتضي الجملة، وإنما يقتضي البعض، ولهذا يقال: شطرت الشيء؛ أي: جعلته نصفين (^٣)، ويقولون في مثلٍ لهم: احلب حلبًا لك شطره؛ أي: نصفه (^٤).
قيل له: يجوز أن يستعمل الشطر في البعض في غير هذا الموضع، فأما في هذا الموضع، فلا؛ لما روي عن علي (^٥)،
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله الأصوب: أن يقال.
(٢) كذا في الأصل، والمراد: أنه أُمِر بالصلاة إلى البيت.
(٣) ينظر: لسان العرب (شطر).
(٤) ينظر: مجمع الأمثال (١/ ٣٤٧).
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٦٦٤)، والحاكم في المستدرك في كتاب: التفسير، من سورة البقرة رقم (٣٠٦٤)، وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي في التلخيص.
[ ١ / ٣٣٤ ]
والبراء بن عازب (^١) - ﵄ -: أن الشطر: النحو، والقبالة، فكان المرجع إلى التفسير في ذلك أولى.
وعلى أن الموضع الذي يستعمل فيه الشطر للبعض فهو النصف، ومنه قول النبي - ﷺ -: "تمكث شطر دهرها" (^٢)، والمراد به: النصف، ومنه: لو وصى لرجل بشطر ماله، كان له نصفه، وأحد ما قال: يجب أن يتوجه إلى نصفه، فامتنع أن يكون المراد: البعض، وإنما المراد به: النحو.
والثالث من الآية الكريمة: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح منا فعلُ المأمور به وتركُه؛ لأن المأمور إنما يكلَّف ليفعل أو
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (٣٩٩)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة رقم (٥٢٥).
(٢) قال البيهقي: (طلبته كثيرًا، فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادًا بحال)، وقال ابن الملقن: (وقد نص غير واحد من الحفاظ على أنه لا يُعرفُ له أصل)، وقال: (أما ما ذكره ابن تيمية في "شرح الهداية" لأبي الخطاب عن القاضي أبي يعلى: ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في "سننه": أنه - ﵇ - قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي". وعبد الرحمن ليس له سنن، وسننه التي عزاه إليها لم نقف عليها، بل ولا سمعنا بها، فالله أعلم). ينظر: معرفة السنن والآثار (٢/ ١٤٥)، والبدر المنير (٣/ ٥٥). وفي صحيح مسلم: (تمكث الليالي ما تصلي). كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات رقم (١٣٢).
[ ١ / ٣٣٥ ]
يترك، فما لا يصح منا تركُه، لا يصح أن يؤمر بفعله، ومعلوم أن من هو في البيت أو فوقه لو أراد أن لا يولي وجهه شطره، لم يمكنه، فعلم أنه مأمور بأن يحصل على صفة يصح منه الفعل والترك، وهو الخروج عنه. ومن جهة السنة: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده، وذكره أبو بكر في كتابه عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلَّى في ظهر بيت الله" (^١).
وروى شيخنا (^٢) في كتابه بإسناده عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في سبعة مواطن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، ومَحَجَّة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، ومَعاطِن الإبل" (^٣)، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة: باب: ما جاء في كراهية ما يصلى إليه، رقم (٣٤٦)، وقال: (إسناده ليس بذلك القوي)، وابن ماجه في كتاب: المساجد: باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة، رقم (٧٤٦)، قال ابن حجر: (في سند الترمذي: زيد بن جبيرة، وهو ضعيف جدًا، وفي سند ابن ماجه: عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضًا)، ينظر: التلخيص الحبير (٢/ ٦٠٣).
(٢) المراد به: ابن حامد - ﵀ -.
(٣) ينظر: حاشية رقم (١)، قال ابن تيمية بعد أن ذكر تضعيف بعض أهل العلم لهذا الحديث: (وهذا الكلام لا يوجب رد الحديث لوجهين …)، ثم ذكرهما، وأطال في ذلك. ينظر: شرح العمدة (٢/ ٤٣٢). =
[ ١ / ٣٣٦ ]
فإن قيل: نحمله عليه إذا كان مقتديًا بغيره، فيكون هو فوق السطح، وإمامُه على ظهر الأرض، فيكره له ذلك.
قيل له: لا يجوز حملُه على ذلك؛ لأنه لا يختص به ظهر الكعبة، بل المساجد كلها في ذلك سواء.
فإن قيل: نحمله على مَنْ صلى على طرف ليس بين يديه من أرض السطح شيء.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن هذا اسم يعم جميع أرض السطح، ولا يصح حمله على غيره، وأيضًا: رُوي عن عمر - ﵁ -: أنه نهى عن الصلاة على ظهر الكعبة (^١)، وروى عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: لا يصلى في جوف الكعبة، ولا في فوقها، وفي لفظ آخر: لا تجعل شيئًا من البيت خلفك (^٢).
والقياس يقول: صلى على الكعبة، فلم تصح صلاته، كما لو صلى
_________________
(١) = والمجزرة: موضع الجزارين الذي تنحر فيه الإبل، وتذبح البقر والشاء، وتباع لحمانها. ومحجة الطريق: جادة الطريق، وهي المقصد والمسلك. لسان العرب (جزر)، و(حجج).
(٢) لم أقف على من أخرجه، وذكره ابن تيمية، وذكر أن القاضي ذكره. ينظر: شرح العمدة (٢/ ٤٩٠).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة رقم (٣٣٩٨)، قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ١٠٠): (حديث حسن).
[ ١ / ٣٣٧ ]
على منتهى طرف سطحها، وافق أبو حنيفة - ﵀ -: أنها لا تصح، وكما لم يكن بين يديه سترة ظاهرة، وافق الشافعي - ﵀ - على أنه لا تصح صلاته.
فإن قيل: المعنى فيه إذا كان هناك سترة: أنه صلى إلى شيء شاخص منها، فلهذا لم يكره.
قيل له: فإذا صلى على جبل أبي قبيس (^١)، جازت صلاته، وإن لم يكن مصليًا إلى شيء شاخص منها، فبطل هذا.
فإن قيل: المعنى فيه إذا لم يكن بين يديه شيء من سطح البيت، ولا شيء من أرضه: أنه غير متوجه إلى شيء من البيت، فلهذا لم تجزئه، وها هنا هو متوجه إلى شيء من البيت، فأجزأه كما لو كان خارجًا منه.
قيل له: هو مأمور بالتوجه إليه، لا إلى شيء منه؛ بدليل قوله - ﷿ -: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ ولأنه إذا صلى فيه أو عليه، فلا يوصف بأنه متوجه إليه؛ كما لا يوصف من صلى على الراحلة ولا على البساط أنه متوجه إليه، وإنما يقال: هو مصل عليه لا إليه، وعلى أنه إذا كان خارجًا منها لا يقال: صلى إلى شيء منها، وإنما صلى إلى
_________________
(١) أبو قبيس: بلفظ التصغير كأنه تصغير قبس النار، وهو اسم الجبل المشرف على مكة، وجهه إلى قعيقعان، ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيها، وقعيقعان من غربيها؛ قيل: سمي باسم رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس، لأنه أول من بنى فيه قبة، … وكان في الجاهلية يسمى الأمين؛ لأن الركن كان مستودعًا فيه أيام الطوفان، وهو أحد الأخشبين. ينظر: معجم البلدان (١/ ٨٠).
[ ١ / ٣٣٨ ]
جميعها، كما أن من صام جميع شهر رمضان لا يوصف بأنه صام يومًا منه؛ ولأنه صلى وهو مستدبر لشيء من القبلة في حال القدرة على الاستقبال، فلم يصح فرضه؛ كما لو رفع بنيان البيت، ولن يرفع.
فإن أصحاب الشافعي - ﵏ - قالوا (^١): لا تصح الصلاة فيه، وإنما تصح إليه، وإن شئت قلت: استدبرَ من البيت ما لو استقبله، أجزأه، فلم تصح صلاته، دليله: خارج البيت، ولا نوع عبادة تختص البيت، فلا يصح فعلها فيه، ولا عليه، دليله: الطواف، ولا يلزم عليه صلاة النافلة؛ لأن التعليل لجملة النوع، والنافلة بعض النوع.
فإن قيل: الطواف يفارق الصلاة، ألا ترى أنه لا يصح نفلُه فيها، ولا عليها؟ وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يصح نفل الصلاة فيها وعليها، فصح فرضها.
قيل له: صلاة النافلة تصح على الراحلة، ولا تصح الفريضة، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: إنما لم يصح الطواف فيها ولا عليها؛ لأنه لا يستوعب البيت العتيق بالطواف.
قيل له: كذلك إذا صلى فيها، فهو مستدبر لشيء منها، وهو مأمور بالاستقبال، ممنوعٌ من الاستدبار؛ ولأنه إذا صلى فيها، فهو مستقبل لها، ومستدبر أيضًا، فقد اجتمع في هذه الصلاة حظر يختصها وإباحة، فوجب
_________________
(١) ينظر: المهذب (١/ ٢٢٤)، والبيان (٢/ ١٣٨).
[ ١ / ٣٣٩ ]
أن يغلب حكم الحظر، كما إذا اجتمع ذلك في الذكاة، وفي المنكوحة.
فإن قيل: لا تأثير لقولك: مستدبر لشيء من البيت، وعندك: أنه لو وقف بمنتهى (^١) البيت بحيث لا يكون خلفه شيء، لم يصح.
قيل: تعليل أحمد - ﵀ - في رواية ابن القاسم يقتضي الجواز؛ لأنه قال له: لم كرهت الصلاة في البيت؟ قال: لأنك تجعل بعض البيت خلفك، ولو لم يقل هذا، لم يضر؛ لأنه إذا لم يستدبر، لبطل لعلة واحدة، وإذا صلى في وسطه، بطل لعلتين.
وطريقة أخرى، وهو: أن استقبال القبلة شرط من شرائط الصلاة؛ كالستارة، والطهارة، ثم ثبت أنه لو ستر بعض العورة، وكشف بعضها، أثَّر الكشف في الستر، ومنع من صحة الصلاة، وكذلك لو غسل بعض الأعضاء، ولم يغسل بعضها، أثَّر ما لم يغسله فيما غسله، ومنع من صحة الصلاة، كذلك ها هنا إذا استقبل بعضها، واستدبر بعضها، أثر ما استدبره فيما استقبله، ومنع من الصحة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فأخبر أن البيت محل الركوع.
والجواب: أن معناه: للركوع والسجود إليه، لا فيه، ألا ترى أنه قال: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾، وأجمعنا على أنه لا يجوز الطواف فيه؟
_________________
(١) في الأصل: متتها. والتصويب من شرح العمدة (٢/ ٤٨٨)، ولفظه: (فلو سجد على منتهى السطح، أو على عتبة الباب، لم تصح صلاته).
[ ١ / ٣٤٠ ]
واحتج بما رُوي: أن النبي - ﷺ - دخل البيت، فصلى فيه (^١).
والجواب: أن تلك الصلاة كانت نافلة؛ لأنه رُوي: أنه لما دخل، أغلق الباب عليه، وصلى ركعتين، ومعلوم أنه ما كان ينفرد بصلاة الفريضة وحدَه، بل يجمع بمن معه.
واحتج: بما رُوي عن عائشة - ﵂ -: أنها قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أصلي في البيت؟ فقال لها النبي - ﷺ -: "في الحِجْر؛ فإنه من البيت" (^٢).
والجواب: أنا نجيز النذر في البيت؛ لأن النذر يعتبر فيه لفظ الناذر، ولهذا نقول: لو نذر أن يصلي على الراحلة، أجزأه، ولو أطلق النذر، لم يجزئه.
واحتج: بأنها بقعة طاهرة مستقبل بها البيت، فصحت، كما لو كان خارج البيت.
والجواب: عن قوله: مستقبل بها البيت، لا نسلِّم؛ لأن من صلى فيه وعليه لا يقال: صلى إليه، كما لا يقال: صلى إلى الراحلة، وإلى
_________________
(١) مضى تخريجه (١/ ٣٣١).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: الصلاة في الحجر رقم (٢٠٢٨)، والترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في الصلاة في الحجر رقم (٨٧٦)، وقال: (حديث حسن صحيح)، والنسائي في كتاب: الحج، باب: الحجر، رقم (٢٩١٢)، جميعهم بلفظ: "فإنَّما هو قطعة من البيت"، وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم (١١٠٦).
[ ١ / ٣٤١ ]
البساط، ثم المعنى هناك: أنه يصير (^١) مستدبر [ًا] لشيء من البيت، وها هنا هو مستدبر فلم تصح صلاته؛ تغليبًا للحظر.
واحتج: بأن كل بقعة جاز فعلُ النافلة فيها، جاز فعلُ الفرض فيها، دليله: خارج البيت.
والجواب: أنه لا يمتنع أن تجوز صلاة النافلة، وإن لم تجز صلاة الفريضة، كما قلنا في الصلاة على الراحلة، ثم المعنى في الأصل ما ذكرنا.
واحتج: بأنكم أجزتم صلاة النافلة في الكعبة، ولو كان في حكم المستدبر، لم يجز فعله في الكعبة؛ لأن القبلة لا يجوز تركها إلا على الراحلة.
والجواب: أنه لا يمتنع الإخلال بها في النافلة؛ كما جاز الإخلال بالقيام فيها، ولم يجز ذلك في الفريضة.
واحتج: بأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ووجدنا أن استدباره لبعضها ليس بنهي عن الاستقبال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يكون الاستدبار نهيًا عمّا استقبله، ويؤثر في البطلان؛ كما أنّ كشف (^٢) بعض العورة ليس بنهي عما ستره، وقد أثر في البطلان، وكذلك ما لم يغسله من الأعضاء ليس بنهي عما
_________________
(١) في الأصل: يخير.
(٢) في الأصل: انكشف.
[ ١ / ٣٤٢ ]
غسله، وقد أثر في البطلان.
واحتج: بأنه لو صلى على عتبة الكعبة، صحت صلاته، كذلك إذا صلى داخلها.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية فيه، وتعليله يقتضي جواز الصلاة؛ لأنه قال: لا يجوز الصلاة في الكعبة؛ لأنه يستدبر، فاقتضى تعليله: أنه إذا كان على العتبة بحيث لا يستدبر منه: أنه يجوز، وكان المعنى فيه: أنه غير مستدبر لشيء من القبلة، وها هنا هو مستدبر لشيء منها، فلهذا لم يصح.
فإن قيل: فما تقولون في الحِجْر؟
قيل: نقول ما نقول في البيت، نص عليه في رواية ابن القاسم، فقال: الصلاة في الحجر بمنزلة الصلاة في البيت.
آخر الجزء الثالث عشر من أجزاء المصنف - ﵀ -.
* * *