إذا صلى في المواضع المنهي عن الصلاة فيها، وهي: المقبرة، والحمام، والحُشّ، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل (^١)،
_________________
(١) العطن للإبل كالوطن للناس، وقد غلب على مبْركِها حول الحوض. ينظر: اللسان (عطن).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وظهر بيت الله الحرام، كُره له ذلك، وهل تبطل صلاته، أم لا؟ على روايتين:
إحداهما: تبطل:
نص عليه في رواية صالح: في الصلاة في مواضع نهى النبي - ﷺ - مثل معاطن الإبل والمقبرة: يعيد الصلاة (^١)، وهو اختيار الخرقي (^٢).
والثانية: لا تبطل صلاته:
نص عليه في رواية أبي الحارث في الصلاة في المقبرة والحمام ومرابض الإبل (^٣): يكره ذلك، قيل: فإن صلى يعيد؟ قال: إن أعاد (^٤)، كان أحبَّ إليَّ (^٥)، وبهذا قال أكثر الفقهاء (^٦).
_________________
(١) في مسائله رقم (٦١٠)، وينظر: مسائل عبد الله رقم (٣٠٧ و٣٠٨)، ومسائل الكوسج رقم (٢٩٢)، ومسائل ابن هانئ رقم (٣٥٠).
(٢) في مختصره ص ٥٣.
(٣) كذا في الأصل، والأصوب: معاطن الإبل.
(٤) في الأصل: إن عادت. والتصويب من الروايتين (١/ ١٥٦).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٦).
(٦) ينظر للحنفية: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٣٠٢)، وبدائع الصنائع (١/ ٥٣٩ و٥٤٢)، وللمالكية: المدونة (١/ ٩٠)، والكافي ص ٦٦، وللشافعية: الأم (٢/ ٢١٠)، والبيان (٢/ ١٠٩)، وللحنابلة: المغني (٢/ ٤٧٣)، والإنصاف (٣/ ٢٩٦).
[ ١ / ٣٤٤ ]
وروى حنبل عنه: لا يصلي في أعطان الإبل، فإن صلى ولا يعلم، ولم يسمع الخبر عن رسول الله - ﷺ -، رجوت أن لا يلزمه الإعادة، وإن كان قد سمع وفعل، أعاد (^١).
فقد فرق بين أن يكون قد بلغه النهي، وخالفه: أن صلاته تبطل، وهذا يدل من مذهبه على أنه حمل النهي على التحريم والإبطال.
والدلالة على أن صلاته باطلة: ما روى أحمد - ﵀ - في المسند (^٢) قال: نا أحمد بن عبد الملك (^٣) قال: نا محمد بن سلمة (^٤) عن محمد بن إسحاق (^٥)، عن عمرو بن يحيى بن عمارة (^٦)، عن أبيه (^٧)، عن أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل الأرض مسجد وطهور، إلا
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٦).
(٢) رقم (١١٧٨٤).
(٣) ابن واقد الحراني، قال ابن حجر: (ثقة تُكُلم فيه بلا حجة)، توفي سنة ٢٢١ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٢.
(٤) ابن عبد الله الباهلي مولاهم، الحراني، قال ابن حجر: (ثقة)، توفي سنة ١٩١ هـ. التقريب ص ٥٣٦.
(٥) ابن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم، قال ابن حجر: (إمام المغازي، صدوق يدلس)، توفي سنة ١٥٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٢٣.
(٦) ابن أبي حسن المازني، قال ابن حجر: (ثقة)، توفي بعد سنة ١٣٠ هـ. ينظر: التقريب ص ٤٧٤.
(٧) يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، الأنصاري، قال ابن حجر: (ثقة). ينظر: التقريب ص ٦٦٥.
[ ١ / ٣٤٥ ]
المقبرة والحمام" (^١)، وهذا يمنع أن يكون المقبرة والحمام مسجدًا وطهورًا، وإذا لم تكن مسجدًا، لم تصح صلاته.
وروى أحمد - ﵀ - (^٢)، وذكره حنبل قال: نا غندر (^٣) عن هشام (^٤)، عن محمد (^٥) حديثه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "إذا لم تجدوا إلا مرابضَ الغنم ومعاطنَ الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" (^٦)، وهذا نهي،
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، رقم (٤٩٢)، والترمذي، كتاب: مواقيت الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، رقم (٣١٧)، وقال: (هذا حديث فيه اضطراب)، وابن ماجه، كتاب: المساجد، باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة، رقم (٧٤٥)، قال الدارقطني في العلل (١١/ ٣٢١): (والمرسل المحفوظ).
(٢) في المسند رقم (٩٨٢٥).
(٣) هو: محمد بن جعفر الهُذَلي، البصري، المعروف بـ (غندر)، قال ابن حجر: (ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة)، توفي سنة ١٩٣ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٢٨.
(٤) ابن حسان الأزدي القُرْدوسي، أبو عبد الله البصري، قال ابن حجر: (ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين)، توفي سنة ١٤٧ هـ. ينظر التقريب ص ٦٣٩.
(٥) هو: ابن سيرين.
(٦) أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل رقم (٣٤٨)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وابن =
[ ١ / ٣٤٦ ]
والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
وروى أبو محمد بن أبي حاتم (^١)، وشيخنا أبو عبد الله في كتابه بإسناده عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في سبع مواطن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، ومعاطن الإبل" (^٢).
وروى النجاد بإسناده عن هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تصلوا على جَوادِّ الطريق" (^٣).
_________________
(١) = ماجه، كتاب: المساجد والجماعات، باب: الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، رقم (٧٦٨)، وهو في صحيح مسلم بلفظ (… قال: أُصلِّي في مبارك الإبل؟ قال: "لا") من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -، كتاب: الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل، رقم (٣٦٠).
(٢) في علله رقم (٤١٢)، ونقل كلام أبي حاتم - والدِه - في تضعيفه لهذا الحديث. وأبو محمد: مضت ترجمته.
(٣) مضى تخريجه (١/ ٣٣٦). قوله: "سبع مواطن" الأشهر: أن يكون "سبعة مواطن" وقد يكون له وجه في اللغة، لا سيما وأن مَنْ أخرج الحديث أورده بهذا اللفظ، ولهذا قال أبو الفتح عثمان بن جني في كتابه المحتسب (١/ ٢٣٦): (ليس ينبغي أن يُطلق على شيء له وجه من العربية قائم - وإن كان غيره أقوى منه - أنه غلط).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم (١٤٢٧٧)، وابن ماجه، كتاب: الطهارة وسننها، باب: النهي عن الخلاء على قارعة الطريق رقم (٣٢٩)، قال ابن =
[ ١ / ٣٤٧ ]
وروى أُسيد بن حُضير - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل" (^١).
وروى أبو بكر بإسناده عن بسر بن عبيد الله (^٢): أنه سمع أبا مرثد الغنوي - ﵁ - يخبر: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" (^٣).
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأجل أبوالها.
قيل: أجاب أبو بكر عن هذا، فقال: لو كان كذلك، لم يفرق بينه وبين مرابض الغنم؛ لأنه فيها بولها.
_________________
(١) = الملقن: (إسناده صحيح)، وقال ابن حجر: (إسناده حسن). ينظر: البدر المنير (٢/ ٣١٤)، والتلخيص الحبير (١/ ٢٧٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم (١٩٠٩٦)، والطبراني في الكبير رقم (٥٥٩)، قال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣١٠): (وهو حديث مرسل؛ فإن ابن أبي ليلى لم يسمع من أسيد بن حضير). ينظر: حاشية رقم (١) ص ٢٧٢.
(٣) في الأصل: بشر بن عبد الله. والتصويب من صحيح مسلم. وبسر هو: ابن عبيد الله الحضرمي، ثم الشامي، قال ابن حجر: (ثقة، حافظ). ينظر: التقريب ص ٩٦. تنبيه: بين بسر وأبي مرثد - ﵁ - واثلة بن الأسقع - ﵁ -، لعله سقط من النساخ. والاستدراك من صحيح مسلم.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، رقم (٩٧٢).
[ ١ / ٣٤٨ ]
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة فيها؛ لأنها تنفر، فتفزع المصلي، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "إنها جن من جن" (^١).
قيل: أجاب أبو إسحاق (^٢) عن هذا بأنه: لو كان كذلك، ما صلى النبي - ﷺ - على البعير، ولا إليه.
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأنه مناخ الركبان، وكانوا يبولون ويتغوطون في أمكنتهم، ثم يرحلون، فنهى أن يُصلى في أعطانها؛ لمواضع أبوال الناس.
قيل: قد روى أبو محمد [بن] (^٣) أبي حاتم في كتابه بإسناده (^٤) عن عبد الله (^٥) بن مغفل المزني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشيطان" (^٦)، فجعل
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده رقم (٥٧)، وهو في كتابه الأم (٢/ ٢٠٧)، والبيهقي في كتاب: الصلاة، باب: ذكر المعنى في كراهية الصلاة في أحد هذين الموضعين، رقم (٤٣٥٨) قال ابن رجب: (فيه ضعف). الفتح (٢/ ٤٢٠)، وذكر الألباني أنه ضعيف جدًا، فيه إبراهيم الأسلمي (متروك). ينظر: السلسلة الضعيفة رقم (٢٢١٠).
(٢) ابن شاقلا، مضت ترجمته.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) لم أجده.
(٥) في الأصل: أبي عبد الله، والتصويب من المسند.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم (١٦٧٩٩)، والنسائي في كتاب: المساجد، =
[ ١ / ٣٤٩ ]
العلة معنى لا في الركبان.
ولأن الشافعي - ﵁ - قد قال (^١): "العطن: موضع قرب البئر التي يسقى بها"، وليس العادة أن يبال في هذا الموضع.
فإن قيل: إنما نهي عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها مألفة الجن، ويشهد لذلك: أن النبي - ﷺ - لما نام هو وأصحابه في الوادي حتى طلعت الشمس، لم يصل فيه (^٢).
قيل: هذا يحتاج إلى نقل أنها مألفة الجن، وعلى أنه نقل في الخبر حكم وسبب، فالحكم المنع، والسبب العطن، فإذا حمل على ما ذكر، عدل به عن سببه.
ولأنه إجماع الصحابة - ﵃ -:
روى حميد عن أنس - ﵁ - قال: كنت أصلي وبين يدي قبرٌ وأنا لا أشعر، فناداني عمر - ﵁ -: القبر؛ فظننت أنه يعني القمر، فرفعت رأسي إلى السماء، فقال رجل: إنما يعني القبر، فتنحيت عنه (^٣).
_________________
(١) = باب: نهي النبي - ﷺ - عن الصلاة في أعطان الإبل، رقم (٧٣٥)، وابن ماجه، كتاب: المساجد والجماعات، باب: الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، رقم (٧٦٩)، وقال الذهبي في تنقيح التحقيق (٢/ ٣٣٠): (سنده صحيح).
(٢) في كتاب الأم (٢/ ٢٠٨).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: التيمم، باب: الصعيد الطيب، رقم (٣٤٤)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة، رقم (٦٨١).
(٤) أخرجه البخاري معلقًا جازمًا به في كتاب: الصلاة، باب: هل تنبش قبور =
[ ١ / ٣٥٠ ]
وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: لا يُصلّى في حمام، أو عند قبر (^١).
وقال جابر بن سمرة - ﵁ -: لا يُصلّى في أعطان الإبل (^٢).
وكذلك رُوي عن ابن عمر - ﵄ - (^٣).
ذكر شيخنا - ﵀ - هذه الأخبار في كتابه، وهذا كله يدل على البطلان.
ولأنه صلى في المقبرة، والحمام، وأعطان الإبل، وقارعة الطريق، فلم تصح صلاته، كما لو صلى في هذه المواضع مع الإمام، ولم يقر (^٤)
_________________
(١) = مشركي الجاهلية؟ وهو عند عبد الرزاق في مصنفه موصولًا عن معمر، عن ثابت البناني، عن أنس - ﵁ -.
(٢) بنحوه أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٧٦٧١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٩٠٢)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٨٨)، وجزم بأن جابرًا - ﵁ - قاله.
(٤) لم أجد أثر ابن عمر - ﵄ -، وذكره ابن تيمية بصيغة التمريض في شرح العمدة (٢/ ٤٣٨)، وأشار محقق كتاب الأوسط لابن المنذر (٢/ ١٨٧) أن الاسم مصحف، وأنه عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وأثر ابن عمرو أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٩٠٤ و٧٦٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٨٨).
(٥) هكذا في الأصل، ولعلها: يقرأ، وتحتمل أن تكون الراء دالًا فتكون: ولم يقدمه في صلاته، وسبب هذا الاحتمال: أن بعضًا من فقهاء الحنابلة يضرب مثالًا بفساد صلاة المأموم بتقدمه على إمامه، وكون امرأة بجانبه. ينظر مثلًا: الفروع (٣/ ٣٩).
[ ١ / ٣٥١ ]
في صلاته، أو صلى إلى جنب امرأة.
فإن قيل: المعنى في ذلك: أنه لو صلى في غير هذه المواضع، بطلت صلاته.
قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأنها بقعة منهي عن الصلاة فيها نطقًا، فلم تصح الصلاة فيها، أصله: البقعة النجسة، ولا يلزم عليه لو صلى في دار الحرب مع قدرته على الهجرة: أنه تصح صلاته؛ لأن النهي عن الصلاة فيها استدلالًا، لا نطقًا.
ولا يلزم عليه قوله - ﷺ -: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (^١)؛ لأن غير المسجد ليس بمنهي عن الصلاة فيه؛ بدليل أنه لو صلى في جماعة في منزله، لم يكن منهيًا عن الصلاة فيه، وإن شئت قلت: هذا النهي يختص الصلاة، أشبهَ البقعة النجسة.
واحتج المخالف: بما روى أحمد - ﵀ - بإسناده (^٢)، وذكره حنبل عن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركَتْ [رجلًا من] (^٣) أمتي الصلاةُ، فعنده
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب: الصلاة، باب: حث جار المسجد على الصلاة فيه، رقم (١٥٥٣)، قال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٩١٩): (مشهور بين الناس، وهو ضعيف، ليس له إسناد ثابت).
(٢) في المسند رقم (٢٢١٣٧).
(٣) ساقطة من الأصل، والتكملة من المسند.
[ ١ / ٣٥٢ ]
مسجدُه وطَهورُه" (^١).
والجواب: أنا قد روينا في خبر آخر زيادة، وأنه قال: "إلا المقبرة والحمام" (^٢)، والأخذ بالزيادة أولى.
واحتج: بأنها بقعة طاهرة مستقبل بها القبلة، فيجب أن تصلح صلاته فيها.
دليله: سائر البقاع.
والجواب: أن هذا قياس يعارض الخبر، فيجب أن يسقط، ثم المعنى في تلك البقاع: أنه غير منهي عن الصلاة فيها، وهذه البقاع بخلافه، فهي كالبقعة النجسة. والله أعلم.
* * *