نص عليه في رواية حنبل (^١)، وابن منصور (^٢)، وقال أبو إسحاق: فيها روايتان (^٣):
إحداهما: مثل هذا، وأنه يلزمه إعادته.
وهو قول أبي حنيفة (^٤)، ومالك (^٥) - رحمهما الله -.
_________________
(١) ينظر: أحكام أهل الملل، رقم المسألة (١٢٩٣).
(٢) في مسائله رقم (١٥٨٣ و١٦٨٤).
(٣) ينظر: الانتصار (٢/ ٣٣٥)، والمغني (٢/ ٤٨)، والنكت على المحرر (١/ ٧٥).
(٤) ينظر: المبسوط (٢/ ١٤٨)، وحاشية ابن عابدين (٤/ ٤٦٢).
(٥) ينظر: المدونة (٢/ ١٦٧)، والإشراف (١/ ٢٧٤).
[ ١ / ٣٧٠ ]
والثانية: لا يلزمه، وهو قول الشافعي - ﵀ - (^١).
وجه الأوّلة: أنه إسلام طرأ بعد كفر متقدم، فأوجب حجة الإسلام.
دليله: الكافر الأصلي.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يسقط فرض الحج، وها هنا أسقط فرض الحج.
قيل: لا نسلم لك هذا، بل هذا الإسقاط مراعًى، فإن لم يرتد، سقط الفرض، وإن ارتد، لم يسقط، وجرى هذا مجرى المريض إذا صلى الظهر في منزله، ثم حضر الجامع، فإن حضوره يمنع من الاعتداد بما فعله؛ لأنه كان مراعًى، ولا نقول: إنه باطل.
ولأنها عبادة لا تُفعل (^٢) في العمر إلا مرة مع استمرار الإسلام، فوجب إعادتها بعد الردة؛ كالإيمان.
واحتج المخالف: بأنه أتى بالعبادة بشرائطها، فلم يلزمه إعادتها، دليله: إذا لم يرتد، ودليله: الصلاة، والصيام، والزكاة، ولا يلزم عليه إذا صلى، ولم يجد ماء، ولا ترابًا أنه يعيد؛ لأنه لم يأت بالعبادة بشرائطها.
والجواب: أن الصبي والعبد إذا حجا، فقد أتيا بالعبادة بشرائطها، ومع هذا، فيلزم الإعادة بعد العتق والبلوغ، وأما إذا لم يرتد، فإنما لم يلزمه الإعادة؛ لأنه لم يَحْدُثْ إسلامٌ بعد كفر، وها هنا قد حدث، فهو كالحربي،
_________________
(١) ينظر: المجموع (٣/ ٧)، ومغني المحتاج (٤/ ١٧٣).
(٢) في الأصل: يفعل.
[ ١ / ٣٧١ ]
وأما سائر العبادات، فإنما لم يقضها؛ لأنه لم يفعل لمثلها في هذا الإسلام الثاني، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يفعل أمثاله، ولهذا قالوا: لو بلغ الصبي في الصلاة، أو بعد الفراغ منها في وقتها، لم يقضها، وأجزأته، ولو بلغ بعد أن حج، كان عليه الإعادة، وكلُّ فرقٍ لهم في حق الصبي بين الصلاة والحج، هو فرقنا؛ ولأن تلك العبادات تكثر، فيشق، وهذا لا يكثر، فلا تلحق المشقة.
فإن قيل: فما تقولون فيه إذا صلى في أول الوقت، ثم ارتد، ثم أسلم في آخر الوقت، هل يلزمه إعادة الصلاة ثانية، أم لا؟
قيل: لا نعرف عن أصحابنا رواية في ذلك، وقياس قولهم: لا يعيد؛ لأن من أصلهم: أن الردة لا تحبط العمل، وهذه العبادة فعل أمثالها في هذا الإسلام، ويفارق الحج، لأنه لا يفعل أمثاله في هذا الإسلام، فلهذا لزمه إعادتها، ويفارق هذا الصبي إذا صلى، ثم بلغ في الوقت: أنه يعيد في غير وقت الوجوب، ها هنا فعلها في حال وجوبها بشرائطها، وهي مما يتكرر أمثالها، فلهذا لم يلزمه الإعادة.
واحتج بعضهم: بأن الردة سبب إذا قارن الحج، أبطله، فإذا طرأ بعده، لم يبطله، دليله: الوطء.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأن الردة الطارئة لا تبطل الحج، وإنما تمنع الاعتداد به، كما نقول في المريض إذا صلى الظهر في منزله، ثم حضر الجامع، فإن حضوره يمنع الاعتداد بما فعله، ولا نقول: إن ذلك
[ ١ / ٣٧٢ ]
الفعل باطل، وعلى هذا: يبطل به لو مات على الردة؛ فإن هذا معنى لو قارن الحج، أبطله، وإذا طرأ عليه واستدامه إلى الموت، أبطله.
وهذه المسألة في آخر الحج. والله أعلم.
* * *