نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه: فقال: لا يجوز له إذا صلى وحده، أو كان إمامًا، أن ينصرف إلا على اليقين، إلا أن يسبحوا به، فيصير إلى يقينهم إذا سبح به نفسان، فإن كان واحدًا، لم يجز عندي؛ لأن النبي - ﷺ - لما قال له ذو اليدين، لم يقبل قوله حتى سأل القوم (^١).
وقال أيضًا - في رواية أبي داود - (^٢): إذا وَهِمَ في صلاته وهو إمام، فسبَّح به مَنْ خلفَه، فإن سبحوا به، فلم يلتفت، وصلى، يعيد، ويعيدون.
فقد صرح القول أن صلاته تبطل إذا ترك المتابعة لهم، وهو اختيار
_________________
(١) حديث ذي اليدين - ﵁ - مضى تخريجه (١/ ٢٠٠، ٢٠١). ورواية بكر بن محمد عن أبيه، لم أقف عليها، وقد نقل نحوها عبدُ الله في مسائله رقم (٤٠٠)، وابن هانئ في مسائله رقم (٣٧٢ و٣٧٣ و٣٧٤)، والكوسج في مسائله رقم (٢٣٨). وينظر: الجامع الصغير ص ٤٥، والمغني (٢/ ٤١٢)، ومختصر ابن تميم (٢/ ٢٣٢)، والفروع (٢/ ٣١٧)، والإنصاف (٤/ ١٢).
(٢) في مسائله رقم (٣٦٦).
[ ١ / ٣٩٢ ]
أبي بكر الخلال (^١).
وروى أبو بكر المروذي عنه: إذا قام إلى خامسة، فسبحوا به، فلم يلتفت إلى قولهم، لا يتبعوه، ولا يُسلِّموا، يعجبني أن يصبروا حتى يكون هو يسلِّم بهم (^٢).
فظاهر هذا: أنه مأمور بالرجوع إلى قولهم، فإن لم يرجع، لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: يجوز أن يرجع إلى قول واحد منهم (^٣).
وقال مالك - ﵀ -: يرجع إلى قول اثنين منهم (^٤).
وقال الشافعي - ﵀ -: لا يجوز له الرجوع إلى قولهم، ويبني على يقين نفسه (^٥).
دليلنا: ما روي في حديث ذي اليدين، وأن النبي - ﷺ - صلى الظهر، فسلم من اثنتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر وعمر - ﵄ -: "أحقٌّ ما قال ذو اليدين؟ "، قالا: نعم،
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٧٤)، ورؤوس المسائل لأبي جعفر الهاشمي (١/ ١٦٧).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ١٧٥).
(٣) ينظر: فتح القدير (١/ ٣٧٤)، وحاشية ابن عابدين (٤/ ٥٢٤).
(٤) ينظر: القوانين الفقهية ص ٦٣، ومواهب الجليل (٢/ ٣١١).
(٥) ينظر: حلية العلماء (١/ ٢١٧)، والمجموع (٤/ ٩٦).
[ ١ / ٣٩٣ ]
فصلى ركعتين، وسجد للسهو (^١).
ففيه دلالة: على أنه يرجع إلى قول المأمومين، وفيه دلالة أيضًا: على أنه لا يرجع إلى قول الواحد؛ لأنه لم يلتفت لقول (^٢) ذي اليدين.
فإن قيل: لم يرجع إلى قولهما، وإنما يذكر بقولهما، فرجع إلى يقين نفسه.
قيل له: نقل في الخبر حكم، وهو الرجوع، وسبب، وهو سؤاله لهما عن ذلك، فالظاهر أن الحكم متعلق بذلك السبب.
ولأن قول الاثنين فصاعدًا أمارة ظاهرة تدل على السهو، فجاز الرجوع إليه، وتركُ اليقين، كما قلنا في الحاكم يرجع إلى قول الشهادة؛ لأنها أمارة ظاهرة، ويترك الأصل واليقين، وهو براءة الذمم (^٣)، وكذلك
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ٢٠٠، ٢٠١).
(٢) في الأصل: بقول، والصواب المثبت.
(٣) قال ابن قدامة في المغني (٢/ ٤١٣): (وإن كان الإمام على يقين من صوابه، وخطأ المأمومين، لم يجز له متابعتهم. وقال أبو الخطاب: يلزمه الرجوع إلى قولهم؛ كالحاكم يحكم بالشاهدين، ويترك يقين نفسه. وليس بصحيح؛ فإنه يعلم خطأهم، فلا يتبعهم في الخطأ، وكذا نقول في الشاهدين: متى علم الحاكم كذبهما، لم يجز له الحكمُ بقولهما؛ لأنه يعلم أنهما شاهدا زور، فلا يحل له الحكم بقول الزور، وإنما اعتبرت العدالة في الشهادة؛ لأنها تغلب على الظن صدق الشهود، ورُدت شهادةُ غيرهم؛ لأنه لا يعلم صدقُهم، =
[ ١ / ٣٩٤ ]
العمل بخبر الواحد جائز، وهو أمارة، وغلبة ظن، وإن كان الأصل هو اليقين، وكذلك في الصيام إذا حال دون هلال شوال غيم في ليلة الثلاثين، فشهد اثنان برؤية الهلال، فإنه يرجع إلى شهادتهما، وهو غالب ظن، فيترك اليقين والأصل الذي هو بقاء الشهر، كذلك ها هنا.
ولأنه لا يمتنع أن يرجع إلى قول غيره في فعل نفسه، الدليل عليه: ما رُوي عن أنس - ﵁ - قال: بعث أبو موسى بالهرمزانِ (^١) معي إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - حين نزل على حكمه، فلما قدمتُ به، لم يتكلم الهرمزان، فقال عمر - ﵁ -: تكلم، فقال: كلام حي، أم كلام ميت؟ فقال له: تكلم، ولا بأس عليك، فقال: نحن وأنتم - معاشرَ العرب - حيث جعل الله بيننا وبينكم، كنا نستعبدكم ونغصبكم (^٢)، فلما كان الله معكم، فليس لنا بكم يدانِ، فأمر عمر - ﵁ - بقتله، فقال له أنس: تقتله وقد قلت: لا بأس عليك! فقال عمر لأنس - ﵄ -: من يشهد معك؟ فأتى عمرَ بنُ الزبير - ﵁ - وقد كان
_________________
(١) = فمع يقين العلم بالكذب أولى أن لا يقبل).
(٢) الهرمزان: من عظماء الفرس، كان بينه وبين المسلمين قتال كثير، ثم أُسِر، فبعث به أبو موسى إلى عمر - ﵄ -، فأسلم الهرمزان، فكان عمر يستشيره في مغازيه، قتله عبيد الله بن عمر ظنًا منه أنه تواطأ مع أبي لؤلؤة المجوسي - عامله الله بعدله - على قتل أبيه عمر. ينظر: صحيح البخاري، كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة، رقم (٣١٥٩)، وفتح الباري (٦/ ٣١٧).
(٣) في الأصل: بعضكم، والتصويب من مسند الشافعي.
[ ١ / ٣٩٥ ]
سمع عمر -، فشهد عنده، فأطلقه (^١).
فرجع عمر - ﵁ - إلى غيره في أمان نفسه.
وكذلك في الأخبار: روى ربيعة (^٢) عن سهيل (^٣) بن أبي صالح (^٤)، عن أبيه (^٥)، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد (^٦).
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده رقم (١١٢٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال رقم (٣٠٤)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: السير، باب: نزول أهل الحصن أو بعضهم على حكم الإمام، رقم (١٨١٨٣)، وفي معرفة السنن والآثار رقم (١٨١١٨)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ١٧٥)، وابن حجر في الفتح (٦/ ٣٣٠)، وعلقه البخاري مختصرًا في كتاب: الجزية والموادعة، باب: إذا قالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أسلمنا.
(٢) ابن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم، أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي، واسم والده فرّوخ، قال ابن حجر: (ثقة، فقيه، مشهور)، توفي سنة ١٣٦ هـ. ينظر: التقريب ص ١٩٥.
(٣) في الأصل: سهل.
(٤) سهيل بن ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، قال ابن حجر: (صدوق، تغير حفظه بأخرة، روى له البخاري مقرونًا، وتعليقًا)، توفي في خلافة المنصور. ينظر: التقريب ص ٢٦٠.
(٥) هو: ذكوان، أبو صالح السمان، الزيات، المدني، قال ابن حجر: (ثقة، ثبت)، توفي سنة ١٠١ هـ. ينظر: التقريب ص ١٩٠.
(٦) أخرجه أبو داود في كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، رقم (٣٦١٠)، والترمذي في كتاب: الأحكام، باب: اليمين مع الشاهد رقم =
[ ١ / ٣٩٦ ]
فنسي سهيل الحديث، فقال له ربيعة: أنت حدثتني به، فكان سهيل يقول: حدثني ربيعة عني عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد، فكذلك في مسألتنا.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلْيُلْغِ الشك، ولْيبنِ على اليقين" (^١).
والجواب: أن هذا محمول على المنفرد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأنه شاكٌّ في عدد الركعات، فيجب أن يبني على اليقين.
دليله: المنفرد.
والجواب: أن المنفرد ليس معه أمارة ظاهرة يرجع إليها، وليس كذلك الإمام؛ لأن معه أمارة ظاهرة يرجع إليها، فهو كالحاكم يرجع إلى قول الشهود.
_________________
(١) = (١٣٤٣)، وابن ماجه في كتاب: الأحكام، باب: القضاء بالشاهد واليمين رقم (٢٣٦٨)، وصححه أبو حاتم، وأبو زرعة. ينظر: العلل لابن أبي حاتم رقم (١٤٠٩). وقصة سهيل مع ربيعة - رحمهما الله - ذكرها أبو داود في سننه بعد هذا الحديث، وابن أبي حاتم في العلل رقم (١٣٩٢).
(٢) بنحوه أخرجه مسلم، كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة رقم (٥٧١)، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: إذا شك في اثنتين رقم (١٠٢٤)، والنسائي في كتاب: السهو، باب: إتمام المصلي على ما ذكر إذا شك، رقم (١٢٣٨)، واللفظ له، وابن ماجه في كتاب: إقامة الصلاة، باب: من شك في صلاته، رقم (١٢١٠).
[ ١ / ٣٩٧ ]
فإن قيل: فيجب أن نقول في المنفرد إذا كان بحضرته من يشاهده يصلي، فأخبره بسهوه (^١): أن يرجع إلى قوله.
قيل: يحتمل أن يرجع إليهما؛ لأن ما طريقه الأمارة لا فرق بين أن يشتركا فيهما أم لا، ألا ترى أنه لو شهد برؤية الهلال المريض، أو المسافر، أو الحائض، ونحوهم ممن لا يلزمهم الصيام، قُبلت شهادتهم، كما يقبل ممن يلزمه؟ ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن من معه في الصلاة أضبط، وأشد تحفظًا كذلك من غيره، والأول أشبهُ بكلام أحمد - ﵀ -، وأنه يقبل؛ لأنه قال في رواية أبي طالب (^٢) وصالح (^٣): لو اختلف رجلان، فقال: أحدهما طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، فقال: لو كانوا ثلاثة، فقال اثنان: قد طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، قُبل قولهما؛ لأن النبي - ﷺ - قبل قول القوم.
فقد رجع إلى قول اثنين في الطواف؛ فإن كل واحد غير مشارك له في طوافه.
واحتج: بأن ما أمكن الرجوع في معرفته إلى القطع، لا يُعمل فيه بغالب الظن؛ كالشهادة على الأفعال والعقود لا يجوز تحملُها بالاستفاضة؛ لأنها غالب ظن، ويجوز ذلك فيما لا يمكن معرفتُه؛ كالنسب ونحوه،
_________________
(١) في الأصل: فأخبره سهوه.
(٢) ينظر: المحرر (١/ ٣٧٢)، والفروع (٢/ ٣١٩)، وكشاف القناع (٢/ ٤٧١).
(٣) لم أجدها في مسائله المطبوعة.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وها هنا يمكن الرجوع إلى يقينه.
والجواب: أن الأمارة إذا كانت ظاهرة، رجع إليها، وإن كان فيه تركٌ لليقين؛ كالرجوع إلى خبر الواحد، وقول الشهود، وأن الأصل هو اليقين، وهو براءة الذمة، وإنما لم يشهد بالعقود (^١) بالاستفاضة؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك، وبه حاجة ها هنا؛ لأنه لا يأمن أن يرجع إلى يقينه، فيزيد في صلاته.
واحتج: بأنه لو شهد، ثم نسي شهادته، فشهد عنده بها، لم يجز أن يشهد بذلك.
والجواب: أن سماع الشهادة إلى الحكام؛ ولأن الشهادة بالحقوق آكدُ من أخبار الديانات، ولهذا تُقبل شهادة الواحد في رؤية الهلال، والله أعلم.
* * *