وقد نص عليه أحمد - ﵀ - في مواضع، فقال في رواية حمدان بن علي الوراق (^١): في الرجل يصلي الظهر خمس ركعات:
_________________
(١) هو: محمد بن علي بن عبد الله بن مهران بن أيوب، أبو جعفر الوراق الجرجاني، المعروف: (بحمدان)، قال عنه الخلال: (رفيع القدر، كان عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان)، توفي سنة ٢٧٢ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٣٣٤)، والمقصد الأرشد (٢/ ٤٦٨).
[ ١ / ٤٢٥ ]
يسجد سجدتي السهو، فقيل له: أليس قد تمت صلاته، وإن لم يجلس في الرابعة؟ قال: نعم (^١).
وكذلك نقل ابن منصور عنه - وقد قيل له: قال سفيان في رجل صلى خمسًا ولم يجلس في الرابعة: أحبُّ إليّ أن يعيد - فقال أحمد: يسجد سجدتين بعد ما سلم (^٢). وكذلك نقل أبو داود عنه: إذا صلى خمسًا، فذكر في التشهد، يسجد قبل أن يسلم (^٣)، وكذلك نقل حرب عنه: إذا صلى ستًا، سجد للسهو قبل السلام (^٤)، فقد نص على صحة الصلاة، وإن عقد الخامسة بسجود، وإن لم يتقدمها تشهد.
وبهذا قال الشافعي (^٥)، وداود (^٦) - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة: إن ذكر أنه في خامسة، وقد عقدها بسجدة، أضاف إليها ركعة أخرى، وتشهد وسلم، وسجد سجدتي السهو، وتشهد وسلم، سواء في الرابعة
_________________
(١) لم أقف عليها، وينظر: الروايتين (١/ ١٤٨)، والمغني (٢/ ٤٢٨)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٣/ ١٧).
(٢) في مسائله رقم (٣٥٥).
(٣) في مسائله رقم (٣٧٠).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٨).
(٥) ينظر: الحاوي (٢/ ٢١٦)، ونهاية المطلب (٢/ ٢٤٦). وهو مذهب المالكية: ينظر: المدونة (١/ ١٣٤)، والكافي ص ٥٧.
(٦) ينظر: المحلى (٤/ ١٠٣).
[ ١ / ٤٢٦ ]
[عقد] (^١) التشهد، أو لم يعقد، إلا أنه إذا كان قعد في الرابعة، فالصلاة تامة، والركعة نافلة، وإن لم يكن قعد، كان ما صلى تطوعًا، واستقبل الظهر، وإن لم يكن عقد الخامسة بسجدة، عاد، فإن كان قعد في الرابعة قدر التشهد، سلم في الحال، وسجد للسهو، وتشهد وسلم (^٢).
دليلنا: ما روى أبو بكر في كتابه بإسناده، وذكره أبو داود (^٣) عن علقمة قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله - ﷺ - خمسًا، فلما انفتل، توسوس القوم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله! هل زاد في الصلاة شيء؟ قال: "لا"، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون" (^٤).
فوجه الدلالة: أنه لا يخلو إما أن يكون النبي - ﷺ - قعد في الرابعة مقدار التشهد، أو لم يقعد، فإن كان قعد، فلم يضف إلى الخامسة أخرى، وعندهم: أنه يضيف إليها سادسة، وإن لم يكن قعد، فلم يحكم بفساد صلاته، وعندهم: تبطل الصلاة، والظاهر: أنه لم يقعد في الركعة الرابعة لوجوه:
أحدها: أنه يقال في بعض ألفاظ هذا الحديث: إن النبي - ﷺ - صلى خمسًا، ولم يقعد، وسجد سجدتي السهو.
_________________
(١) في الأصل: قدر، والصواب المثبت.
(٢) ينظر: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧٩)، ومختصر القدوري ص ٨٩ و٩٠.
(٣) في سننه كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى خمسًا رقم (١٠٢٢).
(٤) مضى تخريجه في ص ٤١٣.
[ ١ / ٤٢٧ ]
والثاني: أنه لو قعد فيها، لنقل، ولما لم يُنقل، دل على أنه لم يقعد.
والثالث: أن من سها، فصلى خمسًا، لا يخلو: إما أن يكون قام من الرابعة، وهو يظن أنها ثالثة، فلا يحصل له على هذا جلوس عقيب الرابعة، أو يكون جلس في الرابعة، ثم سها فظن أنه في التشهد الأول، فقام من الجلوس، فيحصل له جلوس في الركعة الرابعة، ولو كان سهو النبي - ﷺ - على هذا، لكان ستًا، فلما صلى خمسًا، وقيل له في ذلك، وجبرها بسجود السهو، دل على أن سهوه كان على أنه اعتقد أنها ثلاث، وإن لم يحصل منه جلوس في الرابعة.
فإن قيل: الخبر محمول على أنه جلس في الرابعة، فلم تبطل صلاته، وإن لم يضف إليها سادسة؛ لأنه ذَكَرَ أنها خامسة بعد السلام.
قيل له: قد منعنا أن يكون جلس في الرابعة من الوجه الذي ذكرنا، وعلى أنه لو جلس، لوجب أن يضم إلى الخامسة ركعة، وقولهم: إنها خامسة بعد السلام، فغير صحيح؛ لأنه لو وجب إضافة السادسة إليها، لما منعه ذلك السلام من أثنائها؛ لأنه سلم وعليه ركعة، وكان بمنزلة من سلم في الركعة الثالثة من الظهر ساهيًا، ثم علم: أن ذلك السلام لا يمنعه من بناء الرابعة.
ولأنه لو كان ذلك السلام مانعًا من بناء السادسة، لكان مانعًا من بناء سجدتي السهو؛ لأنهما يفعلان بعد السلام، ويمنع بناء صلاة أخرى.
والقياس: أنه زاد في الصلاة من جنسها على طريق السهو، فوجب
[ ١ / ٤٢٨ ]
أن يكون ملغىً، ولا يبطلها، دليله: لو لم يعقد الخامسة بسجدة.
ولأن السجود فعل لو ذكر السهو قبله، لزمه الرجوع إلى الرابعة، وإذا ذكر بعده، وجب أن يلزمه الرجوع إليها؛ قياسًا على الركوع لما كان فعلًا إذا ذكر السهو قبله، لزمه الرجوع إلى الرابعة، فإذا ذكر بعده، لزمه الرجوع إليها.
ولأن الخامسة إذا قيدها بسجدة، لو كان يخرج بها من تحريمة الفريضة، لوجب أن يخرج منها بما قبل السجود؛ لأنه قد استوفى موجبات التحريمة، ولم يبق عليه إلا التسليم عنده، أما أن لا يكون من موجبات التحريمة، وأنه والكلام وسائر الأفعال سواء في التحليل، أو يكون من موجبات التحريمة، ولكن يقوم مقامه غيره من الأفعال المخالفة للتحريمة بالقيام إلى الخامسة؛ لأنه مخالف للتحريمة، فلما لم يخرج بذلك إذا لم يسجد، كذلك وإن سجد، وتنبني المسألة على أن الخامسة ملغاة، وليست صلاة نافلة.
والدلالة عليه أشياء، منها:
أن من سها في الفريضة، ثم تحلل منها، ودخل في النافلة، سقط سجدتا السهو عنه، وفات وقتهما بدخوله في النافلة، وقد قالوا: إنه يسجد للسهو (^١).
والثاني: أن الذي يقضي سجدتي السهو هو هذه الركعة، فإذا لم
_________________
(١) ينظر: حاشية ابن عابدين (٤/ ٥١٥).
[ ١ / ٤٢٩ ]
تكن هذه زيادة واقعة في تحريمة الفريضة، وإنما هي صلاة مبتدأة نافلة، فقد سلمت الفريضة من السهو، فلا معنى لسجود السهو، ولما أجمعوا على أنه يسجد، دلت على أنها ليست صلاة.
والثالث: أنها لو كانت نافلة، لوجب إذا سلم منها ساهيًا أو جاهلًا أن يضيف إليها أخرى؛ لأن أقل النفل ركعتان، وقد ثبت بهذه الركعة حكم النافلة عنده، ولما لم يضف إليها ركعة، دل على أنها ملغاة، وليست صلاة.
واحتج المخالف فقال: أبني المسألة على أن الخامسة صلاة نافلة، وإذا ثبت أنها نافلة، قلنا: قد خرج عن الفرض، ودخل في النفل، وإذا خرج عنها، وقد بقي عليه فرض من فروضها، وهو القعود مقدار التشهد، فسدت صلاة الظهر، ووجب استئنافها.
والدليل على أنها نافلة: ما روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليضف إليها ركعة أخرى، فإن كانت قد تمت صلاته، فالركعة والسجدتان له نافلة" (^١)، فسمى الخامسة، فلو كانت ملغاة، لما سماها نافلة.
والجواب: أنا قد دلّلنا على أن الخامسة ملغاة، وليست نافلة، وأما حديث أبي سعيد، فالرواية مختلفة فيه، ففي رواية أحمد - ﵀ -:
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (١٠٢٤)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الدليل على أن سجدتي السهو للسهو نافلة، رقم (٣٨٨٣)، وبنحوه في صحيح مسلم، كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧١).
[ ١ / ٤٣٠ ]
أنه قال: "إذا لم يدر أحدكم ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليقم فليصل ركعة، ويسجد سجدتين وهو جالس، فإن كان خمسًا، شفع صلاته، وإن كان قد صلى أربعًا، كانت ترغيمًا للشيطان" (^١)، وفي لفظ آخر: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين، فليجعلهما واحدة، وإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين؛ حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم" (^٢)، ولم يقل: إنها نافلة، فلم يصح التعلق به، وعلى أن المخالف لا يقول به؛ لأن عنده أن السجدتين واجبتان، وعلى أنا نقول: إن الركعة وما دونها، وكل ما فعله، وعنده: أنه واجب، ثم كان أنه لم يكن واجبًا، فإنه يثاب عليه ثواب النافلة، وليس الخلاف في هذا، وإنما الخلاف في بقاء تحريمة الفريضة، وهل خرج منها إلى تحريمة النافلة أم لا؟ فعندنا: أن هذه الزيادة حصلت في تحريمة الفريضة، ولزمه فعلها، والرجوع إلى تحريمة الفريضة، وقد قال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله عن رجل فاتته من الصلاة ركعة، فصلى الإمام خمسًا، هل تجزئ الذي فاتته الركعة؟ فتوقف ولم يجب (^٣)، وتوقفه يدل على ما ذكرناه، وأنه يثاب عليه ثواب النافلة؛ إذ لو لم يكن كذلك، لم يتوقف، ولا وجب على المأموم قضاء الركعة؛ لأن ما أدركه مع الإمام ملغىً لا يعتد به، فلما توقف، دل على أنه في حكم النافلة.
_________________
(١) مضى في (١/ ٣٧٥).
(٢) مضى في (١/ ٣٧٥، ٣٨٦).
(٣) ينظر: الفروع (٢/ ٣١٩)، والمبدع (١/ ٥٠٧)، والإنصاف (٤/ ١٦).
[ ١ / ٤٣١ ]
وقد اختلفت الرواية عنه في المتنفل، هل يؤم المفترضَ أم لا؟ على روايتين، وقد نقل المروذي عنه: في رجل دخل مع الإمام، وقد فاتته ركعة من الظهر، فصلى الإمام خمس ركعات ساهيًا: لا يجزئ هذا المأموم الذي فاتته ركعة، يعيد (^١)، فقد صرح القول في هذه الرواية: أنه لا يعتد بهذه الركعة مع الإمام، وقوله: يعيد الصلاة، محمول على أنه لم يقض الركعة التي فاتته حتى تطاولَ الفصل، وعلى هذه: الخبرُ حجة عليهم، وذلك أن النبي - ﷺ - أمر الشاك في الصلاة بالبناء على اليقين، ومن شك أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فاليقين أن يبني على الأقل، فيقوم من الرابعة ولا يجلس؛ لأن الثالثة لا يتعقبها جلوس، فيقوم فيأتي بركعة أخرى، ويسلم، فإن كانت هذه الركعة خامسة، فقد صلاها خمسًا، ولم يجلس في الرابعة، وقد أخبر النبي - ﷺ -: [أنها] (^٢) ماضية، وعندك: أنها باطلة، فنصُّ الخبر حجة عليهم.
واحتج: بأنه قد أتى بأكثر أفعال الركعة، فوجب أن يثبت حكمها، ولا تكون ملغاة؛ كالمسبوق، وإذا أدرك الإمامَ في الركعة، وتابعه في الركعة، اعتد بها؛ لما ذكرنا، وليس كذلك إذا ذكر قبل أن يعقدها بسجدة أنه يلغيها؛ لأنه لم يأت بأكثر أفعال الركعة.
والجواب: أن المسبوق حجة لنا؛ لأن الأقل والأكثر سواء في حكم
_________________
(١) لم أقف على رواية المروذي، وينظر في المذهب: المحرر (١/ ١٥٠)، والحاوي الصغير ص ٨٤، والإنصاف (٤/ ١٦).
(٢) ساقطة في الأصل، ويدل عليها ما بعدها، والضمير يرجع إلى الركعة.
[ ١ / ٤٣٢ ]
المضي؛ فإنه مأمور بالمضي فيها، كذلك ها هنا يجب أن يكونا سواء، وإذا وجب قطع الأول والرجوع إلى ترتيب تحريمة صلاته، كذلك الأكثر.
وعلى أن المسبوق يعتد له بفعل الإمام، ويحتسب له به؛ لأن أكثر أفعال الركعة تقوم مقام جميعها، ألا ترى أنه لو كان منفردًا، فأتى بذلك، لم يثبت حكم؛ لأنه لا إمام له.
ولأن المسبوق بأكثر أفعال الركعة مع العلم، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه أتى به مع السهو، والنسيان، فلم يعتد به، فلزمه قطعه.
ولأن المسبوق يثبت له حكم الركعة على ما أمر به، وقصد فعله، وليس كذلك من صلى خمسًا؛ فإنه صلى الخامسة على أنها فريضة، وأنها واجبة، فلم يثبت لها حكم. والله أعلم.
* * *