إذا ترك القنوت عامدًا، لم يسجد للسهو، وكذلك كل ما لم يُسْجَد له؛ مثل: القراءة للسورة في الآخرتين، والصلاة على
_________________
(١) في (١/ ٤١٥).
[ ١ / ٤٥٧ ]
النبي - ﷺ - في التشهد الأول، والجهر فيما يسرُّ به إذا قلنا: يسجد (^١):
وهو قول أبي حنيفة (^٢). قال الشافعي - رحمهما (^٣) الله -: يسجد سجدتي السهو (^٤).
دليلنا: أن النبي - ﷺ - سماهما: مَرْغَمَةً للشيطان (^٥)، والحكمُ إذا عُلق في الشريعة بعلة، وجب اعتبار تلك العلة، وإذا وجدت، وجب الحكم بها، وهذه العلة تحصل متى كان الترك بسبب من جهة الشيطان من إيراد الشك والشبهة، فأما إذا كان عمدًا، فإنهما يصيران مرغمتيه دون الشيطان؛ ولأنه إذا دخل في صلاةٍ نقصٌ على طريق العمد، فلا يلزمه جبران ذلك النقص بالسجود.
دليله: تكبيرات الركوع والسجود، والتسبيح في الركوع والسجود إذا تركها عمدًا.
_________________
(١) ينظر: رؤوس المسائل لأبي جعفر الهاشمي (١/ ١٧٢)، والممتع للتنوخي (١/ ٤٨٧)، والمغني (٢/ ٣٨٨).
(٢) ينظر: التجريد (٢/ ٧٠٨)، وفتح القدير (١/ ٣٥٨).
(٣) كذا في الأصل.
(٤) ينظر: الحاوي (٢/ ٢٢٦)، والبيان (٢/ ٣٣٧). وللمالكية قولان. ينظر: القوانين الفقهية ص ٦١، ومواهب الجليل (٢/ ٢٨٧).
(٥) مضى تخريجه (١/ ٣٧٥).
[ ١ / ٤٥٨ ]
فإن قيل: لأنه لو تركها ساهيًا، لم يسجد.
قيل له: عندنا: يسجد؛ ولأن هذا السجود يضاف إلى السهو، فوجب أن يختصه، ألا ترى أن سجود التلاوة لما أضيف إليها، اختص بها؟
فإن قيل: إنما يضاف إليه؛ لأن الغالب أنه يفعله لأجله، لا لأنه مختص به.
قيل له: فقلْ في سجود التلاوة مثلَه.
فإن قيل: سجود التلاوة لا يختص التلاوة، ألا ترى أنه إذا كان مستمعًا للتلاوة، فإنه يسجد لها، وإن لم تكن التلاوة منه؟
قيل له: قد وُجِدتِ التلاوة، لكن من جهة غيره، ولم يشترط وجودها من الساجد.
واحتج المخالف: بأن ما تعلق الجبران بسهوه، فإنه يتعلق بعمده.
دليله: ما يوجب الجبران في الحج.
والجواب: أن الحج آكدُ في هذا الباب من الصلاة، ألا ترى أن ما يوجب الجبران في الحج يستوي حكمُه بعد فساد الإحرام وقبلَه، وما يوجب الجبران في الصلاة يختلف حكمه بعد فساد الصلاة وقبله؟ كذلك يستوي العمد والسهو في الحج، ولا يستوي في الصلاة.
واحتج: بأن السهو أخفُّ حكمًا من العمد، وإذا تعلق الجبران بالسهو، فبالعمد أحرى؛ لأن ترْك المأمور ساهيًا أخفُّ منه عامدًا.
[ ١ / ٤٥٩ ]
والجواب: أنَّا نقول له: لِمَ قلتَ: إن السهو أخفُّ حكمًا من العمد فيما يتعلق به من الجبران؟ ونحن نخالفك في ذلك، ونقول: بأن السهو آكدُ حكمًا من العمد، وعلى أنه في حال السهو يوجد ما يضاف إليه، وهو السهو، ولا يوجد ذلك في العمد.
واحتج: بأنه تَرَك ذكرًا مسنونًا مقصودًا، فسجد له، دليله: إذا ترك (^١) ساهيًا.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه وجد ما يضاف إليه السجود، وهو السهو، فلهذا سجد، وهذا المعنى معدوم ها هنا.
أو نقول: المعنى هناك: أنه تركه على وجه السهو، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه تركه على وجه العمد، أشبهَ تكبيراتِ الخفض والرفع، والله أعلم.
* * *