رواها المروذي عنه، فقال: إذا سها الإمام، فخرج، والقوم خلفه يسجدون لما سها بهم (^١).
وبه قال مالك (^٢)، والشافعي (^٣) - رحمهما الله -.
وروى يوسف بن موسى عنه: في الإمام يسهو فلا يسجد: لا يسجد
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٤٩).
(٢) ينظر: الإشراف (١/ ٢٧٧)، ومواهب الجليل (٢/ ٣٢٥).
(٣) ينظر: الحاوي (٢/ ٢٢٨)، ونهاية المطلب (٢/ ٢٨٠).
[ ١ / ٤٦٨ ]
مَنْ خلفه (^١)، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا (^٢)، وهو قول أبي حنيفة (^٣)، واختاره المزني (^٤).
وجه الرواية الأولة: أن الإمام إذا سها، فقد حصل النقص في صلاته وصلاة المأموم؛ لأن صلاة المأموم لما كملت بصلاة الإمام، بدليل قول النبي - ﷺ -: "صلاة الجمع تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (^٥)، وإذا كملت صلاته بصلاة الإمام، جاز أن تنقص بنقصانه.
فإن قيل: هذا لا يصح؛ لأن حدث الإمام إذا ذكره بعد الفراغ يوجب
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٥٠).
(٢) ينظر: الإنصاف (٤/ ٧٦).
(٣) ينظر: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧٦)، ومختصر القدوري ص ٨٩.
(٤) ينظر: مختصر المزني ص ٢٩. والمزني هو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني، المصري، قال عنه الذهبي: (الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، … امتلات البلاد بـ "مختصره" في الفقه، وشرحه عدة من الكبار؛ بحيث يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة بـ "مختصر" المزني)، من مصنفاته: المختصر، والمنثور، وغيرهما، توفي سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٩٢).
(٥) أخرجه أحمد في المسند رقم (١٠٧٤٢)، واللفظ له، والبخاري في كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، رقم (٦٤٦ و٤٤٤٠)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة رقم (٦٤٩).
[ ١ / ٤٦٩ ]
نقصان صلاته، ولا يوجب نقصان صلاة المأموم.
قيل له: فرق بينهما، وذلك أن كمال صلاة الإمام بالطهارة لا يوجب كمال صلاة المأموم إذا كان محدِثًا، فلهذا نقصانُ صلاة الإمام بحدثه لا يوجب نقصان صلاة المأموم، وليس كذلك ها هنا؛ لأن صلاة المأموم تكمل بكمال صلاة الإمام، وهو إذا سها المأموم، ولم يسهُ الإمام، فإنه لا يحتاج إلى سجدتي السهو، وجب إذا نقصت صلاة الإمام بالسهو أن تنقص صلاة المأموم.
وطريقة أخرى: وهو أن الإمام لما يحمل عن المأموم حكم سهوه، لزم المأمومَ اتباعُه فيما لا يُعتد به، وهو إذا أدركه ساجدًا أو جالسًا، فكبر خلفه.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ - قال: "لا تختلفوا على إمامكم" (^١)، فإذا ترك الإمام، وسجد هو، فقد اختلف على إمامه.
والجواب: أنه قد خرج بالسلام من أن يكون إمامًا، فإذا سجد، لا يكون قد اختلف على إمامه.
واحتج: بأن المأموم يقول: ما سهوتُ، وإنما إمامي سها، فإن سجد للسهو، سجدتُ تبعًا له، وإن لم يسجد، لم أسجد؛ لأني ما سهوت.
_________________
(١) لعله مروي بالمعنى كما أشار إليه ابن حجر في التلخيص (٢/ ٩٤٢ و٩٤٦)، وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٨٢): (لا يحضرني من خرجه بهذا اللفظ)، قلت: ويدل عليه حديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، وقد مضى تخريجه في ص ٢٤١.
[ ١ / ٤٧٠ ]
والجواب: أنا نقول له: إمامك سها، ونقصتْ صلاتُك بنقصان صلاة الإمام، كما كملتْ بكمالها؛ ولأنه لما تحمّل عنك الإمامُ حكمَ سهوك، لزمك حكمُ سهوه.
واحتج: بأن سجود السهو مسنون، والمأموم يتبع إمامه في ترك المسنون، كما إذا ترك التشهد الأول، والجلوس له، فإن المأموم يتبعه في تركه، كذلك ها هنا.
والجواب: أن سجود السهو عندنا واجب، وقد بينا ذلك فيما قبل، ولا يجوز أن يتبعه في ترك واجب، وما استشهدوا به من ترك التشهد الأول فلا نسلمه أيضًا؛ لأن عندنا: أنه واجب، ولا يتبعه في تركه، ولو سلمنا ذلك نظرًا، فلا يشبه مسألتنا؛ لأنه إنما يتبعه في ترك المسنونات ما دام مؤتمًا به، ومتبعًا له، فأما إذا كان فارقه، وزال اتباعه، فإنه لا يتبعه في ترك المسنونات، وقد قال أحمد - ﵀ - في رواية أبي داود: في الإمام يسلم، وقد بقي عليه من الدعاء شيء: يسلم إلا أن يكون شيئًا يسيرًا (^١).
فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام ساجدًا، فسجد معه، فلما رفع الإمام رأسه عن السجدة الأولى، وأراد أن يسجد الأخرى، فسدت صلاته، فإن المأموم لا يأتي بالسجدة الأخرى؛ لأن إمامه ما أتى بها.
قيل: الفصل بينهما: أن سجود السهو يفعله لتكمل صلاته، فإذا
_________________
(١) في مسائله رقم (٥٠٥).
[ ١ / ٤٧١ ]
لم يفعله إمامه، فعله هو عن نفسه، وليس كذلك في تلك المسألة؛ لأن المأموم يفعله لاتباع إمامه، لا لتكملة صلاته، فلهذا إذا لم يفعله الإمام، لم يفعله المأموم، فبان الفرق بينهما.
فإن قيل: أليس [سجود] التلاوة يتوجه على التالي والمستمع، ثم ثبت أن التالي لو تركه، سقط عن المستمع، سواء كان التالي في صلاة، أو في غيرها، نص عليه في رواية المروذي، قال: قُرِئ على أبي عبد الله السجدة، فلم يسجد، فقلت له: لم تسجد؟ فقال: لو سجدتَ، سجدتُ (^١).
قيل له: سجود التلاوة سنة، والمستمع لها تابع، والقارئ هو المتبوع، ولهذا قال أحمد - ﵀ - في رواية: … (^٢) إذا كان القارئ صبيًا (^٣) أو امرأة، لم يسجد المستمع (^٤)، والسنن لا يثبت حكمها إلا بعد ثبوت المتبوع، ولهذا قلنا في السنن الراتبة كسنة الظهر، والمغرب، والعشاء: لا تثبت إلا بعد أن تتقدم المفروضة، وليس كذلك سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا، ولأن فعل تلك لا يعود بكمال القراءة، فتركها لا يعود بنقصانها، وسجود السهو يعود بكمال الصلاة، فتركه يعود بنقصانها.
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد (٣/ ١٠١٦).
(٢) في الأصل بياض بمقدار كلمة.
(٣) في الأصل: صبيٌّ.
(٤) ينظر: المغني (٢/ ٣٦٧)، ومختصر ابن تميم (٢/ ٢٢٦).
[ ١ / ٤٧٢ ]
آخر الجزء الرابع عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه، وعلى والديهم، والمسلمين أجمعين -.
* * *