نص عليه في مواضع، فقال في رواية المروذي: إذا صلى الجنب بأصحابه ناسيًا، يعيد ولا يعيدون، وإن كان ذاكرًا، يعيد ويعيدون، وإن ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض، ولم يستنشق، يعيدون، وإن لم يذكر حتى فرغ، يعيد ولا يعيدون (^١)، وقد نص على معنى هذا في رواية ابن القاسم (^٢)، وأبي طالب (^٣)، وغيرهم.
وقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه كلامًا يدل على أنه إذا كان ناسيًا
_________________
(١) لم أقف عليها، وينظر: رؤوس المسائل للهاشمي (١/ ١٧٤)، ونص الرواية موجودة في الانتصار (٢/ ٤٢٠)، ولم يعزها للمروذي، وينظر: المستوعب (٢/ ٣٤٦)، والقواعد لابن اللحام (١/ ٢٩٨).
(٢) لم أقف عليها، وينظر: المغني (٢/ ٥٠٤)، والإنصاف (٤/ ٣٩٢).
(٣) ينظر: الفروع (٣/ ٢٧)، والمبدع (٢/ ٧٥)، والإنصاف (٤/ ٣٩٤).
[ ١ / ٤٧٣ ]
أنهم لا يعيدون، سواء علموا بذلك في الصلاة، أو خارجًا منها، فقال: في إمام صلى بقوم، فلما دخل في الصلاة، أو صلى بعضها، شك أنه متوضئ أم (^١): لم يجزئه، حتى يستيقن أنه كان على وضوء، ولا تفسد صلاتهم، إن شاؤوا قدّموا، وإن شاؤوا صلَّوا فرادى (^٢).
فقد نص على أن علمهم بفساد صلاته في أثناء الصلاة لا يوجب عليهم الإعادة.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: يعيد ويعيدون بكل حال (^٣).
وقال مالك - ﵀ -: إن كان عامدًا، يعيد ويعيدون، وإن لم يعلموا بذلك، وإن كان ناسيًا، أعاد ولم يعيدوا (^٤).
وقال الشافعي - ﵀ -: يعيد ولا يعيدون، عالمًا كان أو ناسيًا (^٥)، وهو قول داود (^٦).
فالدلالة على أنهم لا يعيدون إذا لم يكن عالمًا بحدثه، وعلموا بذلك بعد الفراغ من أفعال الصلاة، خلافًا لأبي حنيفة - ﵀ -: ما روى
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل: (أم) زائدة.
(٢) ينظر: الفروع (٣/ ٢٦)، وجعلها من رواية بكر بن محمد نفسه، وكذلك المرداوي في الإنصاف (٤/ ٣٩٣).
(٣) ينظر: مختصر القدوري ص ٨٠، والهداية (١/ ٥٩).
(٤) ينظر: المدونة (١/ ٣٣)، والإشراف (١/ ٢٧٩).
(٥) ينظر: الأم (٢/ ٣٢٩)، والمجموع (٤/ ١٠٨).
(٦) ينظر: المحلى (٤/ ١٣٨ و١٣٩).
[ ١ / ٤٧٤ ]
أبو الحسن الدارقطني (^١) عن جويبر (^٢) عن الضحاك (^٣)، عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - بقوم، وليس هو على وضوء، فتمت للقوم، وأعاد النبي - ﷺ - (^٤).
وقوله: صلى، يقتضي جميعَ الصلاة.
وروى أبو الحسن بإسناده (^٥) عن إسحاق بن راهويه عن بقية: نا عيسى بن عبد الله الأنصاري (^٦) عن جويبر عن الضحاك، عن البراء بن عازب، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا صلى الإمام بالقوم وهو جنب، فقد مضت صلاتهم، ثم ليغتسلْ هو، ثم ليُعِدْ صلاته، فإن صلى بغير وضوء، فمثل
_________________
(١) في سننه، باب: صلاة الإمام وهو جنب أو محدث، رقم (١٣٦٦).
(٢) ابن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، قال ابن حجر: (ضعيف جدًا)، توفي بعد ١٤٠ هـ. ينظر: التقريب ص ١٢٢.
(٣) ابن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخرساني، قال ابن حجر: (صدوق كثير الإرسال)، توفي بعد المئة. ينظر: التقريب ص ٢٨٦.
(٤) أخرجه البيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: إمامة الجنب رقم (٤٠٧٦)، وقال: (هذا غير قوي)، وضعفه في معرفة السنن والآثار (٣/ ٣٥٠).
(٥) الدارقطني في سننه، باب: صلاة الإمام وهو جنب أو محدث، رقم (١٣٦٨)، وضعّفه ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٤١)، وقال ابن الجوزي في التحقيق (٤/ ٦٥) عن هذين الحديثين: (هذان حديثان لا يصحان؛ بقية مدلس، وعيسى ضعيف، وجويبر متروك، والضحاك لم يلق البراء).
(٦) ابن أُنيس المدني، قال ابن حجر: (مقبول). ينظر: التقريب ص ٤٨٦.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ذلك"، وظاهر هذه الأخبار يدل على الفراغ من الصلاة، ثم لم يأمر المأمومين بالإعادة، فدل على أن الإعادة غير واجبة.
واعتمد أحمد - ﵀ - في المسألة على إجماع الصحابة - ﵃ -، فروى أحمد في مسائل عبد الله (^١) قال: نا وكيع (^٢) قال: نا الأعمش (^٣) عن إبراهيم (^٤): أن عمر - ﵁ -: صلى بالناس وهو جنب، وأعاد ولم يعيدوا (^٥).
_________________
(١) رقم (٥١٤)، ولم يذكر السند فيها. وينظر: العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (٣/ ٥٧).
(٢) ابن الجراح بن مليح الرُّؤاسي، أبو سفيان الكوفي، قال ابن حجر: (ثقة حافظ عابد)، له: كتاب الزهد، توفي سنة ١٩٧ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٥٠.
(٣) هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، الأعمش، قال ابن حجر: (ثقة حافظ، عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس)، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٢٥٣.
(٤) النخعي، مضت ترجمته.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٦٠٤)، وهو مرسل، وأخرجه عبد الرزاق من طريق أخرى في مصنفه رقم (٣٦٥٦)، والدارقطني في سننه، باب: صلاة الإمام وهو جنب، رقم (١٣٧١)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: إمامة الجنب، رقم (٤٠٧٣)، وصحح الأثر: المجدُ في المنتقى في باب: من اقتدى بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ص ٢٧٥، وعلّق أبو الطيب آبادي على سند الدارقطني بقوله: (رواة هذا الحديث كلهم ثقات). ينظر: التعليق المغني (٢/ ١٨٧).
[ ١ / ٤٧٦ ]
وروى أحمد - ﵀ - (^١) قال: نا هشيم (^٢) عن خالد بن سلمة المخزومي (^٣) عن محمد بن عمرو بن الحارث (^٤)، عن عثمان - ﵁ - قال: يعيد ولا يعيدون إذا صلى بهم وهو جنب (^٥).
وروى عبد الله بن أحمد (^٦) قال: حدثني أبو معمر (^٧) قال: حدثني
_________________
(١) في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١١٠).
(٢) ابن بشير بن القاسم بن دينار السُّلمي، أبو معاوية الواسطي، قال ابن حجر: (ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي)، توفي سنة ١٨٣ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٤٢.
(٣) ابن العاص بن هشام بن المغيرة، الكوفي، المعروف بالفأفاء، قال ابن حجر: (صدوق، رمي بالإرجاء والنصب)، قتل سنة ١٣٢ هـ. ينظر: التقريب ص ١٧٤.
(٤) ابن المصطلق الخزاعي، الأزدي، روى عن عثمان - ﵁ -، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عنه. ينظر: الجرح والتعديل (٨/ ٢٩).
(٥) أخرجه الدارقطني في سننه، باب: صلاة الإمام وهو جنب، رقم (١٣٧٢)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: إمامة الجنب رقم (٤٠٧٤)، وصحح الأثر: المجدُ في المنتقى في باب: من اقتدى بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم، ص ٢٧٥.
(٦) لم أقف عليه من طريق عبد الله، وأصل المسألة موجود في مسائله رقم (٥١٦)، وإسناد الأثر عن علي - ﵁ - موجود في مسائل صالح رقم (٩٨٧).
(٧) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهُذَلي، أبو معمر القطيعي، قال ابن حجر: (ثقة مأمون)، توفي سنة ٢٣٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٧٧.
[ ١ / ٤٧٧ ]
يزيد (^١) بن هارون (^٢) عن الحجاج (^٣)، عن أبي إسحاق (^٤)، عن الحارث (^٥)، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - في الرجل يصلي بالقوم وهو على غير وضوء؟ يعيد ولا يعيدون (^٦).
وروى أحمد (^٧)
_________________
(١) في الأصل: بريدة، وهو خطأ، فإن الذي يروي عن الحجاج هو: يزيد بن هارون. ينظر: تهذيب الكمال (٥/ ٥٢٣)، ولم أقف على رجل يسمى بـ (بريدة بن هارون).
(٢) هو يزيد بن هارون بن زادان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، قال ابن حجر: (ثقة متقن عابد)، توفي سنة ٢٠٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٧٨.
(٣) ابن أرطاة بن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطاة الكوفي، قال ابن حجر: (أحد الفقهاء، صدوق، كثير الخطأ والتدليس)، توفي سنة ١٤٥ هـ. ينظر: التقريب ص ١٣٢.
(٤) هو: أبو إسحاق السبيعي. مضت ترجمته.
(٥) ابن عبد الله الأعور الهمْداني، الحُوتي، أبو زهير الكوفي، قال ابن حجر: (كذّبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف)، توفي في إمرة ابن الزبير. ينظر: التقريب ص ١٢٥.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٤٦٠٥ و٤٦٠٩)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٨٢) عن أبي بكر الأثرم عن ابن أبي شيبة بسنده، وهو أثر ضعيف؛ لضعف ابن أرطاة، والحارث. وينظر: التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل ص ٢٥.
(٧) لم أقف على رواية الإمام أحمد - ﵀ -، غير أنه أشار إليه في مسائله صالح رقم (٩٨٧).
[ ١ / ٤٧٨ ]
قال نا عبد الرحمن بن مهدي (^١) قال: نا سفيان (^٢) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ - في رجل صلى بقوم وهو على غير وضوء؟ قال: يعيد ولا يعيدون (^٣).
وروى عبد الله: حدثني أبو معمر عن هشيم، عن جابر، عن الشعبي (^٤)، والقاسم (^٥)، وسالم (^٦)،
_________________
(١) ابن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، قال ابن حجر: (ثقة ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث)، توفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٣٧٩.
(٢) الثوري، مضت ترجمته.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه، باب: صلاة الإمام وهو جنب، رقم (١٣٧٣)، قال أبو الطيب آبادي في التعليق على المغني (٢/ ١٨٨): (سنده صحيح جدًا).
(٤) روى عبد الرزاق في المصنف رقم (٣٦٥٧): أنه قال: (يعيد ويعيدون). وينظر: الأوسط (٤/ ٢١٤). والشعبي هو: عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، قال ابن حجر: (ثقة مشهور فقيه فاضل)، توفي بعد المئة. ينظر: التقريب ص ٢٩٧.
(٥) ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، قال ابن حجر: (ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة)، توفي سنة ١٠٦ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٠٢.
(٦) هو ابن عبد الله بن عمر - ﵄ -، وهو راوي الأثر السالف عن أبيه، وروى عبد الرزاق في مصنفه رقم (٣٦٥٠) عن سالم: أن ابن عمر صلّى بأصحابه صلاة العصر وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وأبي جعفر (^١) - ﵃ - قالوا: يعيد ولا يعيدون.
وروى أحمد عن هشيم، عن مغيرة (^٢)، عن إبراهيم (^٣) ويونس (^٤) عن الحسن (^٥). والشيباني (^٦) عن سعيد بن جبير (^٧).
وجابر (^٨)
_________________
(١) هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي - ﵃ -، ثقة فاضل، توفي سنة ١١٨ هـ. ينظر: التقريب ص ٥٥٤.
(٢) ابن مقسم الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي، الأعمى، قال ابن حجر: (ثقة متقن، إلا أنه يدلس، ولا سيما عن إبراهيم)، توفي سنة ١٣٦ هـ.
(٣) هو: النخعي، وأخرج قوله عبد الرزاق في المصنف رقم (٣٦٥١)، وابن أبي شيبة (٤٦٠٨).
(٤) ابن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ١٣٩ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٨٧.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (٣٦٥٢)، وابن أبي شيبة رقم (٤٦٠٦).
(٦) هو: ضِرار بن مرة الكوفي، أبو سنان الشيباني الأكبر، قال ابن حجر: (ثقة ثبت)، توفي سنة ١٣٢ هـ. ينظر: التقريب ص ٢٨٧.
(٧) رواه عبد الرزاق في المصنف رقم (٤٦١١)، وابن أبي شيبة رقم (٣٦٥٥). وسعيد هو: ابن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، قال ابن حجر: (ثقة ثبت فقيه)، قُتِل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ هـ. ينظر: التقريب ص ٢٢٣.
(٨) جابر هذا إما أن يكون: ابن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد الله الكوفي، قال ابن حجر: (ضعيف رافضي)، توفي سنة ١٢٧ هـ، أو ابن يزيد بهن رفاعة العجلي الموصلي، أصله من الكوفة، قال ابن حجر: (صدوق). =
[ ١ / ٤٨٠ ]
عن أبي جعفر (^١)، وسالم (^٢)، وعد أربعة، قال: يعيد ولا يعيدون، يعني: في الجنب يصلي بالقوم.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان: أكان بالكوفة أحد يقول: يعيد ويعيدون؟ قال: لا، إلا حمادًا (^٣)، قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: إنما كان حماد يقول: يعيد، ويعيدون اختيارًا أو استحبابًا؛ لأنه روى إبراهيم الصائغ (^٤) عن حماد: أنه كان يقول: إذا كان يعرف القوم، وذهب الوقت، أعاد الإمام،
_________________
(١) = ينظر: التقريب ص ١١٣.
(٢) لم أقف على قوله، لكنه هو راوي الأثر عن علي - ﵁ - في صلاته بالناس على غير وضوء، أو وهو جنب، فأعاد، وأمرهم أن يعيدوا. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٣٦٦٣)، وضعّف ما ورد في هذا المسألة عن علي - ﵁ -: ابنُ المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٤).
(٣) ينظر: ما مضى في الصفحة الماضية، ومعرفة السنن للبيهقي (٣/ ٣٤٩).
(٤) ينظر: الدارقطني في سننه، باب: صلاة الإمام وهو جنب، رقم (١٣٧٤)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: إمامة الجنب رقم (٤٠٨٢)، وقول حماد أخرجه عبد الرزاق رقم (٣٦٥٩). وحماد هو: ابن أبي سليمان: مسلم الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي، قال ابن حجر: (فقيه صدوق له أوهام)، توفي سنة ١٢٠ هـ. ينظر: التقريب ص ١٦٤.
(٥) هو: إبراهيم بن ميمون الصائغ المروزي، قال ابن حجر: (صدوق)، قتل سنة ١٣١ هـ. ينظر: التقريب ص ٦٥.
[ ١ / ٤٨١ ]
ولم يعد أصحابه (^١). وهذا يدل على حصول الإجماع منهم على ذلك قبل أبي حنيفة - ﵀ -.
فإن قيل: نحمل ما رويتموه على أن القوم تفرقوا، ولم يعرفهم عمر.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه معلوم أن أكثر من صلى خلفه الصحابة، وهم معه في البلد، وعلى أن الذي روينا عن عثمان، وعلي، وابن عمر - ﵃ - قولًا مبتدأً: أنهم قالوا: يعيد ولا يعيدون.
والقياس: أنه علم بحدث الإمام بعد فراغه من أفعال الصلاة، فلم يلزمه الإعادة، دليله: لو سبق الإمام الحدث، فلم يعلم به المأموم حتى فرغ من الصلاة، فإنه لا يعيد، كذلك ها هنا.
فإن قيل: المعنى هناك: أن صلاة الإمام لم تبطل، بل يتوضأ، ويبني عليها، فلهذا لم يعد المأموم.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن الرواية في الحدث إذا سبقه في الصلاة هل يبني أو يبتدئ؟ والصحيح: أنه يبتدئ، وقد تقدم الكلام في ذلك، وحكينا كلام أحمد - ﵀ -، واختلاف الفقهاء فيه، وقد نص أيضًا في الإمام إذا سبقه الحدث، فروى عبد الله (^٢)، وصالح (^٣)،
_________________
(١) لم أقف على كلام ابن نصر، لكن يدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٤٦١٠): أن حمادًا قال: (أحبُّ إليّ أن يعيدوا)، وينظر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢١٤).
(٢) في مسائله رقم (٥٢١ و٥٢٢).
(٣) في مسائله رقم (١٢٧٩).
[ ١ / ٤٨٢ ]
ومهنا (^١): جوازَ الاستخلاف، وهذا يدل على أن صلاته لم تبطل.
قال أبو بكر (^٢): ثم رجع عنه (^٣)، وأنبأ عن نفسه: أنه يخرج فيبتدئ الصلاة، ويبتدئون الصلاة، قال (٢): وبه أقول (^٤).
نص عليه في رواية أحمد بن سعيد (^٥)، وبكر بن محمد، فقال: إذا أحدث قبل أن يخرج من صلاته، يخرج فيتوضأ، ويستقبلون الصلاة، ولا يستخلف، ليس هو في صلاة (^٦).
فإن قيل: فإذا قلت: إن حدَثَ الإمام يُبطل صلاته وصلاة المأمومين، فلا معنى لقولك: علم بحدثه بعد الفراغ، وعندك: أنه تبطل صلاتهم
_________________
(١) ينظر: الروايتين (١/ ١٤١)، وقواعد ابن رجب (٣/ ١٨٤).
(٢) هو: غلام الخلال.
(٣) يعني: الإمام أحمد - ﵀ -.
(٤) ينظر: المغني (٢/ ٥٠٧)، ومختصر ابن تميم (٢/ ٢٧٣)، والنكت على المحرر (١/ ١٧٣).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ١٤١)، والمغني (٢/ ٥٠٧). وأحمد بن سعيد إما أن يكون: ابن إبراهيم، أبو عبد الله الرباطي، روى عنه البخاري ومسلم، توفي سنة ٢٤٣ هـ، أو أحمد بن سعيد، أبو جعفر الدارمي، كثير النقل، والرواية عن الإمام أحمد - ﵀ -، توفي سنة ٢٥٣ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٠١ و١٠٣)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٦٧٤.
(٦) لم أقف على رواية بكر، وينظر - مع ما مضى -: الانتصار (٢/ ٣٠٨)، والمستوعب (٢/ ٣٠٤).
[ ١ / ٤٨٣ ]
قبل الفراغ وبعده.
قيل له: لا نقول هذا، بل نقول فيه ما نقوله في مسألتنا، وهو: إن عملوا بسبق حدثه في الصلاة، أعاد وأعادوا، وإن علموا بذلك بعد خروجه من أفعال الصلاة، لم يعيدوا؛ ولأنه لو اقتدى بإمام اجتهد فأخطأ القبلة، وهو لا يعلم، فلما فرغ من صلاته علم، فإنه لا إعادة عليه، كذا إذا اقتدى بمحدث وهو لا يعلم، ثم علم بعد ذلك.
فإن قيل: ذلك المعنى هو في المأموم لا في الإمام، وهو ترك التوجه إلى القبلة، ألا ترى أنه لو لم يقتد بالإمام، وافتتح الصلاة منفردًا إلى تلك الجهة، لم يصح؟ وفي مسألتنا المانعُ معنًى في الإمام.
قيل: هما سواء في العلم بعد الفراغ في الصحة.
فإن قيل: هناك صلاة الإمام لم تبطل، وها هنا صلاة الإمام باطلة.
قيل: هما سواء في منع الاقتداء مع العلم.
واحتج المخالف: بأنه اقتداء بمن لم تنعقد صلاته، فوجب أن يلزمه الإعادة، كما لو كان عالمًا بحاله، أو كان الإمام عالمًا بحال نفسه، والمأموم لا يعلم.
والجواب: أنه يبطل بالمسبوق إذا استخلف، فأحدث في الركعة الآخرة عامدًا بعد فراغ المأموم من صلاته، فإن صلاته لا تبطل، وإن لم تنعقد صلاة الإمام، ثم المعنى فيه إذا كان عالمًا بحدث الإمام، أو بحدث نفسه، أنه يقتدي بمن عنده: أنه ليس في صلاة، فهو مفرط، ألا ترى أنه
[ ١ / ٤٨٤ ]
لو كان متطهرًا، فاعتقد أنه محدث، وائتم به، لم تصح صلاته؟ وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يعتقد أن إمامه في الصلاة، فهو غير مفرط.
واحتج: بأنه منع في الإمام صحة الاقتداء به في حال العلم به، فوجب أن يمنع صحته في حال الجهل؛ قياسًا على كفر الإمام، وعلى الأنوثية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يمنع صحة الاقتداء مع العلم، ولا يمنع حال الجهل؛ كمن اقتدى بإمام اجتهد فأخطأ القبلة وهو يعلم، لم تصح صلاته، ولو لم يعلم حتى فرغ، صحت صلاته، وعلى أنَّا قد بيَّنا الفرق بين العلم بحاله وبين عدمه، وأما الكفر والأنوثية، فإلحاقُ مسألتنا بإمام اجتهد فأخطأ أشبهُ من إلحاقه بالكافر والمرأة اللذين ليسا من أهل الإمامة في الجملة.
واحتج: بأنه حدث يمنع صحة الاقتداء مع العلم، فمنع مع الجهل، دليله: حدث نفسه.
والجواب: أنَّا قد بيَّنا الفرق بين العلم بالحدث، وبين الجهل به، وأما حدث نفسه، فهو منسوب فيه إلى التفريط في حدث الإمام؛ لأنه ما كلف معرفة طهارته قبل دخوله في الصلاة معه.
واحتج: بأنه اقتداء بمحدِث، فلم تصح صلاته؛ كما لو علم بحدثه في الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالمسبوق إذا استخلف، فأحدث في الركعة
[ ١ / ٤٨٥ ]
الآخرة عامدًا بعد فراغ المأموم: لا تبطل، وإن كان إمامه محدثًا، وعلى أن العلم بحدثه في الصلاة يخالف العلم خارج الصلاة؛ بدليل: أنه لو اقتدى بإمام اجتهد وأخطأ القبلة وهو لا يعلم حتى فرغ، صحت صلاته، ولو علم قبل الفراغ، نوى مفارقته، ولم يجز له تمام الصلاة معه، فبان الفرق بين العلم بعد الفراغ: أنه يعتد بجميعها معه، وقبل الفراغ لا يعتد بجميعها، وإنما افترقا من وجه، وهو إذا علم بخطئه في الصلاة، ينوي مفارقته، وإذا علم بحدثه، بطلت صلاته؛ لأن العلم بخطئه لا تبطل صلاة الإمام، فلم تبطل صلاته، وحدثُه يبطل صلاة الإمام، فجاز أن يُبطل صلاته، وليس إذا أَثَّر في حال العلم في الصلاة يجب أن يؤثِّر بعد الفراغ، كما أن علمه بخطأ إمامه أَثَّر في الاقتداء قبل الفراغ، ولم يؤثر بعد الفراغ؛ ولأن ما بعد الفراغ من الصلاة لا يُبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم، وهو إذا صلى بمسبوق، وسلّم، ثم أفسدوا صلاتهم، لم تبطل جماعته، كذلك لا تبطل صلاتهم ببطلان صلاة الإمام، ليس كذلك في أثناء الصلاة؛ لأنه تبطل صلاته ببطلان صلاتهم، وهو إذا نقص العدد في الجمعة، بطلت صلاته، وفي الجماعة تبطل جماعته، ويصير منفردًا، ولأنهم قد قالوا: إذا صلى الأمي والقارئ، بطلت صلاة الجميع؛ لأنهم كانوا قادرين أن يأتوا بالصلاة بقراءة، قال الرازي (^١): إن لم يعلموا أن
_________________
(١) لم أقف على قوله، وسيأتي كلام الحنفية في هذه المسألة. والرازي هو: أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الجصاص الحنفي، له مصنفات كثيرة، منها: أحكام القرآن، وشرح مختصر الطحاوي، وغيرهما، =
[ ١ / ٤٨٦ ]
فيهم قارئًا حتى فرغوا من الصلاة: أن صلاة الأمي صحيحة، وإن علموا في الصلاة، لم تصح صلاتهم.
واحتج: بأن صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام، تفسد بفسادها؛ بدليل: ما روي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "الإمام ضامن" (^١)، فلو كان مصليًا لنفسه، ولم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام، ما كان ضامنًا، وقول النبي - ﷺ -: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (^٢)، فلو كان كل واحد مصليًا لنفسه (^٣)؛ ولأنه لو كان
_________________
(١) = قال الخطيب البغدادي عنه: (أبو بكر الرازي الفقيه، إمام أصحاب الرأي في وقته)، توفي سنة ٣٧٠ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (٤/ ٣١٤). وقد أكثر المؤلف من ذكره في كتابه "العدة في أصول الفقه" في مواضع متفرقة؛ كما في (١/ ٢٩٤، ٢/ ٣٤٩ و٣٦٠ و٣٨٥ و٥٤٤ و٥٩١، ٣/ ٧٥٦ و٩٦٩) وغيرها.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت، رقم (٥١٧)، والترمذي في كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، رقم (٢٠٧)، وقد أشار الترمذي للاختلاف الذي فيه والاضطراب، ونَقَل عن علي المديني: أنه لم يثبت عن رسول الله - ﷺ -، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: إقامة الصلوات، باب: ما يجب على الإمام، رقم (٩٨١)، قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٤٨٧ و٤/ ١٨١): (وفي إسناد الحديث اختلاف كثير)، وينظر: علل الدارقطني (١٠/ ١٩١).
(٣) مضى تخريجه (١/ ٤٦٩).
(٤) في الأصل بياض بمقدار خمس كلمات، وقد جاء في الانتصار (٢/ ٤٢٤) =
[ ١ / ٤٨٧ ]
مصليًا لنفسه، لم يلحق المأمومَ سهوُ إمامه.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يتبعه في الفساد في حال، ولا يتبعه في حال؛ كما لو ائتم بمسبوق، فأحدث فيما أدركه معه عامدًا، بطلت صلاته، ولو أحدث فيما يقضيه، فقد فسدت صلاته، وكان المأموم مؤتمًا به.