نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي النضر (^٣): إذا أحدث، فقدَّم رجلًا فاتته معه ركعة، صلَّى بالقوم ثلاثًا هي رابعةُ القوم، فإذا تشهد، قدَّم رجلًا من القوم - يعني: ممن أدرك أول الصلاة - يسلِّم بهم (^٤)، فقد نص على جواز الاستخلاف في الحدث لمسبوقٍ لم يدرك معه أول الصلاة، وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم عنه (^٥): إذا أحدث وهو في الصلاة؟ يستخلف، فإن استخلف رجلًا قد فاتته ركعة، فأراد أن يسلِّم،
_________________
(١) في الأصل: المأموم بحدثه، وعليها حرف (ط) إشارة للسقط. وفي رؤوس المسائل لأبي يعلى لوح ١٤ ما نصه: (إذا سبق الإمام الحدث، وقلنا: إن صلاة المأموم لا تبطل بحدثه، جاز له أن يستخلف غيره)، وينظر: رؤوس المسائل للعكبري (١/ ٢٥٠).
(٢) في الأصل: غير.
(٣) هو: إسماعيل بن عبد الله بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي الرِّجال، أبو النضر العجلي، مروزي الأصل، روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، توفي سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٦)، والمقصد الأرشد (١/ ٢٦٣).
(٤) لم أجد رواية أبي النضر، وهي بنصها رواية ابن هانئ في مسائله رقم (٢٢٨) وستأتي، وينظر: مسائل الكوسج رقم (٣٤٥)، والإنصاف (٣/ ٣٨٥).
(٥) في مسائله رقم (٢٢٨ و٢٢٩).
[ ١ / ٤٩٨ ]
يقدم رجلًا يسلِّم بهم، قيل له: فالرجل يرعف في الصلاة؟ قال: يستأنف أحبُّ إليَّ.
فقد نص على جواز الاستخلاف، مع الحكم ببطلان صلاته في حقه.
وكذلك نقل عبد الله عنه (^١): إذا أحدث، فقدَّم رجلًا يصلِّي بهم من حيث انتهى الإمام، فقد استخلف عمر (^٢)، وعلي - ﵄ - (^٣)، وإن لم يستخلف كما فعل النبي - ﷺ -، فلا بأس (^٤)، وإن صلَّوا وحدانًا، فقد طُعن معاوية - ﵁ -، وصلى الناس وحدانًا من حيث طعن أتموا لأنفسهم (^٥).
فقد نص على جواز الاستخلاف من جهة الإمام، ومن جهة أنفسهم، وأجاز ترك الاستخلاف، وأن يتموا صلاتهم منفردين.
_________________
(١) في مسائله رقم (٥٢١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة البيعة، رقم (٣٧٠٠) بلفظ: (وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدَّمه).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٣٦٧٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٤٢)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بإمامين أحدُهما بعد الآخر رقم (٥٢٥٨)، واحتج بأثر علي - ﵁ - الإمامُ أحمد؛ كما في مسائل عبد الله رقم (٥٢٢)، ومسائل صالح رقم (١٢٧٩).
(٤) مضى في (١/ ٤٩١).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٣٦٨٧) مرسلًا، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الإمام يخرج ولا يستخلف، رقم (٥٢٥٩)، واحتج به الإمام أحمد؛ كما في مسائل عبد الله.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وكذلك نقل صالح (^١)، وابن منصور (^٢): في رجل أَمَّ قومًا، فضحك في آخر صلاته بعد ما تشهد: يستقبل صلاتَه، ومَنْ خلفه يسلمون، تمت صلاتهم، أو يقدمون رجلًا، فيسلِّم بهم. فقد أجاز الاستخلاف، ها هنا مع الحكم ببطلان صلاته في حقه بالضحك، وأجاز ترك الاستخلاف وأن يتموا منفردين، فقد ثبت بما روينا عنه جواز الاستخلاف.
وفيه رواية أخرى: لا يجوز (^٣)، قال في رواية حنبل (^٤): إذا أحدث الإمام يوم الجمعة بعد ما يخطب، يقدِّم رجلًا يصلي بهم لم يصلِّ هذا المقدم إلا أربعًا، فإن أعاد الخطبة، صلى ركعتين. وهذا يدل على منع الاستخلاف؛ لأنه قد نص على أن الجمعة قصرت لأجل الخطبة، وأنها قائمة مقامها، وقد منع من الاستخلاف فيها.
وقال أيضًا في رواية أحمد بن سعيد (^٥): في إمام صلى بقوم، ثم أحدث قبل أن يخرج من صلاته؟ يخرج فيتوضأ، ويستقبلون هم الصلاة، ولا يستخلف، كيف يستخلف من ليس هو في صلاة؟ إذا أمرته أن يستقبل،
_________________
(١) لم أجدها بهذا اللفظ في مسائله، ولكنه المفهوم مما في مسائله رقم (٩٢٤ و١٣٢٢)، وينظر: الروايتين (١/ ١٤١)، والنكت على المحرر (١/ ١٧٢).
(٢) في مسائله رقم (٣٤٧).
(٣) ينظر: مختصر ابن تميم (٢/ ٢٧٣)، والإنصاف (٣/ ٣٨٤).
(٤) ينظر: الروايتين (١/ ١٨٤)، والمغني (٣/ ١٧٨).
(٥) ينظر: الروايتين (١/ ١٤١).
[ ١ / ٥٠٠ ]
أمرتهم أن يستقبلوا، فقيل له: روي عن عمر، وعلي - ﵄ -، فقال: لا يعجبني؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستخلف (^١)، فقيل له: ذكروا أنك ترى الاستخلاف، فتبسم، وقال: كنت أراه، وجنبت عنه.
وهذه الرواية لا تدل على أنه لا يرى الاستخلاف إذا حكم بصحة صلاة المأموم، وإنما منع في المواضع الذي حكم ببطلان صلاتهم بحدث الإمام، فلا يصح الاستخلاف في تلك الحال، والرواية قد اختلفت عنه في حدث الإمام هل تبطل صلاة نفسه، أم لا؟ على روايات ثلاث (^٢)، وإذا حكمنا ببطلان صلاته، فهل تبطل صلاة المأمومين؟ على روايتين، فمنع من الاستخلاف على الرواية التي حكم ببطلان صلاتهم، قال: إذا قلنا: إن صلاة المأمومين صحيحة، فالذي نص عليه في رواية أبي [النضر] (^٣)، وعبد الله (^٤)، وصالح (٥)، وابن منصور (^٥): جوازه.
وبه قال أبو حنيفة - ﵀ - (^٦)، والذي نقل حنبل في الخطبة
_________________
(١) مضى في (١/ ٤٩١).
(٢) الأولى: تبطل مطلقًا، والثانية: يبني على صلاته ما لم يكن الحدث باختياره، الثالثة: يقطع الصلاة ما خرج من الدبر أو القبل دون غيره. ينظر: الروايتين (١/ ١٣٩)، وشرح الزركشي (٣/ ٢١٧).
(٣) في الأصل طمس، لكن تقدم الرواية في (١/ ٤٩٩)، وهي تدل على المثبت.
(٤) مضت في (١/ ٤٩٩)، وينظر: الروايتين (١/ ١٤١).
(٥) مضت في (١/ ٥٠٠).
(٦) ينظر: مختصر الطحاوي ص ٣٢، ومختصر القدوري ص ٨٢. =
[ ١ / ٥٠١ ]
يقتضي المنع (^١). وللشافعي - ﵀ - قولان، قال به في الجديد: يجوز، وفي القديم: لا يجوز (^٢). دليلنا: ما روي: أن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر - ﵁ - في مرضه أن يصلي بالناس، فافتتح بهم الصلاة، ثم وجد النبي - ﷺ - خفة، فخرج إلى المسجد وهو يُهادى بين اثنين، وتقدم وقعد بجنب أبي بكر - ﵁ -، وصلى بالناس (^٣)، فصار أبو بكر - ﵁ - مأمومًا بعد ما كان إمامًا، فدل هذا على جواز الصلاة بإمامين، وهذه قضية مشهورة، يأتي شرحها على الاستيفاء فيما بعد - إن شاء الله تعالى -.
فإن قيل: فإن أبا بكر - ﵁ - صار مأمومًا، والنبي - ﷺ - إمامًا، فما الدليل على ذلك؟ قيل له: روي في الخبر: أن النبي - ﷺ - قعد عن يسار أبي بكر، فلو كان النبي - ﷺ - مأمومًا، لوجب أن يجلس عن يمينه، ألا ترى أن ابن عباس - ﵄ - لما قام عن يسار النبي - ﷺ -، أداره إلى يمينه (^٤)؟
_________________
(١) = وإلى الاستخلاف ذهبت المالكية. ينظر: المدونة (١/ ١٤٥)، والمعونة (١/ ٢١٣).
(٢) ينظر: (١/ ٥٠٠).
(٣) ينظر: الأم (٢/ ٣٥١)، والأوسط (٤/ ٢٤٢)، والبيان (٢/ ٦١١).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: من قام إلى جنب الإمام لعلة، رقم (٦٨٣)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، رقم (٤١٨).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء، رقم (٦٩٧)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (٧٦٣).
[ ١ / ٥٠٢ ]
ويدل عليه أيضًا: ما روي: أن النبي - ﷺ - لما خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم؛ فقدموا أبا بكر يصلي بهم العصر، ثم جاء النبي - ﷺ - فوقف في الصف، فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي - ﷺ -، وصلى بالقوم بقية الصلاة (^١).
فإن قيل: كان النبي - ﷺ - مخصوصًا بذلك.
قيل له: كونه مخصوصًا بذلك حكمٌ من الأحكام يحتاج إلى دليل، وأيضًا: فإن صلاة الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم، ثم لا خلاف أن حكمها لا يتغير بتغير المأموم، وهو أن يحدث، ويجيء مأموم آخر، كذلك يجب أن لا يتغير حكمها بتغير الإمام.
واحتج المخالف: بما روي: أن النبي - ﷺ - افتتح بالناس صلاة الفجر، ثم ذكر أنه جنب، فاغتسل، ولم يستخلف (^٢)، فلو جاز، لفعل ذلك؛ لأن ذلك أولى من تأخير الصلاة، والانتظار فيها لغير عذر، وبهذا احتج أحمد - ﵀ - في بطلان الاستخلاف.
والجواب: أن النبي - ﷺ - لم يكن قد دخل في الصلاة، وكذلك القوم، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وخلافنا: في إمام دخل في الصلاة، وافتتح القوم خلفه، ثم سبقه الحدث.
فإن قيل: روي عن علي - ﵁ -: أنه خرج من صلاته، وقال: مسست
_________________
(١) مضى تخريجه في (١/ ١١٤).
(٢) مضى في (١/ ٤٩٠، ٤٩١).
[ ١ / ٥٠٣ ]
فرجي، ولم يستخلف (^١).
قيل له: قد روى أحمد - ﵀ - عن عمر وعلي - ﵄ - الاستخلافَ (^٢)، وعلى أنا نجوِّز الاستخلاف، ولا نوجبه، وليس في هذه الأخبار دلالة على نفي جوازه.
واحتج: بأنه إمام استخلف على مأمومه، فوجب أن لا يصح، أصله: إذا أدرك المأموم الإمام في الركعة الأخيرة، فسلم الإمام: أنه ليس له أن يستخلف عليهم من يتم به الصلاة.
والجواب: أن الثاني يقوم مقام الأول، والأول ليس له أن يُتَمّم بالمسبوق صلاته، كذلك لا يجوز له أن يقيم غيره مقامه.
واحتج: بأنه مأموم اقتدى في صلاة واحدة بإمامين، فوجب أن لا يصح، دليله: المسبوق إذا صلى مع الإمام الركعة الآخرة، وسلم الإمام: أنه لا يجوز أن يقتدي بإمام آخر في بقية صلاته.
_________________
(١) لم أجده، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه رقم (٤١٦)، والبيهقي في الكبرى، في كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر، رقم (٦٣٢) عن ابن أبي مليكة: أن عمر - ﵁ - بينا هو يؤم الناس، إذ زلت يده على ذكره، فأشار إلى الناس أن امكثوا، ثم خرج فتوضأ، ثم رجع فأتم بهم ما بقي من الصلاة. وينظر: معرفة السنن (١/ ٣٩٢)، وفي سند عبد الرزاق من لم يسمّ، ورواية ابن مليكة عن عمر مرسلة، كما قاله أبو زرعة - ﵀ -. ينظر: مراسيل ابن أبي حاتم ص ١١٣.
(٢) مضى في (١/ ٤٩٩).
[ ١ / ٥٠٤ ]
والجواب: أنه إنما لم يجز؛ لأن تحريمته اقتضت كونه منفردًا فيما يقضيه، فإذا اقتدى بغيره، بطلت صلاته؛ كالمنفرد إذا اقتدى بغيره، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن تحريمة القوم لم تقتض كونهم منفردين في بعض صلاتهم، فإذا سبق إمامهم الحدث، جاز أن يقدموا غيره، ويقتدوا به في بقية صلاتهم، ولأن صلاة الإمام قد كملت هناك، فلهذا لم يجز الاستخلاف؛ كالمسبوق في صلاة الجمعة لا يجوز الاستخلاف عليهم؛ لأن صلاة الإمام قد كملت، وليس كذلك إذا أحدث؛ لأن صلاتهم لم تكمل، على أن الحكم في المأموم إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة، فسلَّم، هل يستخلف عليهم مَنْ يتم بهم الصلاة، أو يستخلف المأموم من يتم به؟ وفي المسافر إذا صلى بمقيمين، فسلَّم من ركعتين، هل يستخلف واحدًا منهم ليقتدوا به بعد فراغه من الصلاة، أو أرادوا أن يقدموا واحدًا منهم؟ ولا يجوز، نص عليه في رواية صالح (^١): في مسافر صلى بمقيمين: يتم المقيمون أربعًا، قيل له: فيتقدم رجل منهم فيصلي؟ قال: لا، يتمون وحدانًا.
والوجوب فيه ما تقدم، وفرق آخر: وهو أن هذه الصلاة قد أقيمت بكمالها في جماعة، ومن أدرك معه بعضها، فقد أدرك فضيلة الجماعة، فلهذا لم يستخلف، وليس كذلك إذا سبقه الحدث قبل كمالها: أنه يستخلف ليصلي هذه الصلاة بكمالها في جماعة، فلهذا
_________________
(١) لم أجدها في مسائله المطبوعة.
[ ١ / ٥٠٥ ]
جاز أن يستخلف، والله أعلم.
* * *