إذا قصد التنبيه بالتسبيح والتكبير، أو قراءة القرآن، لم تفسد صلاته؛ مثل: أن يجد ضريرًا لئلا يتردَّى في بئر (^١)، أو يُطرق عليه الباب، فيسبح بقصد الإذن له بالدخول، وكذلك إذا أُخبر بخبر يسرّه، فقال: الحمد لله، وأراد به الجواب، لم تفسد صلاته، وكذلك إذا أُخبر بخبر يغمّه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله في إحدى الروايتين:
قال في رواية أبي الحرب (^٢): في الرجل يكون في الصلاة، وينوبه الشيء، فيريد أن يُفْهِمَه بعضَ أهله، يسبح وهو يصلي؛ قال النبي - ﷺ - "التسبيح للرجال، وللنساء التصفيق" (^٣)، وكذلك نقل أبو جعفر بن
_________________
(١) = الفقه عن الإمام أحمد، والحافظ ابن راهويه، وله كتاب الصلاة، توفي سنة ٢٥١ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٠٣)، والمقصد الأرشد (١/ ٢٥٣).
(٢) كذا في الأصل، وفي التمام (١/ ٢١٧): [أن يجذب ضريرًا يقع في بئر]، وفي الإنصاف (٣/ ٦٣٣): (قال القاضي في التعليق، وغيره: … في تحذير ضرير من وقوعه في بئر ونحوه).
(٣) ينظر: (١/ ١١٥).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء، رقم =
[ ١ / ١٠٩ ]
محمد (^١)، وإسماعيل بن سعيد (^٢): في رجل ناداه أهله، وهو في الصلاة، فقال: لا إله إلا الله، وبالتسبيح، والتكبير، لم يُفسد صلاته.
وقال في رواية يوسف بن موسى (^٣): في رجل ذكر ذنبًا، فقال:
_________________
(١) = (١٢٠٣)، ومسلم كتاب: الصلاة، باب: تسبيح الرجل، وتصفيق المرأة، رقم (٤٢٢).
(٢) كذا في الأصل، ولم أقف على أحد من أصحاب الرواية عن الإمام أحمد بهذا الاسم، فلعل المراد: (جعفر بن محمد) لتكرر الرواية عنه في هذا الكتاب وغيره من الكتب، وقد تقدمت ترجمته. وينظر في هذه الرواية: التمام (١/ ٢١٧)، ورؤوس المسائل لأبي جعفر الهاشمي (١/ ١٥٠)، ورؤوس المسائل للعكبري (١/ ٢١٠)، والمستوعب (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، والمغني (٢/ ٤٥٤)، والإنصاف (٣/ ٦٢٦).
(٣) لم أقف على نسبة هذه الرواية لإسماعيل، وينظر في الرواية: ما مضى من المراجع في حاشية (٤). وإسماعيل: هو أبو إسحاق بن سعيد الشالنجي، قال أبو بكر الخلال: عنده مسائل كثيرة، ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله روى عنه أحسن مما روى هذا، توفي سنة ٢٣٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٣)، والمقصد الأرشد (١/ ٢٦١).
(٤) لم أقف على رواية يوسف فيما اطلعت عليه من كتب الأصحاب. ويوسف بن موسى بن راشد هو: أبو يعقوب القطان، الكوفي، أصله من الأهواز، ثم سكن بغداد، وحدَّث بها، روى عنه البخاري، وقال يحيى بن معين: صدوق، نقل عن الإمام أحمد بعض المسائل، توفي سنة ٢٥٣ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٥٦٧)، والمقصد الأرشد (٣/ ١٤٥).
[ ١ / ١١٠ ]
أستغفرُ الله، لا بأس. وقال في رواية صالح (^١): إذا عطس فقال: الحمد لله، لا يعجبني، فإن فعل؟ قال: تجزئه صلاته، فقد نص على أنه نبه (^٢) غيره لم يُبطل صلاته، وعلى قياسه إذا أُخبر بما يسره، فقال: الحمد لله، أو بما يسوءه، فقال: إنا لله، لا تبطل على ظاهر ما نقله صالح، ويوسف، وهو قول مالك (^٣)، والشافعي (^٤) - رحمهما الله -.
وفيه رواية أخرى: تبطل، نص عليه في رواية مهنا (^٥): في رجل جاء
_________________
(١) في مسائله رقم (١٣٥٩).
(٢) كذا في الأصل، ولعلها: أنه إن نبه.
(٣) ينظر: المدونة (١/ ١٠٠)، والإشراف (١/ ٢٥٩).
(٤) ينظر: حلية العلماء (١/ ٢٠٧)، والبيان (٢/ ٣١٢).
(٥) ينظر: المغني (٢/ ٤٥٧)، وقد جعل رواية مهنا: أنه لا يعيد، ثم ذكر بعدها رواية أخرى: أنه يعيد، ولم ينسبها لأحد، وتبعه على ذلك المرداوي في الإنصاف (٣/ ٦٣١)، وقد تصحف اسم (مهنا) في طبعة الوزارة إلى (ها هنا). وابن رجب ذكر رواية مهنا دون قصة الخارجي، وأنه يعيد، موافقًا لأبي يعلى. ينظر: فتح الباري (٣/ ٤٦٠)، وأيضًا ذكر في موضع آخر من الفتح (٦/ ٣٧٠) رواية أنه لا يعيد، ولم ينسبها لأحد، ونقل احتجاج الإمام أحمد بقصة الخارجي مع علي - ﵁ -. تنبيه: ذكر الجامع لمسائل الإمام أحمد برواية مهنا، الشيخ إسماعيل مرحبا - وفقه الله -: أن ما في المغني من رواية مهنا أرجح مما في فتح الباري!. ينظر: مسائل مهنا، جمع/ إسماعيل مرحبا (١/ ١٨٦)، ولم يظهر لي وجه الترجيح، وما حكاه القاضي هنا يدل على رجحان ما نقله ابن رجب - غفر الله للجميع -. ومهنا هو: أبو عبد الله بن يحيى الشامي السلمي، من كبار أصحاب الإمام أحمد، روى عنه مسائل كثيرة، كان الإمام يجله ويكرمه، قال مهنا: (لزمت =
[ ١ / ١١١ ]
إلى رجل وهو يصلي، فقال له: قد ولد لك غلام، فقال: الحمد لله رب العالمين، يعيد، وقلت له: قول علي في الصلاة لما قال له الخارجي: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه علي - ﵁ - وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^١) [الروم: ٦٠]، فقال: هذا يفسد صلاته. قلت: ولِمَ؛ وإنما قرأ القرآن؟ قال: لأنه إنما خاطب آدميًا، في الصلاة، ومن خاطب آدميًا، فصلاته فاسدة، فقد صرح بالفساد، وعلل بالمخاطبة، وهذا المعنى موجود فيه إذا نبه غيره في الصلاة، فعلى قياسه تبطل صلاته.
ونقل أيضًا مهنا: في الرجل يكون في الصلاة، فيذكر كيسًا له ذهب، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ يعيد الصلاة، هذا نوى الكلام (^٢)، فظاهر هذا: أنه قد أبطل صلاته، وإن لم يكن على وجه المخاطبة.
_________________
(١) = أبا عبد الله ثلاثًا وأربعين سنة). ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٢)، والمقصد الأرشد (٣/ ٤٣).
(٢) وقصة علي - ﵁ - رواها ابن أبي شيبة في مصنفه (٢١/ ٤٢٨)، والحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر البيان الواضح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - (٣/ ١٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى باب ما يجوز من قراءة القرآن، والذكر في الصلاة يريد به جوابًا أو تنبيهًا (٢/ ٣٤٨)، وفي سندها عمران بن ظبيان، ضعيف. ينظر: التقريب ص ٤٧٦، وينظر: فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٧٠).
(٣) ينظر: الصفحة الماضية حاشية (٥).
[ ١ / ١١٢ ]
ونقل صالح (^١) عن أبيه فيمن عطس في الصلاة، فقال: الحمد لله، لفظين: أحدهما: يعيد الصلاة، ونقل عنه لفظًا آخر: لا يعجبني أن يرفع صوته بها، فإن فعل، تجزئه صلاته، وكذلك نقل أبو الحرب (^٢): تجزئه صلاته.
قال أبو بكر الخلال (^٣): روى هذه المسألة جماعة يقولون (^٤): يعيد الصلاة، إلا صالحًا (^٥)، ثم روى عنه: أنه: لا يعيد، فكأنه رجع عن القول الأول.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: إذا قصد التنبيه بالتسبيح، أو التكبير، أو قراءة القرآن، فسدت صلاته، إلا في موضعين:
أحدهما: إذا قصد تنبيه الإمام على سهوه.
الثاني: إذا قصد دفع المارّ بين يديه (^٦).
وقال أيضًا: إذا أخبر بخبر سوء، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو بخبر يسره، فقال: الحمد لله، يقصد الجواب، بطلت صلاته.
_________________
(١) في مسائله رقم (٣٦٧ - ١٣٥٩ - ١٣٦٠).
(٢) لعله تصحيف كما مضى (١/ ١٠١)، وبنحوها نقل عبد الله في مسائله رقم (٤٨٥)، وأبو داود رقم (٢٦٠)، وابن هانئ رقم (٥٤٥ و٥٤٦). وينظر: المغني (٢/ ٤٥٧)، والإنصاف (٣/ ٦٣٠).
(٣) ينظر: المغني (٢/ ٤٥٨)، والفروع (٢/ ٢٧٠)، والإنصاف (٣/ ٦٣١).
(٤) في الأصل: يقولوا.
(٥) في الأصل: صالح.
(٦) ينظر: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٣٠٩ - ٣١٠).
[ ١ / ١١٣ ]
وإذا لسعته عقرب، فقال: باسم الله؛ بطلت صلاته (^١).
فالدلالة على أن الصلاة لا تبطل بشيء من ذلك: ما روى أبو داود (^٢) باسناده عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: "إذا نابَكُمْ شيء في الصلاة، فليسبِّح الرجال، وليصفِّقِ النساء" (^٣).
وروى أحمد - ﵀ - في المسند (^٤) باسناده عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: "التسبيح للرجال، والتصفيح للنساء".
فإن قيل: المراد بهذا: إعلامُ المأموم والإمام، والخبر في هذا ورد؛ لأنه رُوي عن النبي - ﷺ -: [أنه] خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فأبطأ، فلما حضرت الصلاة، قدّموا أبا بكر - ﵁ - ليصلي بهم، فجاء رسول الله - ﷺ - والناس في الصلاة، فدخل المسجد، فأخذ الناس في التصفيق، فالتفت أبو بكر - ﵁ -، فرأى النبي - ﷺ -، فتأخر إلى الصف، وتقدم النبي - ﷺ -، فلما فرغ من صلاته، قال: "ما لي رأيتكم أكثرتُمُ التصفيقَ؟! إذا نابكم في
_________________
(١) ينظر: المبسوط (١/ ٣٥٩)، وفتح القدير (١/ ٢٨٥).
(٢) في كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة رقم (٩٤١).
(٣) وبنحوه أخرجه البخاري، ومسلم، وقد مضى في (١/ ١٠٩).
(٤) رقم (٧٢٨ - ٧٥٥٠)، لكن بدلًا من لفظ (التصفيح) (التصفيق)، ولفظ: التصفيح ورد في المسند من حديث سهل الساعدي - ﵁ -، رقم (٢٢٨٠١ - ٢٢٨٠٧)، ومضى في (١/ ١٠٩)، والتصفيح والتصفيق واحد، وهو من ضَرْب صَفْحة الكَفِّ على صفحة الكف الآخر. ينظر: النهاية في الغريب (صفح).
[ ١ / ١١٤ ]
صلاتكم شيء، فسبِّحوا؛ فإنما التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" (^١).
قيل له: الحكم للّفظ دون السبب، واللفظ عام، ولا يجب قصره على سببه.
وأيضًا: ما روى أحمد - ﵀ - في المسند (^٢) قال: نا أبو بكر بن عياش (^٣) قال: نا مغيرة بن مقسم (^٤) قال: حدثني الحارث العكلي (^٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم، رقم (٧١٩٠)، ومسلم كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، رقم (٤٢١).
(٢) رقم (٦٠٨ و٦٤٧)، وأخرجه النسائي في كتاب: السهو، باب: التنحنح في الصلاة، رقم (١٢١١)، وابن ماجه في كتاب: الأدب، باب: الاستئذان، رقم (٣٧٠٨)، وابن نجي لم يسمع من علي، وضعفه بعض أهل العلم، كما سيأتي.
(٣) ابن سالم الأسدي الكوفي الحناط المقرئ، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: شعبة، وقيل غير ذلك، قال ابن حجر: (مشهور بكنيته، والأصح: أنها اسمه، … ثقة عابد، إلا أنه لما كبر، ساء حفظه)، توفي سنة ١٩٣ هـ. التقريب ص ٦٩٣.
(٤) مغيرة بن مقسم، الثقة، أبو هشام الضبي، مولاهم، قال عنه يحيى بن معين: ثقة، مأمون، توفي سنة ١٣٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠).
(٥) في الأصل: الحرب العكلي، والتصويب من المسند. وهذا مما يفيد أن ما مضى، وما سيأتي من لفظ: (أبي الحرب) هو: أبو الحارث، من أصحاب الإمام أحمد. والحارث هو: ابن يزيد العكلي التيمي الكوفي، ثقة، فقيه، قال الحاكم: قلت للدارقطني: الحارث بن يزيد العكلي؟ قال: ليس به بأس، روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم، والنسائي، =
[ ١ / ١١٥ ]
عن عبد الله بن نجي (^١) قال: قال علي - ﵁ -: كان لي من رسول الله - ﷺ - مدخلان بالليل والنهار، كنت إذا دخلت عليه وهو يصلي، تنحنح (^٢)، فأتيته (^٣) ذات ليلة، فقال: "أما تدري ما أَحدثَ الملكُ الليلةَ؟ كنت أصلي، فسمعت خشفة (^٤) في الدار، فخرجتُ، فإذا جبريل - ﵇ - فقال: ما زلتُ هذه الليلة أنتظرك، إن في بيتك كلبًا، فلم أستطع الدخول، وإنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا جُنب، ولا تمثال".
ورواه ابن المنذر (^٥) عن علي - ﵁ - قال: كانت لي ساعة من السحر
_________________
(١) = وغيرهم. ينظر: تهذيب الكمال (٥/ ٣٠٨)، والتقريب ص ١٢٧.
(٢) ابن سلمة بن جشم بن أسد الكوفي الحضرمي، قال البخاري: فيه نظر، قال ابن معين: لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه، وقال الدارقطني في العلل (٣/ ٢٥٨): (ليس بقوي في الحديث)، وقال البيهقي في الكبرى (٢/ ٣٥٢): (وكيف ما كان فعبد الله بن نجي غير محتج به). ينظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٢١٩).
(٣) في الأصل: تنحنحت، وهو خطأ، والتصويب من المسند.
(٤) في الأصل: فانتبه، والتصويب من المسند.
(٥) في الأصل: خسفة، الخَشْفة بالسكون: الحِسُّ والحرَكة، وقيل: الصَّوت، والخَشَفة بالتحريك: الحركة. ينظر: النهاية في غريب الحديث (خشف).
(٦) في الأوسط (٣/ ٢٤٠)، وأخرجه أحمد في المسند، رقم (٥٧٠)، وأخرجه النسائي في كتاب: السهو، باب: التنحنح في الصلاة، رقم (١٢١١)، وابن ماجه في كتاب: الأدب، باب: الاستئذان، رقم (٣٧٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٥١)، وقال: (حديث مختلف في إسناده ومتنه، فقيل: سبح، وقيل: تنحنح. ومداره على عبد الله بن نجي الحضرمي، قال =
[ ١ / ١١٦ ]
أدخل فيها على رسول الله - ﷺ -، فإذا كان في صلاة، سَبَّحَ، فكان ذلك إذنه لي، وإن لم يكن في الصلاة، أذن لي. وهذا نص، فإنه كان مأذونًا له (^١) في الدخول بالتسبيح في حال صلاته. وأيضًا: ما روى شريك (^٢) عن عمران بن ظبيان (^٣) عن أبي تحيى (^٤) قال: كنا مع علي بن أبي طالب - ﵁ - في صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
_________________
(١) = البخاري: فيه نظر، وضعفه غيره). وابن المنذر هو: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر، قال الذهبي عنه: (الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام)، من مصنفاته: الأوسط، والإجماع، والإشراف، وغيرها، توفي سنة ٣١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠).
(٢) في الأصل كررت هكذا: مأذونا له مأذونا له.
(٣) ابن عبد الله النخعي، الحافظ، القاضي، أبو عبد الله، وثقه يحيى بن معين، وروى له مسلم في المتابعات، وأخرج له البخاري تعليقًا. قال ابن حجر: (صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء). توفي سنة ١٧٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٢٠٠)، والتقريب ص ٢٦٩.
(٤) الحنفي الكوفي، قال البخاري: فيه نظر، وذكره العقيلي، وابن عدي في الضعفاء، قال ابن حجر: (ضعيف)، توفي سنة ١٥٧ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٣١٩)، والتقريب ص ٤٧٦.
(٥) أبو تحيى (هكذا): بكسر أوله وسكون المهملة، اسمه: حكيم بن سعد الحنفي، أبو تحيى الكوفي، قال يحيى بن معين: حكيم بن سعد ليس به بأس. ينظر: تهذيب الكمال (٧/ ٢١٠).
[ ١ / ١١٧ ]
مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه علي - ﵁ - وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] (^١).
قال مهنا: سألت أحمد عن أبي تحيى ما اسمه؟ قال: حكيم بن سعد، وهو كوفي، وأدرك عليًا (^٢) وسلمانَ - ﵁ -.
وروى أبو بكر (^٣) في كتابه بإسناده عن عطاء بن السائب (^٤) قال: استأذنت على عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٥) وهو يصلي، فقال: ﴿ادْخُلُوا
_________________
(١) وقد مضى تخريج هذا الأثر (١/ ١١٢).
(٢) في الأصل: علي.
(٣) أبو بكر هنا قد يراد به: (الخلال)، وقد يراد به: (غلام الخلال)؛ لأن كلًا منهما من أصحاب الرواية، وقد تقدمت ترجمتهما، وغالب رواية الغلام عن طريق شيخه الخلال، وهذا الأثر ذكره الموفق في المغني (٢/ ٤٥٩) والبهوتي في كشاف القناع (٢/ ٤٣٤) وأن الخلال أخرجه، ولا يمنع أن غلامه رواه في أحد كتبه من طريقه، وهذا الاحتمال منحصر في مسألة رواية أبي بكر للأحاديث أو الآثار، أما إذا أطلق ولم يقيد، أو قال: اختاره أبو بكر، أو قال أبو بكر، فالمراد: غلام الخلال، كما مضى التنبيه عليه في (١/ ١٠٤) حاشية ٣، وينظر: (١/ ١٤٤).
(٤) هو: أبو محمد، ويقال: أبو السائب الثقفي، الكوفي، قال النسائي: ثقة في حديثه القديم، إلا أنه تغير، وقال ابن حجر: صدوق اختلط، توفي سنة ١٣٦ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ١٠٣).
(٥) هو: الإمام، العلامة، الحافظ، أبو عيسى الأنصاري، الكوفي، الفقيه، واسم والده: يسار، وقيل: بلال، من أبناء الأنصار، روى عن جمع من الصحابة، =
[ ١ / ١١٨ ]
مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩].
وهذا إجماع من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -.
والقياس: أن ما لا يُبطل الصلاة إذا لم يقصد به التنبيه لم يُبطل الصلاة إذا قصد به التنبيه، أصله: الإشارة، تبين صحة هذا: أن الإشارة مكروهة عندهم في الصلاة، وهذه الأذكار مستحبة فيها، ثم الإشارة لا تُبْطِل الصلاة، فأولى أن لا تبطل بالأذكار (^١).
وقياس آخر: وهو أنه قصد التنبيه بذكر مشروع في الصلاة، أو بذكر [يلائم] (^٢) الصلاة، فلم يفسدها.
دليله: إذا قصد تنبيه الإمام على سهوه، أو قصد دفع المار بين يديه، وإذا غلط الإمام في القراءة، أو التبست عليه، فلقَّنه، وهذه العلة أولى مما علل (^٣) به بعضُهم أنه قصد التنبيه بالتسبيح؛ لأن ذلك لا تأثير له؛ فإن التنبيه بالتسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن سواء، فلا معنى للتقييد بالتسبيح.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن فيه إصلاح صلاته، وفي مسألتنا خطاب للغير من غير أن يتعلق به صلاح الصلاة.
قيل له: ما يفسد الصلاة لا يختلف أن يقوله لإصلاح الصلاة، أو
_________________
(١) = وروايته في الكتب الستة، قتل سنة ٨٢ هـ. تهذيب التهذيب (٢/ ٥٤٨).
(٢) في الأصل: لا يبطل بالأذكار.
(٣) بياض في الأصل بمقدار كلمة، والمثبت من الهامش.
(٤) في الأصل: هلل.
[ ١ / ١١٩ ]
لغير إصلاحها؛ كقوله: سهوت، أو قم، أو اقعد، فلما ثبت أنه لو قاله لإصلاح صلاته، لم يفسد، كذلك إذا قال لغير صلاح الصلاة، وعلى أن هذا يبطل بالمكبرين في الصفوف؛ فإنهم يقصدون إعلام الناس بتكبير الإمام، ولا تبطل صلاتهم، وإن لم يكن فيه مصلحة لصلاة المكبر، كذلك في مسألتنا.
واحتج المخالف: بما روي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قدمت على رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قَدُمَ، وما حَدُثَ (^١)، فلما فرغ من صلاته، قال: "إن الله يُحْدِث من أمره ما شاء، وإن مما أحدثَ أن لا تكلَّموا (^٢) في الصلاة" (^٣).
فظاهره يقتضي النهي عن الكلام في الصلاة جملة، فإذا قصد الجواب
_________________
(١) قال البغوي في "شرح السنة" (٣/ ٢٣٥): (تقول العرب هذه اللفظة للرجل إذا أقلقه الشيء، وأزعجه، وغمه، وتقول أيضًا: أخذه المقيم والمقعد، كأنه يهتم لما نأى من أمره ولما دنا)، وقال الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٤٣٣): (معناه: الحزن والكآبة، يريد: أنه قد عاوده قديم الأحزان، واتصل بحديثها).
(٢) في الأصل: تتكلموا، والتصويب من سنن أبي داود.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة رقم (٩٢٤)، وصححه ابن حبان في "صحيحه" حديث: "إن الله يحدث من أمره ما شاء"، رقم (٢٢٤٣)، وعلقه البخاري جازمًا به عن ابن مسعود في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وأصله في "الصحيحين" إلى قوله: [فلم يرد علي، فقلنا: يا رسول الله! كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: إن في الصلاة لشغلًا]، ومضى تخريجه ص ١٠٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
لغيره، فقد تكلم في الصلاة، فوجب أن تفسد صلاته.
والجواب: أن هذا النوع من الكلام لا يدخل في هذا الخبر، ألا ترى [أنه] إذا لم يقصد به إفهام الآدمي، لا تبطل الصلاة؟
واحتج: بأنه إذا أُخبر بما يسره، فقال: الحمد لله، فقد قصد الجواب، فصار من كلام الناس، فتفسد صلاته، ألا ترى أنه لو سلم عليه إنسان، فرد عليه، أو شمَّت عاطسًا، فسدت صلاته؟
والجواب: أن السلام، وردّه، وتشميت العاطس، موضوع لمخاطبة الآدمي، ابتداءً وجوابًا، فجرى مجرى سائر مخاطبة الآدميين، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ فإنه ثناء على الله تعالى، أو تلاوة القرآن، وكل ذلك لا يبطل الصلاة، فإذا اقترن به إفهام الآدمي، وتنبيهه به، لم تبطل صلاته، كما تقول في التنبيه بالإشارة، وتنبيه الإمام على سهوه بالتسبيح، وتنبيه المار بين يديه، وتلقين الإمام إذا أشكلت عليه القراءة.
واحتج: بأنه قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، فوجب أن يُفْسِد صلاته، كما لو قال: قم أو اقعد، وكما لو كتب كتابًا لفتى اسمه يحيى، وافتتح الصلاة، فجاء الفتى لطلب الكتاب، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وكذلك إذا قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، أو قال: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، أو قال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، وقصد بذلك كله خطاب الغير، ولا يلزم عليه إذا سبح بالإمام، أو بالمار بين يديه، أو فتح على الإمام؛ لأن فيه إصلاح صلاته.
[ ١ / ١٢١ ]
والجواب: أنه منتقض بالمكبِّر إذا رفع صوته بالتكبير لإعلام المأمومين؛ فإنه قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، ولا تبطل صلاته، وعلى أنه لا تأثير لقوله: قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، في الأصل؛ لأنه إذا كلمه بالكلام الموضوع للإعلام، بطلت صلاته، سواء كان لإصلاح صلاته؛ مثل قوله: قم، أو اقعد، أو لم يكن لإصلاح. ثم المعنى في ذلك: أنه يبطل صلاته إذا لم يكن يقصد التنبيه والإعلام، كذلك إذا قصد به، أو نقول: المعنى في ذلك أنه غير مشروع، ولا ملائم لها، وهذا مشروع ملائم.
وأما إذا قال لفتى اسمه يحيى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، فإنه إذا قصد بذلك قراءة القرآن، لم يُبْطل صلاته؛ لأن مثل هذا يختلف بالقصد والنية، فإذا نوى به قراءة القرآن، كان قرآنًا، وإذا لم يقصد به قراءة القرآن، لم يلزمه، وأبطل الصلاة، ألا ترى أن الجنب إذا قال ذلك وهو لا يقصد به قراءة القرآن لم يكن عاصيًا؟ وقد نص أحمد - ﵀ - على هذا في رواية (^١).
فإن قيل: فإذا عملت (^٢) ها هنا بالقصد والنية، وجب أن يعمل به في مسألتنا.
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله رقم (١٤٧)، ومسائل الكوسج رقم (٦٢)، والمغني (١/ ٢٠٠)، والفروع (١/ ٢٦١).
(٢) في الأصل: علمت، وهو تصحيف.
[ ١ / ١٢٢ ]
فنقول: إذا قصد خطاب الآدمي وإفهامه، صار من جنس خطاب الآدميين، وأبطل الصلاة، وإذا لم يقصد به خطاب الآدميين، كان من جنس الأذكار، فلا تبطل.
قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يُبطل صلاة المكبرين، وصلاة المنبه للإمام على سهوه، وصلاة الدافع للمار بين يديه، وهذا لا يقوله أحد، على أن الذكر الذي يجوز التنبيه به على ضربين:
ضرب من جنس الأذكار؛ مثل: التسبيح، والتهليل.
وضرب مشترك بين كلام الآدميين، وبين القرآن؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، و﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، و﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، و﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، و﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، و﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، و﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨].
وأما التسبيح، والتكبير، والتهليل، فلا يخرج بقصد التنبيه به عن جنسه؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا (^١).
وإنما يستدل على قصد المصلي بذكره بدلالة الحال، دون ما يقتضيه لفظه وحروفه، كما يستدل بالإشارة والتصفيق على التنبيه، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يقال: إنه بالقصد صار من جنس كلام الآدميين، وأما
_________________
(١) في الأصل: واحد.
[ ١ / ١٢٣ ]
اللفظ [الذي] يصلح للقرآن ولكلام الآدميين، فإنه إذا قصد به تلاوة القرآن، كان من القرآن بقصده، ولم يضره معاودة التنبيه إياه، كما يضر المكبرين إذا قصدوا تنبيه المأمومين بالتكبير.
وإن لم يقصدوا تلاوة القرآن، كان من كلام الآدميين، فبطلت الصلاة، وإنما اعتبرت النية في ذلك؛ لأن اللفظ مشترك يصلح للقرآن ولكلام الآدميين، ويفهم المخاطب معناه من لفظه.
* * *