نص عليه في رواية مهنا: في الرجل يصلي في ثوب ليس بصفيق (^١)، فإن بدت عورته، يعيد (^٢)، وبهذا قال أبو حنيفة (^٣)، والشافعي (^٤)، وداود (^٥).
وأصحاب مالك - ﵏ - فمنهم من قال: ستر العورة شرط
_________________
(١) أي: متين. ينظر: لسان العرب مادة (صفق).
(٢) لم أقف على رواية مهنا بهذا اللفظ إلا عند ابن رجب. ينظر: فتح الباري (٢/ ١٩٦). وسيأتي بعد قليل تفصيل الروايات في حد العورة.
(٣) ينظر: تحفة الفقهاء (١/ ١٥٥)، والمبسوط (١/ ١٣٣).
(٤) ينظر: الأم (٢/ ١٩٩)، والبيان (١/ ١١٦ و١٢٠).
(٥) ينظر: المحلى (٣/ ١٢٥). وداود هو: ابن علي بن خلف، أبو سليمان الأصبهاني، البغدادي، قال الذهبي: (الإمام، البحر، الحافظ، العلامة، رئيس أهل الظاهر)، خالف في مسألة: القرآن كلام الله، له مصنفات، منها: كتاب الدعاوى، والرد على أهل الإفك، وصفة أخلاق النبي - ﷺ -، والإجماع، وإبطال القياس، توفي سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٧).
[ ١ / ١٢٧ ]
في صحة الصلاة مع الذكر، وليس بشرط مع السهو.
ومنهم من قال: هو واجب مفروض، إلا أنه ليس من شرط صحتها، فإن صلى مكشوف العورة عامدًا، كان عاصيًا، وسقط الفرض (^١).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، قيل: اللباس في الصلاة (^٢).
وأيضًا قوله - ﷺ -: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (^٣) وقد صلى مستترًا.
وروى إسماعيل بن سعيد الشالنجي بإسناده عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله! إني رجل أصيد، أفأُصلي (^٤) في قميص واحد؟ قال: "فزرَّه ولو بشوكة" (^٥). فلو لم يكن الستر واجبًا، لما أمره بأن يزره.
وروى أيضًا بإسناده عن يحيى بن جابر الطائي - ﵁ - قال: قال
_________________
(١) ينظر: الإشراف (١/ ٢٥٩)، ومواهب الجليل (٢/ ١٧٧).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ١٤٩).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، رقم (٦٣١).
(٤) في الأصل: افصلي.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: وجوب الصلاة في الثياب معلقًا بصيغة التمريض، وقال: (في إسناده نظر)، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الرجل يصلي في قميص واحد، رقم (٦٣٢)، وسكت عنه، والنسائي في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في قميص واحد، رقم (٧٦٥)، وصححه الحاكم (١/ ٣٧٩) ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
[ ١ / ١٢٨ ]
رسول الله - ﷺ -: "أَيُّما امرأةٍ صلَّت باديةً أذنُها، فلا صلاة لها" (^١).
وروت عائشة - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - قال: "لا يقبل الله صلاةَ حائضٍ إلا بخِمار" ذكرها أبو داود في كتابه بإسناده (^٢).
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "لا يقبل الله صلاة أحد حتى يتوضأ كما أمره الله" إلى أن قال: "ثم يستقبل القبلةَ، فُيُكَبِّر" (^٣).
_________________
(١) لم أجده، وقد ذكر نحوه ابنُ رجب في الفتح (٢/ ١٤٠) من قول الحسن البصري: (إذا بلغت المحيض فصلت، ولم توار أذنيها، فلا صلاة لها).
(٢) في كتاب: الصلاة، باب: المرأة تصلي بغير خمار، رقم (٦٤١)، والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار، رقم (٣٧٧) وقال: (حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم)، وابن ماجه في كتاب: الطهارة، باب: إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار، رقم (٦٥٥)، وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٨٠٣): (أعله الدارقطني بالوقف، وقال: إن وقفه أشبه، وأعله الحاكم بالإرسال).
(٣) أخرجه أبو داود بنحوه في كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم (٨٥٧ وما بعده)، والنسائي في كتاب: التطبيق، باب: الرخصة في ترك الذكر في السجود، رقم (١١٣٦) من حديث رفاعة بن رافع، وليس فيه ذكر استقبال القبلة، وأخرجه البيهقي في كتاب: الصلاة، باب: من سها فترك ركنًا، عاد إلى ما ترك، رقم (٣٨٥٧)، وابن حبان في صحيحه في كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، رقم (١٧٨٧)، والدارقطني في باب: وجوب غسل القدمين والعقبين، رقم (٣١٩)، قال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٤٤): (لم أجده بهذا اللفظ … نعم لأصحاب السنن من حديث =
[ ١ / ١٢٩ ]
فأخبر عما يتم الصلاة به، ولم يذكر ستر العورة، فدل على أنها غير واجبة.
والجواب: أنه قد بين حكم الستارة في خبر آخر، وهو ما ذكرناه، والأخذ بالزائد أولى.
واحتج: بأن ستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ لأنه يلزم سترها في غيرها، ولو كان من شرطها، لاختصها كما يختص سائر فرائضها.
والجواب: أن ترك الأكل، والشرب، والجماع، يجب في غير الصلاة، وهو الصيام، ويجب في الصلاة، كذلك الستر لا يمتنع أن يجب في غير الصلاة، ويجب في الصلاة.
واحتج: بأن الستارة لو كانت واجبة، لكان بدلٌ يقوم مقامها عند العجز عنها؛ كالوضوء، ولما لم يكن لها بدل، دل على أنها غير واجب.
والجواب: أنه يبطل بالتيمم، هو واجب، وليس ببدلٍ، وعلى أنه لا يجوز أن يستدل بسقوط الفرع على سقوط الأصل. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) = رفاعة بن رافع، في قصة المسيء صلاته فيه: "إذا أردت أن تصلي، فتوضأ كما أمرك الله"، وفي رواية لأبي داود، والدارقطني: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين) وعلى هذا فالسياق بـ "ثم" لا أصل له).
[ ١ / ١٣٠ ]