وهي فرض كفايةٍ (١)؛ إذا تركها أهل بلدٍ قاتلهم الإمام.
ووقتها كصلاة الضحى، وآخره: الزوال، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد.
وتسن: في صحراء، وتقديم صلاة الأضحى - وعكسه الفطر -، وأكله قبلها - وعكسه في الأضحى إن ضحى -.
وتكره في الجامع بلا عذرٍ (٢).
_________________
(١) [قولٌ آخر]: أنها فرض عينٍ على كل أحدٍ، وأنه يجب على جميع المسلمين أن يصلوا صلاة العيد، ومن تخلف فهو آثمٌ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ، وهذا عندي أقرب الأحوال، وهو الراجح.
(٢) ظاهر كلام المؤلف أنه تكره في الجامع؛ سواءٌ في مكة أو المدينة - أو غيرهما من البلاد -. أما في المدينة فظاهرٌ أن المدينة كغيرها أما في مكة؛ فلا أعلم أن الرسول ﷺ أو أحدًا من الذين تولوا مكة كانوا يخرجون عن المسجد الحرام، ولهذا استثنى في «الروض المربع» مكة المشرفة. ولعل الحكمة من ذلك - والله أعلم - أن الصلاة في الصحراء في مكة صعبةٌ؛ لأنها جبالٌ وأوديةٌ، فيشق على الناس أن يخرجوا، فلهذا كانت صلاة العيد في نفس المسجد الحرام.
[ ١٤٥ ]
ويسن تبكير مأمومٍ إليها ماشيًا (١) بعد الصبح، وتأخر إمامٍ إلى وقت الصلاة على أحسن هيئةٍ إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه (٢).
ومن شرطها: استيطانٌ (٣)، وعدد الجمعة (٤)، لا إذن إمامٍ (٥).
ويسن أن يرجع من طريقٍ آخر.
ويصليها ركعتين قبل الخطبة؛ يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل
_________________
(١) لكن إذا كان هناك عذرٌ؛ كبعد المصلى أو مرضٍ في الإنسان - أو ما أشبه ذلك -؛ فلا حرج أن يخرج إليها راكبًا.
(٢) هذا القول في غاية الضعف - أثرًا ونظرًا - ؛ فالصحيح: أن المعتكف كغيره يخرج إلى صلاة العيد متنظفًا، لابسًا أحسن ثيابه.
(٣) خرج بذلك: المسافرون والمقيمون. [أما] المسافرون فلا يشرع في حقهم صلاة العيد، وهذا واضحٌ؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ. وأما المقيمون فكذلك على المذهب ، ولكن في هذا القول نظرًا، ولهذا كان الناس الآن على خلاف هذا القول.
(٤) عدد الجمعة - على المشهور من المذهب -: أربعون رجلًا من المستوطنين. وقد سبق لنا القول الراجح في العدد المعتبر للجمعة ثلاثةٌ، فهذا يبنى على ذاك؛ فلا بد من عددٍ يبلغون ثلاثةً.
(٥) لو احتاج الناس إلى إقامة مصلى آخر للعيد فإنه لا بد من إذن الإمام أو نائب الإمام؛ حتى لا يحصل فوضى بين الناس، ويصير كل واحدٍ منهم يقيم مصلى عيدٍ.
[ ١٤٦ ]
التعوذ والقراءة: ستا، وفي الثانية قبل القراءة: خمسًا (١)، يرفع يديه مع كل تكبيرةٍ، ويقول: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، وصلى الله على محمدٍ النبي وآله، وسلم تسليمًا كثيرًا) (٢)، وإن أحب قال غير ذلك.
ثم يقرأ جهرًا في الأولى بعد الفاتحة: ب- (سبح) وب- (الغاشية) في الثانية (٣).
فإذا سلم خطب خطبتين (٤) - كخطبتي الجمعة -؛ يستفتح الأولى بتسع
_________________
(١) الإمام أحمد يرى أن الأمر في هذا واسعٌ، وأن الإنسان لو كبر على غير هذا الوجه مما جاء عن الصحابة فإنه لا بأس به.
(٢) هذا الذكر يحتاج إلى نقلٍ عن النبي ﷺ؛ لأنه ذكرٌ معينٌ محددٌ في عبادةٍ، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك، وإنما أثرٌ عن ابن مسعودٍ - ﵁ - أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ وقال بعض العلماء: يكبر بدون أن يذكر بينهما ذكرًا، وهذا أقرب للصواب، والأمر في هذا واسعٌ؛ إن ذكر ذكرًا فهو على خيرٍ، وإن كبر بدون ذكرٍ فهو على خيرٍ.
(٣) كما ثبت عنه أنه كان يقرأ في الأولى ب- (ق والقرآن المجيد)، وفي الثانية ب- (اقتربت الساعة وانشق القمر). ولهذا ينبغي للإمام إظهارًا للسنة وإحياءً لها: أن يقرأ مرةً بهذا، ومرةً بهذا.
(٤) هذا ما مشى عليه الفقهاء - ﵏ - أن خطبة العيد اثنتان؛ لأنه ورد هذا في حديثٍ أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ فيه نظرٌ، ظاهره أنه كان يخطب خطبتين. ومن نظر في السنة المتفق عليها في «الصحيحين» - وغيرهما - تبين له أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبةً واحدةً، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهن، فإن جعلنا هذا أصلًا في مشروعية الخطبتين فمحتملٌ، مع أنه بعيدٌ، لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهن لعدم وصول الخطبة إليهن، وهذا احتمالٌ. ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن، ولكن أراد أن يخصهن بخصيصةٍ، ولهذا ذكرهن ووعظهن بأشياء خاصةٍ بهن.
[ ١٤٧ ]
تكبيراتٍ، والثانية بسبعٍ (١)؛ يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون (٢)، ويرغبهم في الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها.
والتكبيرات الزوائد، والذكر بينها (٣)، والخطبتان: سنةٌ (٤).
ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها (٥).
_________________
(١) قال بعض العلماء: إنه يبتدئ بالحمد كسائر الخطب، وكما هي العادة في خطب النبي ﷺ أنه يبدأ خطبه بحمد الله ويثني عليه. وعلى هذا فيقول: (الحمد لله كثيرًا، والله أكبر كبيرًا)، فيجمع بين التكبير والحمد.
(٢) الصواب: أنه يبين ذلك في خطبة آخر جمعةٍ من رمضان، ويبين في خطبة العيد حكم تأخير صدقة الفطر عن صلاة العيد.
(٣) سبق البحث في كونه سنةً أو ليس بسنةٍ.
(٤) استدلوا على كون [الخطبتين] سنةً بأن النبي ﷺ رخص لمن حضر العيد أن يقوم ولا يحضر الخطبة، ولو كانت واجبةً لوجب حضورها، هكذا قالوا. ولكن هذا التعليل عليلٌ - في الواقع -؛ لأنه لا يلزم من عدم وجوب حضورها عدم وجوبها؛ فقد يكون النبي - ﵊ - أذن للناس بالانصراف وهي واجبةٌ عليه، فيخطب فيمن بقي، ثم إن الغالب ولا سيما في عهد الرسول ﷺ أنه لا ينصرف أحدٌ إلا من ضرورةٍ، ولهذا لو قال أحدٌ بوجوب الخطبة - أو الخطبتين - في العيدين لكان قولًا متوجهًا.
(٥) قال بعض العلماء - ﵏ -: إن الصلاة غير مكروهةٍ في مصلى العيد؛ لا قبل الصلاة ولا بعدها ، وهذا مذهب الشافعي - ﵀ - في هذه المسألة، وهو الصواب والصحيح: أنه لا فرق بين الإمام وغيره، ولا قبل الصلاة ولا بعدها؛ فلا كراهة، لكن لا نقول: إن السنة أن تصلي ، وأما تحية المسجد فلا وجه للنهي عنها إطلاقًا؛ لأن النبي ﷺ أمر بها ، فمصلى العيد مسجدٌ له أحكام المسجد، وأنه إذا دخله الإنسان لا يجلس حتى يصلي ركعتين، وأنه لا نهي عنهما بلا إشكالٍ، وأما أن يتنفل بعدهما فنقول: لا بأس به، لكن الأفضل للإمام أن يبادر بصلاة العيد إن كان قد دخل وقتها؛ لئلا يحبس الناس، وأما المأموم فالأفضل له إذا صلى تحية المسجد أن يتفرغ للتكبير والذكر.
[ ١٤٨ ]
ويسن لمن فاتته أو بعضها: قضاؤها على صفتها (١).
ويسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين (٢) - وفي فطرٍ آكد (٣) -، وفي كل عشر
_________________
(١) هذا هو المذهب: أن قضاءها سنةٌ، والدليل على سنية القضاء: قوله ﷺ: «من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، وقول الرسول ﷺ: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». ولكن في هذا الاستدلال نظرٌ؛ لأن المراد بالحديثين الفريضة، أما هذه فصلاةٌ مشروعةٌ على وجه الاجتماع، فإذا فاتت فإنها لا تقضى إلا بدليلٍ يدل على قضائها إذا فاتت، ولهذا إذا فاتت الرجل صلاة الجمعة لم يقضها، وإنما يصلي فرض الوقت وهو الظهر. ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - إلى أنه لا تقضى إذا فاتت، وأن من فاتته فلا يسن له أن يقضيها؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ، ولأنها صلاةٌ ذات اجتماعٍ معينٍ، فلا تشرع إلا على هذا الوجه.
(٢) لم يفصح المؤلف - ﵀ - بحكم الجهر والإسرار في هذا التكبير، ولكن نقول: إن السنة أن يجهر به إظهارًا للشعيرة، لكن النساء يكبرن سرا إلا إذا لم يكن حولهن رجالٌ فلا حرج في الجهر.
(٣) قال بعض العلماء: إن التكبير في الأضحى أوكد فكل واحدٍ منهما أوكد من الثاني من وجهٍ؛ فمن جهة أن تكبير الفطر مذكورٌ في القرآن يكون أوكد، ومن جهة أن التكبير في عيد الأضحى متفقٌ عليه وأن فيه تكبيرًا مقيدًا يقدم على أذكار الصلاة يكون من هذه الناحية أوكد.
[ ١٤٩ ]
ذي الحجة.
والمقيد: عقب كل فريضةٍ في جماعةٍ (١) من صلاة الفجر يوم عرفة - وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر - إلى عصر آخر أيام التشريق (٢).
وإن نسيه: قضاه ما لم يحدث (٣)، أو يخرج من المسجد (٤).
ولا يسن عقب صلاة عيدٍ.
_________________
(١) قال بعض العلماء: إن التكبير المقيد سنةٌ لكل مصل وقال بعض العلماء: إنه سنةٌ في الفرائض دون النوافل. والمسألة إذا رأيت اختلاف العلماء - ﵏ - فيها بدون أن يذكروا نصا فاصلًا فإننا نقول: الأمر في هذا واسعٌ؛ فإن كبر بعد صلاته منفردًا فلا حرج عليه، وإن ترك التكبير ولو في الجماعة فلا حرج عليه.
(٢) التكبير ينقسم إلى قسمين فقط: مطلقٌ، ومطلقٌ ومقيدٌ. فالمطلق: من ليلة عيد الفطر وعشر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة. والمطلق والمقيد: من فجر يوم عرفة إلى غروب الشمس من آخر يومٍ من أيام التشريق.
(٣) الصحيح: أنه لا يسقط بالحدث.
(٤) الصحيح: أنه إذا خرج من المسجد؛ فإن كان بعد طول مكثٍ فإنه يسقط لا بخروجه، ولكن بطول المكث، ولكن إن خرج سريعًا فإنه لا يسقط فيكبر فالقول الراجح: أن هذا التكبير المقيد يسقط بطول الفصل لا بخروجه من المسجد ولا بحدثه.
[ ١٥٠ ]
وصفته - شفعًا -: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد) (١).
_________________
(١) هذه المسألة - أي صفة التكبير - فيها أقوالٌ ثلاثةٌ لأهل العلم: الأول: أنه شفعٌ الثاني: أنه وترٌ الثالث: أنه وترٌ في الأولى، شفعٌ في الثانية. وهذا القول والذي قبله من حيث التعليل أقوى من قول من يقول: إنه يكبر مرتين مرتين والمسألة ليس فيها نص يفصل بين المتنازعين من أهل العلم، وإذا كان ذلك فالأمر فيه سعةٌ؛ إن شئت فكبر شفعًا، وإن شئت فكبر وترًا، وإن شئت وترًا في الأولى وشفعًا في الثانية.
[ ١٥١ ]