_________________
(١) الجعالة لغة: بتثليث الجيم مشتقة من الجَعل بمعنى التسمية، وشرعًا: أن يجعل إنسانٌ شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة. وسواء جعله لمعيَّن كأن يقول لزيد: إن علمتني قراءة (سورة مريم) فلك ١٠ ريالات، أو يجعله لغير معين كأن يقول: من علمني قراءة (سورة مريم) فله ١٠ ريالات؛ لكن إن جعل الجاعلُ الجعلَ لمعينٍ فلا يستحقه غيرُ المعين إن عمله، وإن عمله غيرُه فلا يستحق الجعل. والأصل في مشروعيتها: من الكتاب قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف، ٧٢]، أي: من جاء بصواع الملك المفقود فله حمل بعير، ومن السنة: حديث اللديغ المشهور متفق عليه. (تتمة) من الفروق بين الجعالة والإجارة: ١ - أن الإجارة عقد لازم، بخلاف الجعالة فهي عقد جائز، ٢ - ويشترط في الإجارة بيان المدة، بخلاف الجعالة، ٣ - كذلك يشترط في الإجارة معرفة العمل، بخلاف الجعالة. ٤ - يشترط تعيين العامل في الإجارة دون الجعالة قال في المغني والشرح الكبير: (ويفارق الإجارة في أنها - أي: الجعالة - عقد جائز، وهي لازمة، وأنه لا يعتبر العلم بالمدة، ولا بمقدار العمل، ولا يعتبر وقوع العقد مع واحد معين). قال في الإنصاف - ومثله في شرح المنتهى -: (فائدة: الجعالة نوع إجارة؛ لوقوع العوض في مقابلة منفعة، وإنما تميز بكون الفاعل لا يلتزم الفعل، وبكون العقد قد يقع مبهمًا لا مع معين. ويجوز في الجعالة الجمع بين تقدير المدة والعمل، على الصحيح من المذهب). فتتفق الجعالة مع الإجارة: في أن العوض فيهما في مقابلة منفعة، ويتفقان أيضًا: في أن المنفعة لمن يبذل العوض، فهي في الإجارة للمستأجر، وفي الجعالة للجاعل. (بحث)
[ ٤٨٤ ]
وَيجوز جعلُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ لمن يعْمل (^١) عملًا وَلَو مَجْهُولًا (^٢)،
_________________
(١) أسقط الماتن هنا حرفًا مهمًا ذكروه كلهم، وهو: (له)، وأسقطه في أصله أيضًا: كافي المبتدي، وزاده شارحه في الروض الندي، ولم يزده صاحب كشف المخدرات، وهو حرف مهم؛ إذ يشترط أن يكون العمل للجاعل فقط لا لغيره كأجنبي، والمجعول له، نبه على هذا الخلوتي ﵀، فلا تصح جعالة إلا إذا كان العمل للجاعل فقط، ويستثنى ما لو كان العمل عملًا صالحًا ويتعدى نفعه فيصح كما لو قال: مَنْ أذَّن في هذا المسجد شهرًا فله كذا صح، فهنا العمل لغير الجاعل، ومع ذلك صححوه. (تحرير مهم)
(٢) يشترط لصحة الجعالة أربعة شروط: ١ - العلم بالجُعْل برؤية أو صفة إلا إذا قال له: بع ثوبي بكذا وما زاد فهو لك، كما ذكره الغاية هنا اتجاهًا، ووافقه الشطي، ٢ - وكون الجاعل جائز التصرف، ولم يذكره المؤلف، ٣ - وكون العمل الذي رُتب عليه الجعلُ مباحًا، وقال صاحب الغاية: (ويتجه: لا عبثًا كالمشي على الحبل وحمل الأثقال)، فلا يصح أن يجعل مبلغًا لمن يمشي على حبل أو يحمل أثقالًا؛ لأنه يعرض به غيرَه للخطر ولا يستفاد منه، ٤ - أن يكون العمل المجاعل عليه للجاعل لا لغيره إلا إذا كان عملًا صالحًا ويتعدى نفعه، وتقدم تقرير هذا قريبًا. (تتمة) حكم بذل العمل من العامل ابتداءً: أكثر ما يذكره العلماء الحنابلة من الصور: أن يبدأ الجاعل في العقد كأن يقول: مَنْ أذَّن في هذا المسجد شهرًا فله كذا، أو من رد لقطتي فله كذا، لكن هل يصح أن يبدأها العاملُ ويَعُد نفسه لعمل ما، كأن يعلن عن إقامة دورة في تدريس كتاب (الصلاة) من متن أخصر المختصرات مثلًا، ويدعو الناس إليها ويضع جعلًا له (١٠٠ ريال مثلا) على تدريسه لهذا المتن، ويدفعه الذي سيدرس كتاب الصلاة. فالجعالة في هذه الصورة بدأت من العامل، فهل هذا جائز على المذهب؟ الظاهر: جوازه؛ لما ذكره الماتن هنا: (وإن عمل .. معد نفسه بلا إذن فلا شيء له)، فيُفهم منه: أنه إن عمل معدٌ نفسه عملًا لغيره بجعل بإذن ذلك الغير صح ذلك وجاز، وعبارة المنتهى فيها ذِكرُ الجعل حيث قال: (وإن عمل - ولو المعَدُّ لأخذ أجرة - لغيره عملًا بلا إذنٍ أو جُعلٍ فلا شيء له)، فيفهم منه: أنه إن عمل شخصٌ معدٌ نفسَه للعمل لغيره عملًا بجعلٍ صح ذلك وله الجعل، والله أعلم. (تنبيه) حتى يُميز العقد هل هو عقد إجارة أو جعالة، ينبغي أن يُذكر في أوله أنه إجارة أو جعالة حتى يتبين لزوم العقد إن كان إجارة، أو جوازه إن كان جعالة. وإن كان العمل من الأعمال التي لا تكون إلا قُربة كتعليم العلم الشرعي أو الأذان أو الإمامة، فهي جعالة وإن لم يذكر ذلك في العقد؛ لأنها لا تصح إجارة، والله أعلم. (بحث وتحرير)
[ ٤٨٥ ]
كردِّ عبدٍ (^١) ولقطةٍ وَبِنَاء حَائِطٍ، فَمن فعله بعد علمه اسْتَحَقَّه (^٢).
وَلكُلٍّ فَسخُهَا (^٣)، فَمِنْ عَاملٍ لَا شَيْءَ لَهُ، وَمن جَاعلٍ لعاملٍ أُجرةُ عملِه (^٤).
وإن عمل غيرُ مُعَدٍّ لأخذِ أُجرةٍ لغيرِهِ عملًا بِلَا جُعل (^٥) أو مُعَدٌّ بِلَا إذنٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ (^٦) إلا فِي تَحْصِيل مَتَاعٍ من بَحرٍ أو فلاةٍ
_________________
(١) وصورته: أن يقول الشخص مثلًا: من رد لي عبدي فله ١٠٠٠ ريال.
(٢) أي: مَنْ فعل العملَ المطلوبَ بعد علمه بالجعل استحقه، وإن كانوا جماعة اقتسموه. ومفهومه: أن من فعله قبل علمه بالجعل لم يستحقه، وهو كذلك، ويحرم عليه أن يأخذ من الجاعل شيئًا إلا أن يتبرع ربه له بعد إعلامه بالحال، كما في شرح المنتهى للبهوتي.
(٣) لأن الجعالة عقد جائز من الطرفين.
(٤) أي: إن فسخ العاملُ ولو بعد شروعه في العمل فلا شيء له، وإن فسخ الجاعلُ بعد شروع العامل في العمل أعطاه أجرة مثل عمله؛ لكن يشكل عليه لو كانت الجعالة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم قرآن مثلًا، وفَسَخَ الجاعل المتعلمُ عقدَ الجعالة، فكيف يكون للعامل المعلم أجرة عمله، وهذا لا يصح إجارة؟ فليحرر. ويرى شيخ الإسلام: عدم تحول الجعالة إلى إجارة، بل يُعطى العامل القسط من الجعل، فلو عمل نصف العمل استحق نصف الجعل وهكذا.
(٥) أو أجرةٍ سُميت قبل العمل.
(٦) هذه عبارة الإقناع، وفيها نقص، والتفصيل: أن من أعد نفسه لعملٍ ما فلا يخلو من أربعة أحوال: ١ - أن يعمل بإذن، فله أجرة المثل، ٢ - أو يعمل بجُعل، فله الجُعل المسمى، ٣ - أو يعمل بأجرة، فله الأجرة المسماة، ٤ - أو يعمل بلا إذن ولا جُعل ولا أجرة، فلا شيء له. ومثاله: الحمال الذي يكون على باب بعض المحلات ينتظر من يكلفه بحمل بضاعة، فمن طلب منه أن يحمل له ولم يسمّ له أجرة ولا جعلًا فعلى الطالب أجرةُ المثل؛ لأن العاملَ أعد نفسه لذلك العمل، وقد أذن له صاحب البضاعة، وإن حمل العاملُ المعدُ نفسَه للعمل بضاعة بلا إذنٍ من صاحب البضاعة فلا شيء للعامل. أما مَنْ لم يعد نفسه للعمل فله ثلاثة أحوال: ١ - أن يؤذَن له في العمل ولم يُسمَّ له جعل ولا أجرة، فلا يستحق شيئًا، ٢ - أو يعمل بجُعل، فله الجعل المسمى، ٣ - أو يعمل بأجرة، فله الأجرة المسماة. ومثاله: أن ينادي رجل مسنّ شابًا في الشارع ليساعده في حمل أغراض له، فإن لم يسم له جعلًا ولا أجرة فلا شيء للشاب؛ لأنه ليس مُعِدًا نفسه لهذا العمل. (بحث مهم)
[ ٤٨٧ ]
فَلهُ أَجرُ مثلِهِ (^١).
وَفِي رَقِيقٍ دِينَارٌ أو اثنَا عشرَ درهمًا (^٢).
_________________
(١) فيُستثنى مما سبق حالتان: (الحالة الأولى) تحصيل متاع الغير من حال لو تُرك فيه لهلك، فمن فعل ذلك فله أجرة المثل وجوبا، وإن لم يأذن له رب المتاع؛ لأن في ذلك ترغيبًا في إنقاذ أموال الناس من الهلاك، والغالبُ عدم إمكان استئذان صاحبها لغيبته.
(٢) (الحالة الثانية) إذا رد الشخصُ عبدًا آبقًا إلى سيده، فإنه يستحق دينارًا أو اثني عشر درهمًا، وقد ورد فيه حديث ضعيف، لكن الحنابلة يقولون به، والله أعلم.
[ ٤٨٨ ]