وَالشَّرِكَة خَمْسَةُ أضربٍ:
شركَةُ عِنانٍ (^٢) وَهِي أن يُحضِرَ (^٣) كلٌّ من عددٍ (^٤) جَائِزِ التَّصَرُّف (^٥) من مَالِه (^٦) نَقْدًا (^٧)
_________________
(١) وهي هنا: اجتماع في تصرف.
(٢) بكسر العين، وصورتها: أن يحضر كل من شريكين - أو أكثر - مالًا ويعملان فيه، وأجمع العلماء على جوازها.
(٣) فيشترط لصحة شركة العِنان: (الشرط الأول) حضور المال، فلا يصح كونه في الذمة.
(٤) أي: كل واحد من عدد، اثنين فأكثر.
(٥) (الشرط الثاني) كون كل شريك جائز التصرف.
(٦) (الشرط الثالث) كون المال الذي يحضره كل شريك مملوكًا له حقيقة أو حكمًا.
(٧) (الشرط الرابع) كون المال نقدًا مضروبًا، أي: ذهبًا أو فضة، لا عروضًا ولا فلوسًا ولو نافقة كما في الإقناع، أي: ولو كانت رائجة مستعملة عند الناس؛ لأنها عروض على المذهب، وقالوا في التعليل: لأن قيمتها تزيد وتنقص. (تتمة) هل تصح بالأوراق النقدية على المذهب؟ إن قلنا بإلحاقها بالفلوس فلا تصح، وإن لم نلحقها بالفلوس بل بالنقدين فتصح، والله أعلم.
[ ٤٣١ ]
مَعْلُومًا (^١) ليعْمَل فِيهِ كُلٌّ على أن لَهُ من الرِّبْحِ جُزْءًا مشَاعًا مَعْلُومًا (^٢).
الثَّانِي: المضَاربَةُ (^٣)، وَهِي دفعُ مَالٍ (^٤) معينٍ (^٥) مَعْلُومٍ لمن يَتَّجِرَ فِيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مشَاعٍ من ربحه (^٦).
وإن ضَارب لآخر فأضر الأولَ حرُم، وردَّ حِصَّتَه فِي الشّركَةِ (^٧).
وإن تلِف رَأسُ المال أو بعضُه بعد تصرفٍ أو خَسِرَ، جُبِر من ربحٍ قبل
_________________
(١) (الشرط الخامس) كون النقد معلومًا قدره.
(٢) (الشرط السادس) أن يبين الشركاء قدر ما يكون لكل واحد منهم من الربح، ويشترط كون ذلك القدر: ١ - جزءًا كنصف أو ثلث، لا مبلغًا محددًا، ٢ - ومشاعًا غير معين، ٣ - ومعلومًا، فلا يصح قوله: «ولك جزء» فقط.
(٣) وصورتها: أن يكون المال من شخص والعمل من آخر، كأن يعطي زيد لعمرو خمسين ألف ريال ليتجر فيها على أن يكون لعمرو ثلث الربح، والباقي لزيد، وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها.
(٤) ويشترط لصحتها: (الشرط الأول) أن يكون نقدًا مضروبًا.
(٥) هذا (الشرط الثاني) أن يكون رأس المال معينًا حاضرًا لا مبهمًا أو في الذمة.
(٦) هذا (الشرط الثالث) أن يُشترط جزءٌ مشاع معلوم كنصف وثلث، وسواء كان هذا الجزء للعامل والباقي لرب المال أو العكس.
(٧) فلو ضارب لشخص ثم دخل في مضاربة أخرى، فيحرم إن أضر بالمضاربة الأولى كأن تقِل أرباحها، ويرد - وجوبًا - حصتَه من الشركة الثانية في الأولى.
[ ٤٣٢ ]
قسْمَةٍ (^١).
الثَّالِث: شركَةُ الْوُجُوه (^٢)،
وَهِي أن يشتركا فِي ربحِ مَا يشتريان فِي ذممِهِما بجاهَيْهِمَا (^٣)، وكلٌّ وَكيلُ الآخر وكفيلُه بِالثّمن (^٤).
الرَّابِع: شركَةُ الأبدان، وَهِي أن يشتركا فِيمَا يتملكان بأبدانِهما من
_________________
(١) أي: قسمة الربح، ولا تقسم الأرباح في المضاربة حتى يخرج رأس المال، فلو ضارب سَنة لكنه كلما ربح شيئًا خسر مثله ولم يبق بعد السنة إلا رأس المال، فهو لربه ولا شيء للمضارب.
(٢) من الجاه، يقال فلان وجيه: أي صاحب منزلة، ففي شركة الوجوه لايدخل الشركاء بأموالهم، وإنما يشترون السلع في ذممهم بثمن مؤجل بحسب جاههم وثقة الناس بهم، ثم يحددون كم لكل واحد من رأس المال - وهي السلع التي اشتروها -، ثلثها أو نصفها (تتمة) لا بد في جميع الشركات من تعيين رأس المال؛ لأن الخسارة تكون بقدره؛ ففي شركة الوجوه لو اشترى زيد وعمرو سلعًا بعشرين ألف ريال وكان لزيد ربعها ولعمرو الباقي، فلو حصلت خسارة ولم يبق إلا عشرة آلاف، فيكون على زيد ربع ما نقص، وهو ٢٥٠٠ ريال، وعلى عمرو الباقي، وهو ٧٥٠٠ ريال.
(٣) عند الناس، ولابد من تعيين الملك والربح ولو لم يكن بقدر رأس المال.
(٤) أي: كل شريك في شركة الوجوه وكيلُ الآخر في البيع والشراء. أيضًا، كل واحد منهما يكفل الآخر بالثمن؛ لأنهما يشتريان في الذمة، وكلاهما يُطالب بالثمن.
[ ٤٣٣ ]
مُبَاحٍ كاصطيادٍ وَنَحْوِه (^١)، أو يتقبلان فِي ذممِهِمَا من عملٍ كخياطة (^٢).
فَمَا تقبله أحدُهما لزمَهما عملُه وطولِبَا بِهِ (^٣)، وإن ترك أحدُهما العَمَلَ لعذرٍ أو لَا فالكسبُ بَينهمَا (^٤)، وَيلزم من عُذِرَ أو لم يعرفِ العَمَلَ أن يُقيمَ مقَامَه بِطَلَب شريكٍ (^٥).
الْخَامِس: شركَةُ الْمُفَاوضَة، وَهِي أن يُفَوِّض كلٌّ إلى صَاحبِه كلَّ تصرفٍ مَالِيٍّ (^٦) ويشتركا فِي كل مَا يثبتُ لَهما وَعَلَيْهِمَا، فَتَصِحُّ إن لم يُدخلا
_________________
(١) شركة الأبدان نوعان: (النوع الأول) اشتراك في تملك المباحات كاحتشاش واحتطاب، فيقتسمان ما يُحَّصِلَانِ من ذلك أو المال الناتج عن بيعه على ما اتفقا عليه من تساوٍ أو تفاضل.
(٢) (النوع الثاني) أن يشتركا في تقبل الأعمال - أي: يأخذان أعمالًا من الناس كصناعة أبواب، أو غسل ثياب ونحو ذلك - في الذمة ولو اختلفت صنائعهما كخياط ونجار، فلا يشترط اتفاق الصنعة بل ولا معرفتهما، ولو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل والأجرة بيننا صح، وتقسم أجرة عمل تقبَّلاه أو أحدهما على ما اتفقا عليه من تساوٍ أو تفاضل.
(٣) فلو تقبل أحد الشركين في ذمته عملًا، لزمهما فعله، ويطالبان به جميعًا.
(٤) على ما شرطاه.
(٥) أي: يلزم من حصل له عذر يمنعه من العمل كمرض، أو كان لا يعرف الصنعة أن يقيم مقامَه مَن يعرف الصنعة إن طلب شريكه ذلك، وإلا لم يلزمه؛ لدخولهما على العمل، فلزمه أن يفي بمقتضى العقد، وللآخر الفسخ إن امتنع أو لم يمتنع، كما في الإقناع وشرح المنتهى.
(٦) شركة المفاوضة، وهي قسمان: (القسم الأول) صحيح، وهو نوعان: [النوع الأول]: (أن يشتركا في كل أنواع الشركة السابقة): العِنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان، وذكره الماتن بقوله: أن يفوض كلٌّ إلى صاحبه كل تصرف ماليّ، أي: في البيع والشراء وغير ذلك، فيصح؛ لأن هذه الشركات صحيحة بانفرادها فصحت مجتمعة.
[ ٤٣٤ ]
فيها كسبًا نَادرًا (^١).
_________________
(١) [النوع الثاني]: أن يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما، ولا يُدخلا فيها كسبًا نادرًا كميراث ووجدان لقطة وركاز، ولا يُدخلا فيها أيضًا غرامة كضمان غصب، وقيمة متلف، وأروش جنايات كضمان حوادث السيارات. (القسم الثاني): كالنوع الثاني؛ لكن يدخلان فيها كسبًا نادرًا لهما أو لأحدهما كما لو ورث أحدهما شيئًا شاركه الشريك الآخر، وكذا لو أدخلا فيها غرامة عليهما أو على أحدهما كما لو غصب أحدهما شيئًا ضمنه معه شريكه؛ فتفسد؛ لأنه عقد لم يأت الشرع بمثله، ولما فيه من الغرر، ولأنه قد يلزم فيه ما لا يقدر الشريك على القيام به. (تتمة) وحيث فسدت فلكل منهما ربح ماله وأجرة عمله، وما يستفيده له، لا يشاركه فيه غيره؛ لفساد الشركة، ويختص بضمان ما غصبه أو جناه إن ضمنه عن الغير. (تتمة: حكم التأمين) يتخرج على القسم الثاني الفاسد تحريم التأمين على حوادث السيارات ونحوها، وله ثلاث صور: الصورة الأولى: أن تكون الشركة منعقدة فقط لتأخذ أموالًا من الناس لتضمن حوادثهم فقط بدون نشاط آخر، فهذه محرمة؛ لأنها مبنية على دفع أرش الجناية بالسيارات - وهي حوادث السيارات - وهذا غرامة، فالشركة هنا وسيط بين الصادم المخطئ والمصدوم، وهذا فيه غرر عظيم على الشركة؛ لأنها قد تتحمل أروشًا لحوادث تعجز عنها، وفيها غرر على العميل الذي يدفع قسطًا سنويًا، وقد تمر عليه سنة كاملة ولا يحصل له حادث. الصورة الثانية: أن تنعقد الشركة على تجارة فعلية، ولها أرباح توزع على الشركاء، ويُدخلون فيها ما يحصل لأحد الشركاء من غرامات بسبب حادث سيارته، فهذه شركة محرمة أيضًا، وهي داخلة تحت القسم الثاني الفاسد. الصورة الثالثة: أن يتفق مجموعة على دفع مال شهري أو سنوي يجتمع منه رأس مال، ويجعلونه صندوقًا تؤدى منه غرامات الحوادث، فالذي يظهر: جواز ذلك، والعقد فيها غير لازم، فيجوز لأحد الشركاء أن يخرج منها في أي وقت، وتجب على كل شريك زكاة ماله فقط، ولا أثر للخلطة هنا، ثم لا يخلو الحال:
(٢) إن قرروا الرجوع بما فوق نصيب الشريك في الصندوق، فهي ضمان، وقد قال في الإقناع وشرحه في باب الضمان: «ويصح ضمان أرش الجناية، نقودًا كانت) الأروش (كقيم المتلفات، أو حيوانًا كالديات)؛ لأنها واجبة أو تؤول إلى الوجوب) انتهى. والضمان يكون لشيء وجب أو سيجب على الغير، والحادث يترتب عليه أرش عيب ألحقه الصادم بالمصدوم.
(٣) وإن لم يقرروا الرجوع فهي صدقة لا تلزم إلا بالقبض، والله أعلم. (بحث يحتاج لتحرير)
[ ٤٣٥ ]
وَكُلُّهَا جَائِزَة وَلَا ضَمَان فِيهَا إلا بتعدٍّ أو تَفْرِيط (^١).
_________________
(١) فالشركات الخمس كلها جائزة شرعًا، وهي أيضًا عقود جائزة غير لازمة فلكل فسخها، ولا يضمن أحد الشركاء ما تلف عنده إلا إذا تعدى أو فرط. (تتمة) مبطلات الشركة: قال في الإقناع وشرحه: «والشركة) بسائر أنواعها (عقد جائز) من الطرفين؛ لأن مبناها على الوكالة والأمانة (تبطل بموت أحد الشريكين، و) بـ (ـجنونه) المطبق، (و) بـ (ـالحجر عليه لسفه) أو فلس أو فيما حجر عليه فيه، (وبالفسخ من أحدهما)، وسائر ما يبطل الوكالة).
[ ٤٣٧ ]