والشروطُ فِي البيعِ ضَرْبَان:
صَحِيحٌ (^٢): كَشَرط رهنٍ وضامنٍ وتأجيلِ
_________________
(١) الشروط في البيع تكون من المتعاقدين، بخلاف شروط البيع المتقدمة، فإنها من وضع الشارع. (فرق فقهي) والشروط في البيع في المذهب تنقسم إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة. ويعتبر - على المذهب - كون الشرط مع العقد أو بعده في زمن الخيارين: خيار المجلس وخيار الشرط، فلا يصح قبل العقد، فلو اشترط المشتري على البائع سيارة بصفة معينة ثم اشتراها منه بعد يومين، فلا يُلزم البائع بالشرط ما لم تُذكر في خيار المجلس - وهو مجلس العقد كما سيأتي - أو خيار الشرط، أما النكاح فبخلاف ذلك، فإن الشروط التي يُتفق عليها قبل عقد التزويج مُلزِمة كتبت أو لم تكتب. (فرق فقهي)
(٢) الشروط الصحيحة ثلاثة أنواع: (النوع الأول) شرطُ ما يقتضيه البيع وهو- كما قاله البهوتي -: (ما يطلبه البيع بحكم الشرع)، أي: ما وضعه الشارع في عقد البيع وطلبه. ومثاله: أن يشترط المشتري على البائع أن يتصرف في المبيع -بعد قبضه - كما شاء، فذلك من مقتضيات البيع، ولهذا لم يذكر كثيرٌ من العلماء هذا النوع في مؤلفاتهم، ومنهم الماتن هنا.
[ ٣٣٩ ]
ثمنٍ (^١)، وكشرطِ بَائِع نفعًا مَعْلُومًا فِي مَبِيعٍ كسكنى الدَّارِ شهرًا ومُشْتَرٍ نفعَ بَائِعٍ كحملِ حطبٍ أو تكسيرِه (^٢)، وإن جمع بَين شرطين بَطلَ البيعُ (^٣).
وفاسدٌ (^٤): يُبطلهُ، كَشَرطِ عقدٍ آخر من قرضٍ وَغَيرِهِ (^٥)، أو مَا يُعلِّق
_________________
(١) (النوع الثاني) ما كان من مصلحة العاقد، وهو قسمان، اقتصر المؤلف على أوَّلهما:
(٢) اشتراط صفة في الثمن: كأن يشترط البائع على المشتري رهنًا معينًا إذا كان الثمن مؤجلًا، أو يشترط عليه ضامنًا معينًا.
(٣) اشتراط صفة في المبيع: كأن يشترط المشتري كونَ العبد كاتبًا أو صانعًا.
(٤) (النوع الثالث) أن يشترط البائع نفعًا معلومًا في المبيع: كأن يشترط البائعُ أن يسكن البيتَ المبيعَ شهرًا، أو يشترط المشتري نفعَ بائعٍ في المبيع، بشرط كون النفع المشترط معلومًا، كحمل الحطب ونحوه. فإن شرط أحدهما نفعًا في غير المبيع لم يصح - كما صرح به البهوتي في شرح المنتهى -، كما لو قال للبائع: أشتري منك هذا الحطب بشرط أن توصل ابني إلى البيت، فلا يصح.
(٥) المراد: يبطل البيع إن جمع بين شرطين من النوع الثالث فقط، كأن يشتري الحطب ويشترط تكسيره وحمله، أو يشتري الثوب ويشترط خياطته وتفصيله، والدليل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ مرفوعا: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع»، رواه أبو داود والترمذي. أما النوع الأول والثاني، فيصح العقد حتى لو اشترط منهما مئة شرط.
(٦) قال في الإقناع: (فاسد يحرم اشتراطه)، وهو ثلاثة أنواع أيضًا: نوعان يعودان على أصل العقد بالإبطال، ونوع فاسد في نفسه لكنه لا يفسد البيع.
(٧) هذا (النوع الأول) من الشروط الفاسدة التي تكون فاسدة في نفسها، وتفسد العقد. ومثاله: أن يقول للمشتري: أبيعك بشرط أن تقرضني خمسين ألفًا، أو يقول له: بعتك هذه العمارة على أن تؤجرني أرضك، فلا يصح العقد. أما الجمع بين عقدين بدون شرط كقوله: بعتك وأجرتك بخمسين ريالًا، فيصح. فالحنابلة يحملون النهي في الحديث: «نهى عن بيعتين في بيعة» الذي رواه الترمذي والنسائي، على اشتراط عقد في عقد آخر، بخلاف ابن القيم ﵀، فإنه يحمله على بيع العينة.
[ ٣٤٠ ]
البيعَ كبعتُك إنْ جئتني بِكَذَا أو رَضِي زيدٌ (^١).
وفاسدٌ لَا يُبطلهُ (^٢)، كَشَرطِ أن لَا خسارةَ (^٣)، أو مَتى نَفَقَ وإلا
_________________
(١) (النوع الثاني) تعليق البيع على شرط مستقبل: فلا يصح العقد، كأن يقول البائع أو المشتري: بعتك إذا جاء رمضان أو قبِلتُ إذا جاء رمضان؛ لأن الأصل في العقود التنجيز، أي: الفورية. ويستثني الحنابلة في التعليق مسألتين: (المسألة الأولى) التعليق على المشيئة، فيقول البائع: بعتك إن شاء الله، أو يقول المشتري: قبلتُ إن شاء الله؛ فيصح البيع. (المسألة الثانية) بيع العَرَبُون - بفتح العين والراء -، فيصح على المذهب بأن يقول المشتري أو المستأجر- بعد أن يعقد معه عقد البيع أو الإجارة ويدفع الثمن أو الأجرة -: إن أخذتُه، أو جئتك بالباقي، وإلا فما دفعته يكون لك، والصواب: أن بيع العربون ليس مستثنى من التعليق؛ لأنه تعليق فسخ لا عقد، وتعليق الفسخ جائز في كل العقود إلا الخلع. والله أعلم.
(٢) (النوع الثالث) وهو الشرط الذي ينافي مقتضى البيع، فيَفسُد الشرط، لكن البيع صحيح.
(٣) أي: يقول المشتري للبائع: أشتري منك هذه السلعة بشرط ألا أخسر فيها إن بعتها.
[ ٣٤١ ]
رَدَّه (^١) وَنَحْوِ ذَلِك (^٢).
_________________
(١) أي: متى راج واشتراه الناس وإلا رددتُه عليك.
(٢) كشرط أن لا يقِفه، أو لا يبيعه، أو لا يهبه. (تتمة) هل يجوز الإقدام على العقد بمثل هذه الشروط الفاسدة؟ فهل يجوز مثلًا أن يشتري شاة من شخص اشترط عليه أن لا يذبحها، فيجيبه إلى شرطه، ثم إذا تم العقد ذبحها؟ هذا جائز عند الحنابلة؛ للدليل الصريح الصحيح، وهو ما جاء في قصة بريرة ﵂ لما اشترط أهلها أن يبيعوها بشرط فاسد، وهو أن يكون الولاء لهم، فقال النبي ﷺ لعائشة ﵂: «اشتريها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق»، ثم قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط»، متفق عليه. ومن أمثلة ذلك: من يبيع كتابًا أو برنامجًا ويشترط عدم نسخه، فللمشتري النسخ ولو وافق على الشرط عند العقد. وقد يناقِشُ في هذا مَنْ جعل نشرَ الحقوق الفكرية ملكًا خاصًا بصاحبها فقط، والحنابلة - مع قولهم بفساد الشرط في هذا النوع - يقولون: من فات غرضه بفساد الشرط ولو كان عالمًا بفساده فله أن يفسخ. ويُشكل عليه أن هذه الشروط فاسدة، فكيف يرتبون عليها أحكامًا؟ ويرى شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين أن الشرط إن كان فيه غرض صحيح للمشترط، فهو صحيح ملزم. ومما له علاقة بهذه الشروط الإيجار المنتهي بالتمليك: فالحنابلة - وهو قول الجمهور - يجعلون العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر لا يضمنها إلا إن تعدى أو فرّط. أما أصحاب الإيجار المنتهي بالتمليك فيشترطون كونَ التأمين - أي: الضمان - على المستأجر، فيأخذون منه مبلغًا مقابل هذا التأمين، وهنا يظهر الإشكال في هذا العقد، وهذا الشرط ملزم لا يمكن التخلص منه، فلو حصل حادث للسيارة فعلى المستأجر بالتأمين الذي دفعه سابقًا. فهل يجوز الإقدام على هذا العقد أو لا؟ يحتاج إلى تأمل.
[ ٣٤٢ ]
وإن شَرط الْبَرَاءَةَ من كل عيبٍ مَجْهُولٍ لم يبرأ (^١).
_________________
(١) والمراد: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذه السلعة واشترط عليك أن تبرئني من كل عيب أجهله، فالمذهب: أنه لا يبرأ إن وجد المشتري بالسلعة عيبا، ولو كان حصول العيب بعد العقد وقبل التسليم، وحينها يكون للمشتري الفسخ بالعيب سواء كان العيب ظاهرًا - ولم يعلمه المشتري - أو باطنًا. وإن سمى البائعُ العيبَ للمشتري، أو أبرأه المشتري بعد العقد من العيب، أو من كل عيب، فإنه يبرأ ولو لم يوقفه على هذا العيب على ظاهر التنقيح والمنتهى والغاية، خلافًا للإقناع الذي اشترط - حتى يَبْرَأَ البائعُ من العيب - أن يوقف المشتريَ على العيب. (مخالفة)
[ ٣٤٣ ]