وَالغَصْبُ كَبِيرَةٌ (^٢)، فَمن غصب كَلْبًا يُقتنى أو خمر ذمِّيٍّ مُحْتَرمَةً
_________________
(١) الغصب لغة: أخذ الشيء ظلمًا، وهو شرعًا: استيلاءُ غيرِ الحربي على حق غيرِه قهرًا بغير حق، والمراد بالاستيلاء: ما عُد استيلاءً عرفًا، أما قولنا: قهرًا بغير حق: فيخرج به السرقة والاختلاس قال الشيخ منصور في الكشاف: (ويدخل في الحد ما يُؤخذ من الأموال بغير حق كالمكوس)، فهي من الغصب المحرم، وهو قول شيخ الإسلام، والمكوس: هي الأموال التي تؤخذ على المسلم مقابل تجارته أو في بيعه وشراءه في بلاد المسلمين، فتحرم؛ لأن المسلم إنما يُؤخذ من ماله الزكاة فقط، قال في الإقناع وشرحه في كتاب الجهاد: «ويحرم تعشير أموال المسلمين، والكلف التي ضربها الملوك على الناس) بغير طريق شرعي (إجماعًا»، وقال في لسان العرب: (والمَكْس: الجباية وهي: دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق في الجاهلية)، وفي المصباح المنير: (المكس: الجباية وقد غلب استعمال المكس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلمًا عند البيع والشراء)، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة صاحب مكس)، رواه أحمد وأبو داود.
(٢) أي: من كبائر الذنوب، فلا يكفَّر إلا بالتوبة، والدليل على تحريم الغصب الكتاب والسنة والإجماع، أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾ [البقرة، ١٨٨]، وقوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء، ٢٩]، ومن السنة قوله ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، متفق عليه.
[ ٤٦٤ ]
ردهما (^١)، لَا جلدَ ميتَةٍ (^٢).
وإتلافُ الثَّلَاثَة هَدَرٌ (^٣).
وإن استولى على حرٍّ مُسلمٍ لم يضمنْهُ (^٤)
بل ثِيَابَ صَغِيرٍ
_________________
(١) أي: من غصب كلبًا يجوز اقتناؤه ككلب صيد، أو خمر ذمي محترمة - بأن سترها عن المسلمين - ردهما، والحكم مبهم هنا، وقد بيّنه الإقناع بأن ردهما واجب.
(٢) فلا يجب أن يرد جلد الميتة إذا غصبه؛ لأنه لا يطهر بالدباغ، فلا قيمة له، والقول الثاني يجب رده وهو القياس لأنه ينتفع به في اليابسات قال البهوتي في الكشاف: (واختار الحارثي: يجب رده حيث قلنا ينتفع به في اليابسات؛ لأن فيه نفعا مباحا كالكلب المقتنى وصححه في تصحيح الفروع وهو القياس وقطع به ابن رجب واختاره أيضا الموضح وقال: وصرحوا بوجوب رده في الإقرار بالمجمل).
(٣) أي: فإن أتلف الثلاثة المتقدمة لم يضمنها؛ لأنها ليست لها قيمة.
(٤) قال صاحب كشف المخدرات: (ولم يقيده في الإقناع والمنتهى وغيرهما بالمسلِم، انتهى)، وهذا صحيح، ففي الإقناع والمنتهى أنيط الحكم بالحرية دون الإسلام؛ فإن استولى على الحر فمات لم يضمنه مسلمًا أو ذميًا، صغيرًا أو كبيرًا. (مخالفة الماتن) والاستيلاء على الحر: بأن يحبسه ولم يمنعه الطعام والشراب.
[ ٤٦٥ ]
وحُليَّهُ (^١)
وإن اسْتَعْملهُ كُرْهًا أو حَبَسَه فَعَلَيهِ أُجرتُه كقِنٍّ (^٢).
وَيلزمُهُ رَدُّ مَغْصُوبٍ بِزِيَادَتِهِ (^٣). وإن نَقَصَ لغير تَغَيُّرِ سِعْرٍ فَعَلَيهِ أرشُهُ (^٤).
وإن بَنَى أو غَرَسَ لزمَه قَلْعٌ، وأرشُ نَقصٍ، وتسويةُ أرْضٍ، والأجرةُ (^٥).
وَلَو غَصَبَ مَا اتَّجَرَ (^٦)
_________________
(١) أي: إذا استولى على صغير ضمن ما تلف من الثياب والحلي الذي عليه.
(٢) أي: وإن استعمل الغاصبُ الحرَّ - بخدمة أو خياطة أو غيرهما - مدة غصبه، أو حَبَسَهُ مدةً لها أجرة، لزمته أجرته خلال تلك المدة، كما يلزمه أن يدفع الأجرة لمنافع القن، وإن منعه العمل من غير حبس فلا يضمن منافعه.
(٣) يلزم رد المغصوب ولو كان رده بأضعاف قيمته؛ لكونه بُني عليه مَثَلًا، ويرده بزيادته المتصلة - كالسمن - والمنفصلة - كالكسب -، فيلزم الغاصب ردها. والأصل في المذهب أن الزيادة المتصلة تتبع العين دائمًا سواء في الفسوخ أو الأخذ أو الرد أو غير ذلك، أما الزيادة المنفصلة فهي للذي دفع العين، فلا يردها مع العين إلا في الغصب.
(٤) أي: إذا نقصت عينُ المغصوبِ أو تغيرت صفتُه فنقصت قيمته، فعلى الغاصب أرش النقص، أما إذا نقص سعره ولم تتغير عينه ولا صفته فلا شيء عليه إلا رد المغصوب فقط، قالوا: والفائت إنما هو رغبات الناس.
(٥) إذا بنى الغاصب في الأرض أو غرس لزمه أربعة أمور: ١ - قلع البناء والغرس، ٢ - وأرش النقص الذي يلحق الأرض بسبب تصرف الغاصب فيها، ٣ - وتسوية الأرض، ٤ - والأجرة مدة مقامه في الأرض.
(٦) وهذا فيما يحصّله الغاصب بسبب المغصوب؛ فلو غصب شيئًا واتجر به فربح، فإن الربح يكون لمالك المال لا للغاصب.
[ ٤٦٦ ]
أو صَاد (^١) أو حَصَدَ بِهِ فمهما حَصَلَ بذلك فلمالكه (^٢).
وإن خلطه بِمَا لا يتميز (^٣)
أو صَبغَ الثَّوْبَ فهما شريكان بِقدرِ
_________________
(١) أي: لو غصب جارحًا فصاد به شيئًا، فإن الصيد يكون لمالك الجارح.
(٢) أي: لو غصب منجلًا وحصد به شيئًا فهو لمالك المنجل، وقد خالف المذهب في هذه المسألة، فالمذهب: أن ما يحصله الغاصب بسبب المنجل المغصوب فهو له، وعليه أجرته مدة بقائه عنده؛ وذلك لحصول الفعل من الغاصب. (مخالفة الماتن) وفي إحدى النسخ التي ضبطت بخط المصنف: (وما حصد به فعليه أجرته)، ولم يذكر حكم الصيد بالمغصوب قبل ذلك، وعلى هذه النسخة لا مخالفة.
(٣) فلو غصب زيتًا فخلطه بزيت آخر بحيث لا يتميز حق الغاصب من المغصوب منه فهما شريكان بقدر ملكيهما. وكلام الماتن فيه إجمال، والمذهب في هذه المسألة فيه تفصيل: إن خلط الغاصبُ المغصوب بما لا يتميز فلا يخلو: أ- إن كان المخلوط مثل المغصوب جودة - كزيت زيتون خلطه بزيت زيتون مثل المغصوب في الجودة - فيلزم الغاصب للمالك مثل ما غصبه من ذلك الخليط. ب- وإن خلطه بدونه أو خير منه، أو خلطه بغير جنسه، فهما شريكان بقدر ملكَيهما، فيُباع ويدفع إلى كل واحد قدر حقه كاختلافهما من غير غصب. وأما إن خلط الغاصبُ المغصوبَ بما يتميز عنه - كحنطة بشعير -، فيلزم الغاصب تخليصه من ذلك المخلوط معه إن أمكنه، وإلا فعليه مثله. والله أعلم. (بحث) (تتمة) يقرر العلماء تحريم تصرف الغاصب في المختلط بقدر حقه فيه بلا إذن المغصوب منه، ويحرم أيضًا إخراج قدر الحرام من المختلط بدون إذن المغصوب منه؛ لأنه اشتراك، وهذا إن عرف ربه، وإلا تصدق به عنه، وما بقي فهو حلال. وإن شك في قدر الحرام تصدق بما يعلم أنه أكثر منه نصًا. الكشاف ٩/ ٢٦١، وشرح المنتهى ٤/ ١٤١.
[ ٤٦٧ ]
مِلكيهما (^١)، وإن نقصت القيمَةُ ضمِنَ (^٢).
_________________
(١) أي: لو غصب ثوبًا وصبغه الغاصب من صبغه، فهما إذَن شريكان بقدر ملكيهما، فيجب أن يباع الثوب ويقسم الثمن عليهما بحسب ملكيهما. وإنما يكون الغاصب والمغصوب منه شريكين في الثوب بحسب ملكيهما إن لم تزد القيمة ولم تنقص، فإن زادت فلصاحبها.
(٢) أي: إذا نقصت قيمة الزيت بعد خلطه أو نقصت قيمة الثوب بعد صبغه، فإن الغاصب يضمن النقص؛ لأنه حصل بتعديه، وإن كان النقص بسبب تغير الأسعار لم يضمنه، كما ذكره البهوتي في الكشاف ٩/ ٢٦٢.
[ ٤٦٨ ]