وكل مَا صَحَّ بَيْعه صَحَّ قرضُه (^١)
_________________
(١) فكل ما صح أن يجري فيه البيع يصح أن يُقرض. والقرض لغة - بفتح القاف، وحُكي كسرها -: القطع، وشرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله. ويصح بلفظ: القرض، والسلف، وكل ما أدى معناهما. ولابد في انعقاده: من قبول المقترض، ولا يتم عقد القرض إلا بالقبول. وحكمه: مندوب في حق المقرِض، ومباح في حق المقترض، وأحيانًا يستحب الاقتراض كما في الأضحية والعقيقة. وليس القرض من المسألة المكروهة، وقد مات الرسول ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي، رواه البخاري، فدل على أنه ﷺ كان يقترض. ومتى يلزم القرض؟ لا يلزم القرض إلا بالقبض، فلا يكون لازمًا في حق المقرض بمجرد القول. (تتمة) قرض المنافع: كلام المصنف يشمل صحةَ قرضِ المنافع؛ لأنه قال: (كل ما صح بيعه صح قرضه)، فدخل فيه المنافع، وهو ما اختاره شيخ الإسلام، وقد أشار له الإقناع والغاية هنا، ومثاله: أن يعمل شخص عند آخر في مزرعته يومًا، ثم يعمل الثاني في مزرعة الأول في يوم آخر. والمذهب اشتراط كون الشيء المقترض عينًا، فلا يصح قرض المنافع، ففي عبارة المؤلف قصور إن لم تكن مخالفة للمذهب، وأصح منها عبارة المنتهى والإقناع: (ويصح في كل عين إلا بني آدم)، وصرح الإقناع - وتبعه الغاية - فقال: ولا يصح قرض المنافع. (مخالفة الماتن).
[ ٣٨٧ ]
إلا بني آدم (^١).
_________________
(١) أي: الرقيق، فلا يصح قرضه مع أنه يصح بيعه. (تتمة) شروط صحة القرض ستة: ١ - أن يكون المقرَض عينًا، ٢ - أن يصح بيعه، ٣ - أن يُعلم قَدره، بخلاف المبيع، (فرق فقهي) ٤ - أن يُعلم وصفه، ٥ - أن يكون المقرِض ممن يصح تبرعه، ٦ - أن يكون للمقترض ذمة تتحمل الديون، فلا يصح قرض الجهات كبيت المال والمدارس والمساجد؛ فلو أقرض مسجدًا مبلغًا لبنائه مثلًا على أن يستوفي حقه من التبرعات المستقبلة لم يصح؛ لأنه لا تمكن مطالبته عند عدم الوفاء. والقول الثاني في المذهب: صحة قرض الجهات التي ليست لها ذمة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، وأمره أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين والأبعرة إلى خروج المصدق، رواه أبو داود، أي: أخذ البعير من المقرِض على أن يرد له بعيرين إذا أتت إبل الزكاة، ذكر ذلك الشيخ منصور في شرحه، وكأنه مال إليه. (تتمة) تأجيل القرض: تأجيل القروض ليس بلازم على المذهب، بل يحرم تأجيله، والمراد يحرم الإلزام بتأجيله؛ لأنه إلزام بما لا يلزم قاله في الإقناع، ويثبت بدل القرض في ذمة المقترض حالًا ولو اتفقا على تأجيله؛ فلو قال المقرض للمدين: أقرضك هذا المال على أن تعطيني بدله بعد سنة، فله أن يطالبه به قبل ذلك؛ لأنه محسن، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة، ٩١]، والإلزام بالتأجيل مشقة وعنت عليه. وأما الدَّين غير القرض فيصح تأجيله، والدَّين يشمل القرض، وقيمة المتلف، وثمن المبيع وغير ذلك، فهو أعم من القرض، فمن اشترى سيارة على أن يدفع ثمنها بعد شهر لم يكن للبائع أن يطالبه به قبل ذلك.
[ ٣٨٨ ]
وَيجب ردُّ (^١) مثلِ فلوسٍ (^٢) ومكيلٍ وموزونٍ، فإن فُقِد فَقيمتُه يَوْمَ فَقدِه (^٣) وَقِيمَةُ غَيرهَا يَوْمَ قَبضه (^٤).
_________________
(١) يُملك الشيء المقرض بقبضه، فلا يلزم المقترض أن يرد عينه بل يثبت بدله في ذمته. وللمقرض مطالبة المقترض ببدله في الحال، لكن إن رد المقترض عينه فلا يخلو: ١ - إن كان القرض مثليًا، فيلزم المقرض قبوله - ولو تغير سعره كما في الإقناع - ما لم يتعيب، ٢ - وإن كان قيميًا، فلا يلزم المقرض قبوله، وله المطالبة بقيمة ما أقرضه، ولو رضي المقترض بالقيمي.
(٢) الفلوس: كل معدن استخدم للبيع والشراء سوى النقدين، وفيها تفصيل: إن كان السلطان لم يحرم المعاملة بها فيجب رد مثلها غلت أو رخصت أو كسدت، وإن حرمها السلطان فيجب رد قيمتها. ووجوب رد مثلها إذا لم يحرم السلطان المعاملة بها من المسائل المشكلة في المذهب حيث حُكم هنا برد المثل في الفلوس. و(المثليّ) في المذهب هو: كل مكيل وموزون لا صناعة فيه مباحة ويجوز فيه السلم، والقيمي: هو ما عدا المثلي: فكل ما ليس مكيلًا ولا موزونًا فهو قيمي. والفلوس معدن موزون خرج بالصناعة من الوزن إلى العد، وقد تقدم في باب الربا أن الفلوس ليست ربوية؛ لأن الصناعة أخرجتها من الموزونات إلى المعدودات، فيختلف حكم الفلوس باختلاف الباب، وهذا إشكال في المذهب. وقوله: (رد مثل): فلا يجب رد عين المقرض، وإنما يثبت بدله في ذمة المقترض.
(٣) وفي الإقناع: (وسواء زادت قيمة المثل عن وقت القرض أو نقصت)؛ فمن اقترض صاعًا من البر مثلًا وجب عليه رد مثله، فإن فُقد هذا المثل وجبت عليه قيمته يوم فقده.
(٤) أي: غير الفلوس، وغير المكيلات والموزونات تُرد قيمتها يوم قبضها؛ فلو اقترض سيارة مثلًا لم يلزمه رد السيارة، بل قيمتها .. وقد تبع المؤلف هنا الإقناع، وتابعه صاحب الغاية - وقال: (خلافًا للمنتهى) -: في أنه لو كان القرض قيميًا، فالواجب رد قيمته يوم قبضه مطلقًا سواء كان جواهر أو غيرها. أما المنتهى فقد فصل في هذه المسألة: ١ - إن كان القرض مما يصح السلم فيه وينضبط بالصفة كالمعدود والمذروع، فترد قيمته يوم القرض، ٢ - وإن كان مما لا يصح السلم فيه لكونه لا ينضبط بالصفة كالجواهر ونحوها مما تختلف قيمته كثيرًا في الزمن اليسير، فالواجب رد قيمته يوم قبضه. وما ذهب إليه المنتهى هو المذهب؛ لأنه هو ما مشى عليه في التنقيح والإنصاف، وقال: (جزم به في المغني والشرح والكافي والفروع وغيرهم)، وقد صرف البهوتي كلام الإقناع إلى ما في المنتهى والتنقيح. (مخالفة الماتن)
[ ٣٨٩ ]
وَيحرم كلُّ شَرطٍ يجر نفعًا (^١)، وإن وَفَّاه أجودَ أو أهدى إليه هَدِيَّةً بعد وَفَاءٍ بِلَا شَرطٍ فَلَا بأس (^٢).
_________________
(١) أي: كل شرط في القرض جر نفعًا فهو حرام ولا يصح، كأن يشترط المقرضُ على المقترض أن يسكنه داره مجانًا، أو بأرخص من العادة.
(٢) فإذا رد أجود مما اقترض، أو أهدى إلى المقرض هدية بعد الوفاء جاز بشرطين: ١ - ألا يكون بشرط سابق من أحدهما بذلك ٢ - وبشرط ألا يكون هناك مواطأة؛ ومما يدل على الجواز قول النبي ﷺ: «خيار الناس أحسنهم قضاءً» رواه مسلم. (تتمة) يجوز أن يدفع شخص جُعلًا لمن اقترض له بجاهه، قال في الإقناع وشرحه: «ولو جعل) إنسان (له) أي: لآخر (جُعلًا على اقتراضه له بجاهه جاز)؛ لأنه في مقابلة ما يبذله من جاهه فقط). وهل يجوز أن يؤدي عن غيره دينًا بجُعل؟ لا يخلو: أ- إن أعطاه مالًا ليؤديه عن دين عليه بمقابل، فهي وكالة، وتصح بجُعل، قال في الإقناع في الوكالة: (ويجوز التوكيل بجعل معلوم، وبغير جعل). ب- وإن قال له: أدِّ عني ديني، فقال المقول له: لا إلا بزيادة، فالظاهر: التحريم؛ لأنه في الحقيقة قرض، فالمقول له أقرض القائلَ، ثم رد القائلُ هذا القرض بزيادة، فيكون قرضًا جرَّ منفعة، قال البهوتي في الكشاف: (إذا أخذ عوضًا في القرض، صار القرض جارًّا للمنفعة، فلم يجز). والضابط: من أدى عن غيره - بإذنه - دينًا بنية الرجوع فهو إقراض له، فلا يجوز أن يرجع بأكثر مما أدى. والله أعلم.
[ ٣٩٠ ]