واللقطةُ ثَلَاثَةُ أقسام:
مَا لَا تتبعُهُ همةُ أوساط النَّاس (^٢):
_________________
(١) اللقطة لغة - بفتح اللام والقاف -: اسم للملتقط، وهي اصطلاحًا: مال أو مختص - ككلب وجلد ميتة - ضل عن ربه، يلتقطه غيرُ ربه.
(٢) اللقطة ثلاثة أقسام: (القسم الأول) ما يجوز التقاطه ويُملك إن لم يعلم صاحبه، وهو ما لا تتبعه همة أوساط الناس، أي: لا يهتمون بطلبه لو ضاع منهم، فالعبرة في ذلك بأوساط الناس، لا بالبخيل الذي يغتم بفقدان أدنى الأشياء، ولا بالكريم الذي لا يبالي بضياع المال الكثير، ولم أقف على تفسير لـ (أوساط الناس) إلا في حاشية الروض المربع لابن قاسم حيث قال: (وعبر بأوساط الناس لأن أشرافهم لا يهتمون بالشيء الكبير وأسقاطهم قد تتبع هممهم الرذل الذي لا يؤبه له)، والشيخ ابن عثيمين في الممتع قال: (هل المراد أوساط الناس بالمال أو أوساط الناس بالشح، أو بهما جميعًا؟ الجواب: بهما جميعًا، يعني أن أوساط الناس الذين ليسوا من الأغنياء ولا من الفقراء، ولا من الكرماء الذين لا يهتمون به، ولا من البخلاء، فالبخيل همته تتبع حتى قُلامة الظُّفْر .. إذًا أوساط الناس خُلُقًا ومالًا، خلقًا يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء).
[ ٤٨٩ ]
كرغيفٍ (^١) وَشِسْعٍ (^٢) فَيُملَكُ بِلَا تَعْرِيف (^٣).
الثَّانِي: الضوالُّ الَّتِي تمْتَنعُ من صغَارِ السبَاع (^٤): كخيلٍ، وإبلٍ، وبقرٍ، فَيحرمُ التقاطُها، وَلَا تملك بتعريفِها (^٥).
_________________
(١) أي: رغيف من الخبز ضاع من شخص.
(٢) وهو أحد سيور النعل.
(٣) فمن أحكام هذا القسم: ١ - أنه يُملك بأخذه، ٢ - ولا يجب تعريفه. والأفضل مع ذلك أن يتصدق به، كما في الإقناع. وقوله: فيُملك: مقيد بعدم معرفة صاحبه، وإلا وجب رده إليه ولو كان شيئًا تافهًا، فإن وجد ربه بعد أن استهلكه لم يلزمه بدله.
(٤) (القسم الثاني) ما يحرم التقاطه ولا يُملك، وهي الضوال التي تمتنع وتحمي نفسها من صغار السباع كالأسد الصغير. والضوال - كما في المطلع -: جمع ضالة، قال الجوهري: لا يقع إلا على الحيوان، فأما الأمتعة فيقال لها: لقطة. انتهى كلام المطلع.
(٥) أحكام هذا القسم من اللقطة: ١ - أنه يحرم التقاطها؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، متفق عليه. ويستثنى من ذلك: الإمام ونائبه، فلهما أخذها لحفظها لربها. ٢ - ولا تملك بتعريفها، ولو عرّفها ملتقطها عشر سنين؛ لأنه يحرم التقاطها. ٣ - وإذا التقطها ضمنها - إذا تلفت - كالغصب، أي: سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط، ولم يذكره المؤلف، ولا يبرأ من الإثم والضمان إلا إذا سلمها للحاكم أو نائبه، أو ردها إلى مكانها بإذن الحاكم. (تتمة) يُلحِق الحنابلة بهذا القسم القدورَ والآلات والأخشاب الكبيرة كالتي تضعها الشركات في البرّ لمشاريعها، فهذه ليست بلقطة، فلا تلتقط ولا يجوز تملكها، وهي أَولى بعدم جواز التقاطها من الإبل؛ لأنها لا تتلف بطول الزمن ويطلبها أصحابها حيث تركوها؛ لكونها لا تتحرك.
[ ٤٩٠ ]
الثَّالِث: بَاقِي الأموال (^١): كَثمنٍ (^٢)، ومتاعٍ (^٣)، وغنم، وفُصلانٍ (^٤)، وعجاجيلَ (^٥)، فَلِمَنْ أَمِنَ نَفسَهُ عَلَيْهَا أخذُها (^٦).
وَيجبُ حفظُهَا (^٧) وتعريفُها فِي مجامِعِ النَّاسِ غيرِ المسَاجِدِ حولًا كَامِلًا فورا كل يوم مرة أسبوعا ثم شهرا كل أسبوع مرة، ثم مرة كل شهر (^٨)، وتُملَكُ
_________________
(١) (القسم الثالث) ما يجوز التقاطه ويملك بتعريفه شرعًا، وهو باقي الأموال.
(٢) أي: الذهب والفضة، ولو كان يسيرًا فيما يظهر.
(٣) كالثياب والفرش والآلات.
(٤) الفصلان - بضم الفاء وكسرها -: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه.
(٥) العجاجيل: جمع عجل، وهو ولد البقرة.
(٦) هذا القسم له عدة أحكام: [الحكم الأول] أنه يجوز التقاطها بشرطين: ١ - أن يأمن نفسه عليها إذا التقطها من إتلافها أو تضييعها أو تملكها قبل التعريف، ٢ - أن يقوى على تعريفها، فلا يلتقطها مَنْ ليس عنده وقت لتعريفها مثلًا. والأفضل عدم التقاطها ولو مع توفر الشرطين، ولو وجدها بمهلكة؛ لأنه قد يعجز عن تعريفها.
(٧) [الحكم الثاني] وجوب حفظها بحسب نوعها.
(٨) [الحكم الثالث] وجوب تعريفها في مجامع الناس غيرَ المساجد فيكره فيها، فينادي في الأسواق، والأعراس، وعلى أبواب المساجد، ويعرفها حولًا كاملًا فورًا. وكيفية تعريفها: أن يعرِّفها صباحَ كل يوم مدةَ أسبوع، ثم يعرفها بعد ذلك بما جرت به العادة، كما في المنتهى خلافًا للإقناع هنا وهو ما مشى عليه صاحب المتن هنا، والإعلان في الجرائد مما جرت به العادة في وقتنا، فيحصل به التعريف. (مخالفة الماتن)
[ ٤٩١ ]
بعدَهُ حُكْمًا (^١).
وَيحرُمُ تصرفُهُ فِيهَا قبل معرفَةِ وِعائِها ووكائِها وعِفاصِها وقدرِها وجنسِها وصفتها (^٢).
وَمَتى جَاءَ رَبُّهَا فوصَفَها لزم دَفعُهَا إليه (^٣).
وَمن أُخِذَ نَعلُهُ وَنَحْوُهُ وَوَجَدَ غَيرَه مَكَانَهُ فلُقَطَةٌ (^٤).
_________________
(١) [الحكم الرابع] أنها تُملك بعد الحول والتعريف حكمًا، أي: تدخل في ملكه قهرًا كالميراث، فيتصرف فيها بما شاء بشرط ضمانها لصاحبها، فإن لم يُعّرِّفْهَا لم يملكها بعد الحول.
(٢) [الحكم الخامس] يحرم تصرف الملتقط في اللقطة - بعد تملكها - قبل معرفة وعائها - وهو الكيس -، ووكائها - وهو ما يشد به الوعاء من خيط ونحوه -، وعفاصها - وهو صفة الشد ككونها عقدة أو عقدتين -، وقدرها وجنسها وصفتها، ويكتب هذه الأوصاف في ورقة. وإنما يجب ذلك: بعد أن يعرفها سَنَةً، ويسن: قبل ذلك عند وجدان اللقطة.
(٣) فبيّنةُ اللقطة وصفُها، فإنْ وَصَفَها صاحبُها دُفعت إليه، ولم يكلَّف بينة ولا يمينًا.
(٤) فيلزمه إن التقطه أن يعرفه سنة إن كان مما يعرّف، بخلاف النعال البالية ونحوها، فيعرّف النعل ونحوه - كالخف - ولو كانت قيمة نعله المفقود أكثر من قيمة الذي وجده مكانه، وإنما يأخذ حقه منه بعد تعريفه؛ لأنه لقطة، هذا هو المذهب. والقول الآخر: لا يجب التعريف إن وُجدت قرينة على السرقة؛ لعدم الفائدة فيه، وفي الإنصاف: (وهو الصواب)، ذكره هنا في شرح المنتهى، والله أعلم.
[ ٤٩٢ ]
واللَّقِيطُ طِفْلٌ لَا يُعرَفُ نسبُهُ وَلَا رِقّهُ (^١)، نُبِذَ (^٢) أو ضَلَّ إلى التَّمْيِيز (^٣).
والتقاطُهُ فرضُ كِفَايَةٍ، فَإِن لم يكن مَعَه شَيْءٌ وَتعذر بَيتُ المالِ أَنفق عَلَيْهِ عَالمٌ به (^٤) بلا رُجُوعٍ (^٥).
_________________
(١) فاللقيط لا يُعرف أبوه ولا أسرته ولا قبيلته، ولا يعرف رقه، أي: هل هو رقيق أو حر؟ فإن عُرف نسبه، أو رقه فهو لقيط لغة لا شرعًا، قاله البهوتي في الكشاف.
(٢) أي: طُرح وتُرك، ونبذه: محرم، وإنما يُنبذ غالبًا للبعد عن العار بعد فعل الفاحشة.
(٣) فبعد التمييز لا يسمى لقيطًا على المذهب، والقول الآخر عند الحنابلة: يسمى لقيطًا إلى بلوغه. وقوله: ضل: أي ضل الطريق.
(٤) لكن قبل ذلك: يقترض الحاكمُ على بيت المال لينفق على اللقيط، فإن تعذر الاقتراض عليه والأخذ منه أَنفق عليه عالمٌ به وجوبًا.
(٥) أي: لا يرجع بما أنفقه على اللقيط، وعبارة الإقناع: (مجانًا)، وفي التنقيح - بعد أن قدم عدم الرجوع -: (وقيل: إن أنفق بنية الرجوع رجع، وقدمه في الفروع، انتهى).
[ ٤٩٣ ]
وَهُوَ مُسلمٌ إن وُجِدَ فِي بلدٍ يكثُرُ فِيهِ المسلمُونَ (^١)، وإن أقَرَّ بِهِ من يُمكن كَونُهُ مِنْهُ أُلْحِقَ بِهِ (^٢).
_________________
(١) أي: يُحكم بإسلامه إن وُجد في بلد يكثر فيه المسلمون، سواء كان بلد إسلام أو بلد حرب.
(٢) فيلحق به وجوبًا - قال في الشرح الكبير: بغير خلاف بين أهل العلم - بشرطين: ١ - أن ينفرد بدعواه، رجلًا كان المدعي أو امرأة، ٢ - وأن يمكن أن يكون منه، فلا يصح أن يدعي مَنْ عمره ثمان سنوات مثلًا لقيطًا عمره خمس سنوات. والله أعلم.
[ ٤٩٤ ]