ويُحجرُ على الصَّغِيرِ وَالمجْنُونِ وَالسَّفِيهِ لحظِّهم (^١).
وَمنْ دَفَعَ إليهم مَالَه بِعقدٍ أَوْ لَا (^٢) رَجَعَ بِمَا بَقِي لَا مَا تَلِف (^٣)، ويضمنون جِنَايَةً، وإتلافَ مَا لم يُدفع إليهم (^٤).
وَمنْ بلغ رشيدًا (^٥) أو مَجْنُونًا ثمَّ عَقَل ورَشَدَ (^٦)، انْفَكَّ الحجرُ عَنهُ بِلَا
_________________
(١) ذكر المصنف في هذا الفصل الحجر لحظ النفس، ويكون في حق الصغير والمجنون والسفيه، فيمنعون من التصرف في أموالهم وذممهم.
(٢) أي: سواء دفع إليهم المال بعقد كإجارة أو بيع، أو بغير عقد كإعطائهم إياه على وجه اللعب.
(٣) فلا يضمنون ما أتلفوه من ذلك، قال في شرح المنتهى: (لأن الحجر عليهم في مظنة الشهرة).
(٤) كأن يقتل الصغير أو المجنون إنسانًا أو يتلف شيئًا لم يُدفع إليه كسيارة، فإنه يضمن. (تتمة) لو أتلف التلميذ شيئًا في المدرسة، أو مالًا لجاره فإنه يضمن من ماله إذا قُدر على مال له، وإلا بقي في ذمته إلى حين بلوغه، ولا يطالب أبوه بذلك.
(٥) وسيأتي بيان الرشد إن شاء الله.
(٦) أي: بلغ حال كونه مجنونًا، ثم عقل ورشد.
[ ٤١٨ ]
حكمٍ (^١)، وأُعطي مَاله (^٢)، لَا قبل ذَلِك بِحَالٍ (^٣).
وبلوغُ ذكرٍ بإمناء (^٤)، أو تمَامِ خمسَ عشرَة سنة (^٥)، أو بنباتِ شعَرٍ خشنٍ حولَ قُبُلِه (^٦)، وأنثى بذلك وبحيضٍ (^٧)، وَحملُهَا دَلِيلُ إمناءٍ (^٨).
_________________
(١) أي: بلا حكم حاكم؛ لأنه محجور عليه من قبل الشارع لا الحاكم، فينفك إذَن حجره بزوال سببه.
(٢) وجوبًا.
(٣) وذلك لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء، ٦]، فلا يجوز أن يعطى ماله إن لم يكن عاقلًا رشيدًا ولو صار شيخًا.
(٤) فيحصل بلوغ الذكر بأحد ثلاثة: (الأمر الأول) الإمناء: فإذا خرج منه المني سواء باحتلام أو جماع أو باستمناء بيده حُكم ببلوغه.
(٥) (الأمر الثاني) تمام خمس عشرة سنة: لحديث ابن عمر ﵄: عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، متفق عليه، ويشكل عليه أن بين أحد والخندق أكثر من سنتين، لكن كلامه قد يوجه بأنه تجاوز خمس عشرة سنة يوم الخندق.
(٦) (الأمر الثالث) أن ينبت حول قبله شعر خشن - أي: قوي -: والدليل حديث عطية القرظي ﵁: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أَنبت قُتل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيله، متفق عليه.
(٧) فتبلغ الأنثى بأحد الثلاثة الماضية، وكذا بالحيض.
(٨) فإذا حملت حكم ببلوغها، والإمناء السابق للحمل هو دليل بلوغها لا نفس الحمل، ويحكم ببلوغها منذ حملت، ويقدّر ذلك بستة أشهر قبل وضعها. (تنبيه) لا عبرة بأي شيء آخر غير علامات البلوغ الثلاث المتقدمة، قال في الإقناع وشرحه: (ولا اعتبار) في البلوغ (بغلظ الصوت، و) لا (فرق الأنف، و) لا (نهود الثدي، و) لا (شعر الإبط، ونحو ذلك) لعدم اطراده).
[ ٤١٩ ]
وَلَا يُدْفع إليه مَالُه حَتَّى يُختبر (^١)
بِمَا يَلِيق بِهِ (^٢)، وَيُؤْنسَ رشدُهُ (^٣)، وَمحلُّه قبل بُلُوغٍ (^٤)، والرشدُ هُنَا إصلاحُ المال (^٥) بأن يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ (^٦) فَلَا
_________________
(١) أي: لا يدفع إلى من بلغ رشيدًا ماله حتى يختبر بما قالوا. ولم أجد بيانًا لحكم هذا الاختبار الذي قبل الدفع، والذي يظهر لي من خلال تعليلاتهم وجوب هذا الاختبار، والله أعلم، ثم وجدته - ولله الحمد والمنة - من كلام الشيخ منصور حيث قال في الكشاف: (لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] الآية، أي: فاختبروهم، فعلّق الدفع على الاختبار والبلوغ وإيناس الرشد، فوجب اختباره بتفويض التصرف إليه). (تحرير) (تنبيه) تصرفه حال الاختبار صحيح، وإن كان الحجر لم ينفك عنه بعد.
(٢) فإن كان ابن تاجر مثلًا، فإنه يختبر بأن يشتري ويبيع مع التجار وينظر كيف يتعامل بالمال، وإن كانت أنثى اختبرت في الغزل بأجرة المثل وتوكيلها، وينظر في تصرفها في المال المتعلق به. أما الشيخ ابن عثيمين فلا يرى لزوم اختبار ابن الرجل في صنعة أبيه؛ لأنه قد يختار صنعة أخرى.
(٣) أي: يُعلم أنه قد رشد.
(٤) أي: زمن المراهقة، قبل البلوغ بيسير.
(٥) وتصرفه فيه تصرفًا صحيحًا، أما الشافعية فيشترطون للرشد صلاح الدين.
(٦) ويتكرر ذلك منه - كما في المنتهى والإقناع -، ونبه الخلوتي إلى أن المراد بالتكرر: أنه يقع ذلك منه مرات كثيرة، ولا يَصدُق بمرتين، وأن ذلك غير مراد.
[ ٤٢٠ ]
يُغبنُ غَالِبًا (^١)، وَلَا يَبْذُلُ مَالَه فِي حرَامٍ (^٢) وَغيرِ فَائِدَة (^٣).
ووليُّهم حَالَ الحجر الأب (^٤)، ثمَّ وَصِيُّه (^٥)، ثمَّ الحَاكِمُ (^٦)، وَلَا يتَصَرَّف لَهم إلا بالأحظِّ (^٧)، وَيُقبل قَوْلُه بعد
_________________
(١) أي: فلا يغبن غبنًا فاحشًا - كما في المنتهى والإقناع - في أكثر عقوده، فلا يضر لو غبن في عقد أو عقدين مثلًا.
(٢) كالقمار.
(٣) أي: ولا يبذل ماله في غير فائدة وإن لم يكن محرمًا - كما قال النجدي -، ويمثلون لذلك بشراء النفط ليحرقه ويستمتع برؤيته، ومما يشبه ذلك في وقتنا المفرقعات، لكن هل كل من يشتريها يعتبر سفيهًا؟ (تتمة) فالصلاح في المال يشمل أمرين: ١ - أن يتصرف مرارًا فلا يغبن غبنًا فاحشًا في الغالب، ٢ - وأن لا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة.
(٤) ويشترط فيه خمسة شروط: البلوغ، والرشد، والعقل، والحرية، والعدالة ولو ظاهرًا.
(٥) أي: وصي الأب - إن وُجد -.
(٦) أي: القاضي، فإن عُدم الحاكم فأمين يقوم مقامه من أم وغيرها - كما قال الشيخ عثمان - وفي الإنصاف: (وقيل: لسائر العصبة ولاية أيضا بشرط العدالة. اختاره الشيخ تقي الدين - ﵀ -) وهذا له وجهة نظر، لكن الأقرب هو المذهب؛ لكثرة من فُتن بالمال ممن انتقلت إليهم الولاية، فأخذوه ظلمًا أو بَذَّرُوه مع أن ظاهر بعضهم الصلاح.
(٧) الحكم مبهم هنا، وقد بين المنتهى أنه حرام، وعبارة الإقناع: (ولا يجوز .. الخ)، فيحرم على الولي أن يتصرف في مال المحجور عليهم إلا بما هو أنفع لهم وبما فيه مصلحة.
[ ٤٢١ ]
فك حجرٍ (^١) فِي مَنْفَعَةٍ (^٢)
وضرورةٍ (^٣) وَتلَفٍ (^٤) لَا فِي دفعِ مَالٍ بعد رُشدٍ إلا
_________________
(١) أي: يُقبل قول الولي إن اختلف مع موليه بعد فك الحجر في المنفعة.
(٢) كأن يقول الولي: بعت المال لمنفعة، فينكر موليه ذلك، فيُقبل قول الولي. والمراد من قول الماتن: (المنفعة) - كما في الروض الندي شرح كافي المبتدي -: المصلحة، وهو اللفظ الذي استعمله الإقناع - كالتنقيح - حيث قال: (ويقبل قول ولي في وجود ضرورة وغبطة ومصلحة)، وعبارة المنتهى - ونحوه الغاية -: (أو ادعى الولي وجود ضرورة أو غبطة)، وفسر النجدي الغبطة: (بالمصلحة). ومثال بيع مال الصبي للضرورة: أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو خراب ونحوه، وبيعه للغبطة: هي أن يبذل فيه زيادة كثيرة على ثمنِ مثلِه كما في الإقناع، ومثال بيعه للمصلحة: أن يبيع عقارًا له لاحتياج الصغير والمجنون إلى نفقة، أو قضاء دين، أو لكونه في مكان لا غلة فيه، أو فيه غلة يسيرة، فيبيعه ويشتري له عقارًا في مكان يكثر نفعه، والتعبير بالمصلحة يستلزم الغبطة، والله أعلم. (بحث) (تتمة) قال البهوتي: لا يشترط ثبوت ذلك - أي: وجود مصلحة لبيع عقار الولي - عند الحاكم؛ لكنه أحوط دفعًا للتهمة.
(٣) أي: يدعي الولي وجودَ ضرورة لبيع عقار المحجور، إذا لم يبعه فإنه يتلف.
(٤) أي: لو ادَّعى الوليُّ تلفَ مالِ المحجور عليه أو بعضَه؛ لأنه أمين، وإنما يقبل قول الولي بيمينه ما لم يكن حاكمًا فلا يحلف، هكذا اقتصرا عليه في الإقناع والمنتهى، وزاد في الغاية: (ويتجه، وأب. انتهى)، أي: لو كان الولي أبا، فيقبل قوله بلا يمين، ووافقه شارح الغاية. (تنبيه) يستثنى مما تقدم في قبول قول الولي: إذا خالف قولَه عادةٌ أو عرفٌ، فلا يقبل قوله؛ لمخالفته الظاهر، وزاد الإقناع: (ما لم يعلم كذبه)، قال البهوتي: (بأن كَذَّبَ الحِسُ دعواه).
[ ٤٢٢ ]
من مُتَبَرّعٍ (^١).
وَيتَعَلَّق دينُ مَأْذُون لَهُ بِذِمَّةِ سيدٍ (^٢)، وَدينُ غَيرِهِ وأرشُ جِنَايَةِ قِنٍّ وقيمُ متلفاته بِرَقَبَتِهِ (^٣).
_________________
(١) فإذا كان الولي يأخذ أجرة مقابل رعايته لموليه، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. والقاعدة: أن من قبض عينًا لغيره متبرعًا قُبِل قوله في ردها بيمينه، ولا يقبل قوله إن كان بجُعل أو أجرة إلا ببينة؛ للحديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ررواه الخمسة وصححه الحاكم.
(٢) وهذا الحكم متعلق بالعبيد، فلو أمر السيد قنه - وهو العبد الخالص العبودية - أن يستدين، فإن الدين يتعلق بذمة السيد.
(٣) فدين العبد غير المأذون له، وجنايته، وقيمة ما أتلفه يتعلق برقبته. ويُخير السيد إذَن بين ثلاثة أمور: ١ - أن يدفعه إلى صاحب الدين، أو ولي الجناية، أو صاحب المتلف، ٢ - أو يفديه بالأقل من قيمة العبد أو قيمة ما عليه، ٣ - أو يبيعه ويدفع من ثمنه بقدر ما عليه.
[ ٤٢٣ ]