وَتَصِح الْوكَالَةُ بِكُلِّ قَولٍ يدل على إذنٍ، وقبولُها بِكُل قَولٍ أو فعلٍ دَالٍ عَلَيْهِ (^٢).
_________________
(١) الوكالة لغة: التفويض، وهي شرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، وزاد بعضهم: في الحياة؛ لإخراج الوصية، والأصل فيها من الكتاب قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ الآية [الكهف، ١٩]، أما من السنة فحديث عروة البارقي ﵁ في الصحيح: (أن النبي ﷺ وكَّله في شراء شاة أو أضحية بدينار، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاء النبي ﷺ بشاة ودينار، فدعا له بالبركة، فكان لو باع ترابًا لربح فيه)، وحكى ابن حزم وابن القطان الإجماعَ على جواز الوكالة.
(٢) يشترط لصحة الوكالة ما يلي: (الشرط الأول) كون الإيجاب بقول يدل على الإذن والإنابة، كقوله: «وكلتك»، أما القبول فيصح بالقول كقوله: «قبلت وكالتك»، وبالفعل بأن يعمل ما وُكل فيه، فليس للوكالة صيغ معينة. (تتمة) هذا الذي قررته وأن الإيجاب يكون بالقول فقط هو المذهب،، واختار الشيخ ابن عثيمين صحةَ الإيجاب بالفعل كالقبول، وهو الذي مشى عليه الشيخ مرعي الكرمي في دليل الطالب وغاية المنتهى، ونقل البهوتي في شرح المنتهى عن الفروع قوله: (قال في الفروع: ودل كلام القاضي على انعقادها بفعل دال كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر كالقبول). ومثاله: أن يكون هناك دكان اعتاد الناس أن يأتوه بسلعهم فيبيعها لهم، فلو أتى شخص بسلعته إلى الدكان فوضعها بلا قول وانصرف وباعها صاحب الدكان له، فهذا توكيل بالفعل. (تحرير)
[ ٤٢٤ ]
وَشُرط كَونُهمَا جائزي التَّصَرُّفِ (^١)، وَمن لَهُ تصرفٌ فِي شَيْءٍ فَلهُ توكُّلٌ وتوكيلٌ فِيهِ (^٢).
وَتَصِح فِي كلِّ حقِ آدميٍّ، لا ظهارٍ ولعانٍ وأيمانٍ وَفِي كل حقٍّ لله
_________________
(١) (الشرط الثاني) كون كلٍّ من الوكيل والموكِّل جائزي التصرف، أي: حرًاّ مكلفًا رشيدًا.
(٢) هذا (الشرط الثالث) هو: ألا يوكل الموكِّل إلا فيما يصح أن يتصرف فيه لنفسه، وألا يتوكل الوكيل إلا فيما يصح تصرفه فيه لنفسه: فمن صح تصرفه في شيء فله أن يتوكل فيه عن غيره، وأن يوكل غيرَه فيه، ومن لا فلا، فمن صح منه البيع مثلًا صح أن يوكل غيره في البيع وأن يتوكل عن غيره فيه. ويستثنى من قولهم: ألا يوكل إلا فيما يصح تصرفه فيه بنفسه: أعمى رشيد يريد أن يشتري شيئًا يحتاج لرؤية كعقار وجوهر؛ فيصح أن يوكل من يشتريه له وإن لم يصح من الأعمى مباشرة ذلك الشراء. ويستثنى من قولهم: ألا يتوكل في شيء إلا فيما صح منه لنفسه: إذا وكل أجنبي أخ الزوجة في القبول، فالأخ لا يصح أن يقبل الزواج لنفسه من أخته بينما يصح أن يقبله لغيره، وهناك مستثنيات أخرى يُرجع لها في الشروح الطويلة.
[ ٤٢٥ ]
تدخله النِّيَابَةُ (^١).
_________________
(١) (الشرط الرابع) أن تكون الوكالة في الأشياء التي يصح فيها التوكيل: فيجوز التوكيل في كل حق آدمي كالعقود والفسوخ وتملك المباحات، ويصح أيضًا التوكيل في كل حق لله تدخله النيابة كإثبات الحدود واستيفائها، وكذا العبادات المركبة كالحج، دون العبادات المحضة كالصلاة والصوم فلا تصح الوكالة فيها، ولا تصح الوكالة فيما حكمه متعلق باللافظ ولا يصح من غيره عنه: كأن يوكل غيرَه في أن يلاعن زوجته، أو يظاهر منها، أو يحلف عنه يمينًا، ويستثنى من هذا: النكاح الطلاق فيصح التوكيل فيهما. (تتمة) (الشرط الخامس) ألا تكون الوكالة في خصومة يعلم الوكيل أو يظن أن موكِّله ظالم فيها وإلا لم تصح، ذكره ابن عقيل في الفنون، وجزم به صاحب الإقناع. (تتمة مهمة) حقوق العقد متعلقة بالموكِّل لا بالوكيل سواء كان العقد مما تجوز إضافته إلى الوكيل كالبيع والإجارة أو لا كالنكاح، ويترتب على هذه القاعدة أمور منها: ١ - أن الملك ينتقل من البائع للموكل لا للوكيل، فلا يعتق قريبُ وكيلٍ عليه، ٢ - لو أبرأ البائعُ من الثمن فإنه يكون للموكل لا للوكيل، ٣ - ومثله لو وكله في شراء شيء ووَجد الوكيلُ على السلعة تخفيضًا أو أُعطي هدية بسبب الشراء، فهي لموكله لا للوكيل، ٤ - لو حلف الموكل أنه لا يبيع حنث ببيع وكيله له. (تنبيه) مسألتان مهمتان: المسألة الأولى: مَنْ وُكِّلَّ في شراء شيء، فليس له أن يشتريه بثمن أكثر مما يبلِّغه لموكله، فإذا اشتراه بخمسين فلا يأخذ من موكله أكثر منها، بخلاف من أخبر شخصًا أن يأتيه بسلعة بخمسين على أنه بائع لا على أنه وكيل، فيجوز أن يشتريها بأربعين ويبيعها على الآخر بخمسين، لا سيما إذا كان معروفًا أنه لا يأتي بشيء إلا بعوض، فإن اختلفا فقال طالب السلعة: وكلتك، وقال الآخر: بل بعتك، فمن يقبل قوله؟ تحتاج لتحرير. المسألة الثانية: نص في الإقناع على أنه لو قال له: (بع ثوبي بعشرة فما زاد فلَكَ، صح)، فهذا مخرج لأصحاب المكاتب العقارية أن يربحوا في مال الغير بإذنه، لكن لو أمرهم ببيعها بدون الإذن المتقدم كأن يأتيه البائع ويقول لصاحب المكتب: بع أرضي بالسعر الذي تصل إليه وأخبرني عنه، فلا يجوز لصاحب المكتب أن يبيعها بخمسين مثلًا متواطئًا مع المشتري، ومظهرًا للمالك أنها بأربعين؛ لأن صاحب المكتب في الحقيقة وكيل للمالك مجانًا، وبأجرة يأخذها من المشتري على ما هو العادة، والله أعلم.
[ ٤٢٦ ]
وَهِي وَشرِكَةٌ ومضاربةٌ ومساقاةٌ ومزارعةٌ ووديعةٌ وجُعالةٌ عُقُودٌ جَائِزَةٌ لكلٍّ فَسخُهَا (^١).
وَلَا يَصح بِلَا إذنٍ بيعُ وَكيلٍ لنَفسِهِ (^٢) وَلَا شِرَاؤُهُ مِنْهَا لموكِّلِه (^٣)،
_________________
(١) والعقود من حيث لزومُها وجوازها ثلاثة أقسام: ١ - عقود جائزة من الطرفين - وهي التي ذكرها المؤلف هنا - فلكل من المتعاقدين فسخها، ٢ - وعقود لازمة من الطرفين كالبيع والإجارة، ٣ - وعقود جائزة من طرف ولازمة من آخر كالرهن. وقوله: وهي: أي الوكالة.
(٢) فلو وكل زيدٌ عمرًا في بيع سيارة مثلًا لم يصح لعمرو أن يبيعها لنفسه إلا بإذن موكِّلِه.
(٣) أي: لو وُكل في شراء شيء لم يصح أن يشتريه من نفسه لموكِّله بلا إذنه؛ لأنه خلاف العرف، وتلحقه بذلك التهمة في السعر، وإن أذن له صح، فيتولى الوكيل حينئذ طرفي العقد. أما الشيخ ابن عثيمين فيرى أن الرجل إن كان صالحًا ومبرزًا في العدالة ومشهورًا بالصلاح والأمانة فإنه يصح أن يبيع من نفسه بلا إذن الموكل، لكن الأقرب عدم الصحة؛ فإن الناس لا يوكَلُون في الأموال إلى ديانتهم وذممهم.
[ ٤٢٧ ]
وَولدُه ووالدُه ومكاتَبُه كنفسه (^١).
وإن بَاعَ بِدُونِ ثمنِ مثلٍ (^٢) أو اشْترى بأكثرَ مِنْهُ (^٣) صَحَّ وَضمن زِيَادَةً أو نقصًا (^٤).
ووكيلُ مبيعٍ يُسلِّمهُ وَلَا يقبضُ ثمنَه
_________________
(١) فلو وكل في بيع عقارٍ مثلًا لم يجز أن يبيعها لوالده أو ولده أو مكاتبه؛ لأنه متهم في حقهم.
(٢) ويرجع إلى العرف في معرفة هل باع بدون ثمن المثل أم لا، ويمثِّل الفقهاء فيما هو أقل من ثمن المثل بعشرين من مئة.
(٣) أي: من ثمن المثل كأن يُباع بمائة في العادة، فيشتريه بمئة وعشرين وأزيد.
(٤) أي: صح العقد، لكنه لو باع بأقل من ثمن المثل ضمن النقص، فيدفعه من عنده، ولو اشترى بأكثر من ثمن المثل ضمن الزيادة ويدفع تلك الزيادة من عنده. وإنما يضمن ما لا يتغابن الناس بمثله عادة، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (كعشرين من مائة، بخلاف ما يتغابن به كالدرهم من عشرة؛ لعسر التحرز منه. انتهى)، فهنا يقدرون الذي لا يتغابن الناس فيه بعشرين بالمائة، فلو باع بأقل من ثمن المثل بأقل من عشرين بالمائة صح وضمن النقص، وإن اشترى بأكثر من ثمن المثل بزيادة عشرين بالمائة صح وضمن الزيادة. (تنبيه) تقدم في خيار الغبن بأن المرجع في معرفة قدر الغبن العرفُ، وحملنا كلامهم الذي يمثلون فيه بالعشرين بالمائة على أنه هو العرف عندهم، فتنبه له. (تحرير) (تتمة) مثل ما تقدم في ضمان الوكيل النقص والزيادة: فيما لو باع بأقل من الثمن الذي قدره له موكله صح وضمن النقص، وكذا لو اشترى بأكثر من الثمن الذي قدره له صح وضمن الزيادة.
[ ٤٢٨ ]
إلا بِقَرِينَةٍ (^١)، وَيسلِّمُ وَكيلُ الشِّرَاء الثّمنَ (^٢)، ووكيلُ خُصُومَةٍ لَا يقبضُ (^٣)،
_________________
(١) أي: من وُكل في بيع سلعة فإنه يسلمها، ولا يجوز له أن يقبض ثمنها إلا بقرينة كبُعد الموكل عن السوق، وتابع الماتنُ في هذا الإقناعَ، ومثله في الغاية، وأن الوكيل في بيع سلعة له أن يقبض الثمن إذا دلت قرينة كأن يبيع في مكان، والموكل غائب، أو يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له. والمذهب: لا يقبض وإن دلت قرينة على جواز القبض؛ لأنه قد يوكل في البيع مَنْ لا يأمنه على قبض الثمن، وهو ما مشى عليه في المنتهى - وقد صرح به الشيخ منصور في الكشاف - وهو: أن الوكيل لا يملك قبض الثمن مطلقًا ما لم يأذن له الموكل، وإن وجدت قرينة، فإن تعذر لم يلزمه قبضه. وذكر صاحب المنتهى استثناءً من كلام المنقح وهو: ما لو أفضى عدم قبض الوكيل للثمن إلى ربا النسيئة ولم يحضر موكله، فيملك الوكيل قبضه، كأن يبيع صاعًا من البر بصاع من الشعير والموكل غائب، فلا بأس أن يقبض الوكيل صاع الشعير إذَن. (مخالفة الماتن، واستثناء)
(٢) أي: من وُكل في شراء سلعة فإنه يسلم ثمنها.
(٣) فمن وُكل في المخاصمة عن شخص لاستخراج حقه - كالمحامي -، ثم ثبت ذلك الحق للموكِّل، فليس للوكيل أن يقبضه.
[ ٤٢٩ ]
وَقبضٍ يُخَاصم (^١).
وَالْوَكِيلُ أمينٌ لَا يضمن (^٢) إلا بتعدٍ أو تَفْرِيطٍ، وَيقبل قَوْلُه فِي نفيهما (^٣)، وهلاكٍ بِيَمِينِهِ (^٤)، كدعوى مُتَبَرّعٍ ردَّ العين أو ثمنِهَا لموكِّل (^٥) لَا لوَرثَتِه إلا بِبَيِّنَة (^٦).
_________________
(١) أي: من وُكل في قبض حق من شخص فأبى الوفاءَ، فللوكيل أن يخاصمه ويرافعه إلى المحكمة لاستخراج الحق منه.
(٢) سواء كان متبرعًا أو بجُعل؛ لأنه قبض عينًا لا يختص بمنفعتها.
(٣) أي: يقبل قول الوكيل في نفي تعديه وتفريطه.
(٤) أي: ويقبل قوله في هلاك العين التي تحت يده بشرط أن يحلف على ذلك.
(٥) وقد تقدم، أما غير المتبرع فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
(٦) فإذا ادعى الوكيل الرد للورثة لم يقبل قوله في الرد مطلقًا، سواء كان متبرعًا أو بجعل، إلا ببينة؛ لأن الذي ائتمنه هو الموكِّل الذي مات، لا ورثته. (تتمة) ينعزل الوكيل بمجرد عزل الموكِّل له، عَلِم الوكيل بذلك أو لم يعلم، فلو باع شيئًا من مال موكِّله بعد عزله ضمنه، ويستثنى من ذلك:
(٧) التوكيل في القصاص، فلو وكل من يقتص ثم عفى الموكل ولم يعلم الوكيلُ حتى اقتص، فلا يضمن.
(٨) الإمام الحاكم لا ينعزل بعزله من الرعية ويحرم ذلك لما فيه من شق عصا المسلمين. شرح المنتهى (٦/ ٢٧٦)
(٩) القاضي لا ينعزل قبل علمه؛ لتعلق قضايا الناس وأحكامهم به فيشق قال البهوتي: (بخلاف الوكيل فإنه يتصرف في أمر خاص). شرح المنتهى (٦/ ٤٧٥). (فرق فقهي)
[ ٤٣٠ ]