يُسنُّ لمن ترك مَالًا كثيرًا عرفًا الوَصِيَّةُ بخمْسِهِ (^٢).
_________________
(١) الوصايا لغة: جمع وصية وهي: الأمر، وفي الاصطلاح: هي نوعان: (النوع الأول) الوصية بالتصرف المطلق: وهو الأمر بالتصرف بعد الموت كوصيته إلى من يغسِّله أو يصلي عليه، وقولنا: (بعد الموت) لإخراج الوكالة. (النوع الثاني) الوصية بالمال: وهي التبرع به بعد الموت، وقولنا: بعد الموت: لإخراج الهبة؛ لأنها تبرع قبل الموت. وأركان الوصية أربعة: الموصي، والصيغة، والموصى به، والموصى له. ويشترط في الموصي: ١ - أن يكون عاقلًا ولو مميزًا، ٢ - أن يوصي قبل أن تصل روحُهُ الحلقوم. ويشترط في الصيغة: أن تكون بلفظ مسموع من الموصي، وإن كانت مكتوبة فيشترط ثبوت خطه إما بإقرار وارثه، وإما ببينة تشهد أنه خطه. والأصل في الوصية من الكتاب قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: ١٣٢]. ومن السنة حديث ابن عمر ﵄: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، متفق عليه، وأجمع العلماء على جوازها.
(٢) تجري في الوصية الأحكامُ الخمسة: (الحكم الأول) السنية: فيسن لمن ترك مالًا كثيرًا عرفًا أن يوصي بخمسه، وقد قال النبي ﷺ لسعد ﵁ حين أراد أن يوصي بالثلث: «الثلث، والثلث كثير»، متفق عليه، ولهذا نزل الحنابلة إلى الخمس، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعلي ﵄ كما في شرح المنتهى، وقوله: كثيرًا عرفًا: فلا يحد بمبلغ معين. ويسن أن يوصي: للفقير القريب غير الوارث، وإلا فلِمسكين وعالم ديّنين ونحوهم.
[ ٥١٧ ]
وَتحرُمُ مِمَّن يَرِثُهُ غيرُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِأَكْثَرَ من الثُّلُث لأجنبيٍّ أو لوَارثٍ بِشَيْءٍ (^١)، وَتَصِح مَوْقُوفَةً على الإجازة (^٢).
وَتُكره من فَقيرٍ وَارثُهُ مُحْتَاجٌ (^٣)،
فَإِن لم يَفِ الثُّلُثُ بالوصايا تحاصُّوا
_________________
(١) (الحكم الثاني) التحريم: فيحرم على من يرثه غير أحد الزوجين أن يوصي لوارث بشيء ولو قلَّ؛ للحديث: «لا وصية لوارث»، رواه الإمام أحمد وغيره، ويستثنى منه: (١) - إذا أوصى بوقف ثلث ماله على بعض ورثته فيجوز، ٢ - أو أوصى بمعيّن لكل وارث على قدر إرثه فيصح بلا إجازة، وكذلك يحرم عليه: أن يوصي لغير وارث - وهو: الأجنبي - بأكثر من الثلث، أما إن كان رجلًا لا يرثه إلا زوجته، أو امرأة لا يرثها إلا زوجها، فلا يحرم أن يوصي بأكثر من الثلث لأجنبي.
(٢) فالوصية في الموضعين المتقدمين- في الاستثناء -: محرمة لكنها صحيحة - من جهة الحكم الوضعي -، فإن أجازها الورثةُ ورضوا بها نفذت وإلا فلا.
(٣) (الحكم الثالث) الكراهة: فيكره للفقير الذي له ورثة محتاجون أن يوصي بشيء من ماله. (تتمة) بقية أحكام الوصية: (الحكم الرابع) الإباحة: فيباح لمن لا وارث له أن يوصي بجميع ماله. و(الحكم الخامس) الوجوب: فيجب على مَنْ عليه دينٌ أو عنده وديعة بلا بينة أن يوصي بهما. (تتمة) مبطلات الوصية خمسة أشياء: ١ - برجوع الموصي بقول أو فعل يدل عليه، ٢ - وبموت الموصى له قبل الموصي، ٣ - وبقتله للموصي، ٤ - وبردِّه للوصية، ٥ - وبتلف العين المعينة الموصى بها.
[ ٥١٨ ]
فِيهِ كمسائل العَوْلِ (^١)، وَتُخْرَجُ الوَاجِبَاتُ من دينٍ (^٢) وَحجٍّ وَزَكَاةٍ (^٣) من رَأس
_________________
(١) فإن أوصى لأكثر من شخص وتجاوز مجموع الوصايا ثلثَ ماله تحاصوا فيه، أي: دخل النقص على كل واحد بقدر وصيته كما سيأتي في مسائل العول إن شاء الله. وطريقة حساب حصة كل واحد: ١ - أن يقسم ثلث مال الموصي على مجموع الوصايا، ٢ - ثم يضرب الناتج في نصيب كل واحد من الموصى لهم. فلو كان ثلث مال الميت ٥٠٠٠ ريال، وقد أوصى لمحمد بـ ٢٥٠٠ ريال، ولصالح بـ ٧٥٠٠ ريال، فمجموع الوصايا =١٠٠٠٠ ريال وهو أكثر من ثلث المال، وطريقة الحساب كما يلي: ١ - نقسم ثلث مال الميت على مجموع الوصايا فالناتج = ٠، ٥ أي: النصف. ٢ - نضرب الناتج ٠، ٥ فيما أوصى به لمحمد ٢٥٠٠ ريال، فالناتج = ١٢٥٠ ريال، فهذا نصيب محمد من ثلث مال الميت، وكذلك نضرب ٠، ٥ فيما أوصى به لصالح ٧٥٠٠ ريال ونحصل على: ٣٧٥٠ ريال، فهذا نصيب صالح من ثلث مال الميت، فمجموع النصيبين = ٥٠٠٠ وهو ثلث مال الميت.
(٢) أي: على الميت.
(٣) فيُخرج عمن لم يحج الحج الواجب عليه، والزكاة كذلك، والمُخْرِج لذلك: وصيه، ثم وارثه، ثم الحاكم.
[ ٥١٩ ]
المالٍ مُطلقًا (^١).
وَتَصِح لعَبْدِهِ بمشاعٍ كثلُثٍ، وَيعتقُ مِنْهُ بِقَدرِهِ، فإن فضل شَيْءٌ أَخَذَهُ (^٢)، وبِحَمْلٍ ولحملٍ تُحِقِّقَ وُجُودُهُ (^٣)، لَا لكنيسةٍ وَبَيتِ نَارٍ وَكَتْبِ التَّوْرَاةِ والإنجيلِ وَنَحْوِها (^٤)، وَتَصِحُّ بِمَجْهُولٍ ومعدومٍ وَبِمَا لَا يُقدَرُ على تَسْلِيمِهِ (^٥).
_________________
(١) سواء أوصى بإخراج هذه الأشياء أو لم يوص، وسواء استغرقت هذه الأشياء كلَّ التركة أو لم تستغرقها، وقوله: من رأس المال: أي: لا تخرج من الثلث، بل من جميع التركة وجوبًا.
(٢) من هنا شرع المصنف في أحكام الموصى له: فيصح أن يوصي الإنسان لعبده بمشاع كثلث المال لا بمعين كسيارة أو ألف ريال، ويعتق من العبد بقدر ما أوصى له به، فإن كانت قيمته مساوية لما أوصى له به عتق كله، وإن كانت أقل عتق وأخذ باقي الوصية، وإن كانت أكثر صار مبعّضًا فيعتق بقدر ما أوصى له به، ويكون رقيقًا ملكًا للورثة في الباقي.
(٣) أي: تصح الوصية بالحمل بشرط أن يتحقق وجوده حين الوصية، وكذلك تصح الوصية للحمل بشرط أن يتحقق وجوده حين الوصية بأن تضعه حيًا لأقل من أربع سنين من حين الوصية إن لم تكن فراشا، أو لأقل من ستة أشهر - فراشا كانت أو لا - من حين الوصية.
(٤) فلا تصح الوصية لكَتْب التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المنسوخة. (تتمة) شروط الموصى له: ١ - أن يصح تمليكه، فلا تصح لميت ولا لِمَلَك، ٢ - وإذا كان الموصى له جهة، ألا تكون جهة معصية كالكنائس وبيت النار.
(٥) من هنا انتقل الماتن إلى الركن الرابع وهو: الموصى به، أي: الوصية؛ فتصح الوصية بمجهول: كأن يقول: «أوصيت لزيد بقميص» ويسكت، فيُعطى ما يقع عليه الاسم، فأي قميص أُعطي صح سواء كان جديدًا أو قديمًا. وكذلك تصح الوصية بمعدوم: كأن يوصي بما تحمل شجرتُه أو شاتُه. وتصح أيضًا بما لا يقدر على تسليمه: كأن يوصي بعبده الآبق، أو جمله الشارد، أو طيره الذي في الهواء. (تتمة) شروط الموصى به: ١ - إمكانه، فلا تصح الوصية بما لا يمكن كمدبر؛ لأنه يصير حرًا بموت الموصي، ٢ - واختصاص الموصى به بالموصي وإن لم يكن مالًا كجلد ميتة ونحوه، ٣ - وكون المنفعة في الموصى به مباحة، فلا تصح الوصية بما منفعته محرمة كمنفعة مغصوبة، ولا تصح أيضًا الوصية بما لا نفع فيه مباح كالخمر والميتة.
[ ٥٢٠ ]
وَمَا حدثَ بعدَ الوَصِيَّة يدخُلُ فِيهَا (^١)، وَتبطُلُ بِتَلَفِ معيَّنٍ وُصِّيَ بِهِ (^٢)، وإنْ وَصَّى بِمثلِ نصيبِ وَارِثٍ معينٍ فَلهُ مثلُهُ مضمومًا إِلى المسْأَلَةِ (^٣)،
_________________
(١) أي: يدخل في الوصية، حتى ديته لو قُتِل الموصي، فلو أوصى بثلث ماله وكان قدره وقت الوصية ألف ريال ثم زاد ماله فأصبح الثلث ألفي ريال، فإن الموصى له يأخذ الألفين.
(٢) فلو أوصى بسيارة معينة مثلًا ثم تلفت بطلت الوصية.
(٣) من هنا شرع الماتن في الوصية بالأنصباء والأجزاء: والأنصباء: جمع نصيب، وهو الحظ. والأجزاء: جمع جزء، وهو البعض، وهذا ثلاثة أقسام: (القسم الأول) الوصية بالأنصباء، فإن وصى بمثل نصيب وارث معين كأن وصى لصديقه بمثل نصيب أحد أبنائه، فيكون للموصى له مثل ما للابن مضمومًا إلى مسألة الورثة.
[ ٥٢١ ]
وبمثل نصيبِ أَحَدِ ورثتِهِ لَهُ مثلُ مَا لِأقَلِّهِمْ (^١)، وبسهمٍ من مَاله لَهُ سُدْسٌ (^٢)، وبشيءٍ أو حَظٍّ أو جُزْءٍ يُعْطِيهِ الوَارِثُ مَا شَاءَ (^٣).
_________________
(١) فلو قال: أوصيت لزيد بمثل نصيب أحد ورثتي، وكان فرض أقل ورثته نصيبًا: الربع مثلًا أُعطي زيد الربع أيضًا؛ لأنه الأقل، ثم يضم إلى مسألة الورثة ويدخل النقص على الجميع.
(٢) (القسم الثاني): الوصية بالأجزاء، فإذا قال: أوصيت لزيد بسهم من مالي، فإنه يفرض لزيد السدس من مجموع التركة، ويضم إلى مسألة الورثة ولو عالت به.
(٣) فإذا قال: أوصيت لزيد بشيء، أو: بحظ، أو: بجزء، فإن الورثة يعطونه ما يشاؤون مما يتمول، ولو ريالًا واحدًا. (تتمة) (القسم الثالث) الجمع بين الأنصباء والأجزاء، وهذا القسم صعب جدًا ولم يذكره المؤلف كغيره من المختصرات. (تنبيه) يعتبر في الوصية بالأنصباء والأجزاء بالثلث، فينفذ فيه فقط أو فيما دونه، فإن زاد عن الثلث توقف على إجازة الورثة.
[ ٥٢٢ ]