- مسألة: (وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أي: الجمعة أربعة شروط:
الشرط الأول: (الوَقْتُ) (١)؛ لأنها صلاة مفروضة، فاشترط لها الوقت كبقية الصلوات، فلا تصح قبل الوقت، ولا بعده إجماعًا، قاله في المبدع.
- فرع: (وَهُوَ) أي: وقت الجمعة:
بدايته: على قسمين:
١ - وقت الجواز: يبدأ من (أَوَّلِ وَقْتِ) صلاة (العِيدِ)، وهو من المفردات؛ لقول عبد الله بن سِيدان: " شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ، وَلا أَنْكَرَهُ "
_________________
(١) قالوا هنا في صلاة الجمعة: (الوقت)، ولم يقولوا: (دخول الوقت) كما قالوا في أوقات الصلوات الخمس، لأن الجمعة لا تصح بعد الوقت ولو لعذر، بل تصلى ظهرًا بخلاف الصلوات الخمس.
[ ١ / ٣٦٤ ]
[الدارقطني ١٦٢٣]، ولحديث سهل بن سعد ﵁: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ» [البخاري ٢٣٤٩، ومسلم ٨٥٩]، واحتج بهما أحمد، وعن عبد الله بن مسعود ومعاوية ﵄: (أَنَّهُمْ صَلَّوُا الجُمُعَةَ ضُحًى) [ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧].
وعنه، واختاره ابن قدامة: يجوز فعلها في الساعة السادسة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [البخاري ٨٨١، ومسلم ٨٥٠]، وعليه تحمل الأحاديث والآثار السابقة، قال ابن قدامة: (ما ثبت عن النبي ﷺ ولا خلفائه أنهم صَلَّوْا أولَ النهار)، وأما حديث عبد الله بن سيدان فقال عنه البخاري: (لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه).
٢ - وقت الاستحباب: بعد الزوال، وفاقًا؛ لما روى سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» [مسلم ٨٦٠]، وروي ذلك عن علي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث ﵃ [ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧ - ١٠٨]، وخروجًا من الخلاف.
وآخر وقت الجمعة: يمتد (إِلَى آخِرِ وَقْتِ) صلاة (الظُّهْرِ) بلا خلاف.
[ ١ / ٣٦٥ ]
قاله في المبدع، ولأنها بدل منه أو واقعةٌ موقعَه، فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة.
- مسألة: تدرك صلاة الجمعة بإدراك تكبيرة الإحرام في الوقت، (فَإِنْ خَرَجَ) وقت الجمعة (قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ) أي: قبل أن يكبروا للإحرام بالجمعة، (صَلَّوْا ظُهْرًا)؛ لأنها لا تقضى، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافًا).
(وَإِلَّا)، بأن أحرموا بها في الوقت، فيصلونها (جُمُعَةً)، وهو من المفردات؛ لأنها تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام، قياسًا على بقية الصلوات، على ما تقدم.
وعنه، واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: إن أدركوا منها ركعة أتموها جمعة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [البخاري ٥٨٠، ومسلم ٦٠٧]، وفي رواية: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى» [ابن ماجه ١١٢١].
فإن خرج الوقت قبل إدراك ركعة لم يتموها جمعة، وهل يتمونها ظهرًا أو يستأنفونها؟ المذهب: يتمونها ظهرًا؛ لأنهما صلاتا وقت، فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة السفر والحضر.
(وَ) الشرط الثاني: (حُضُورُ أَرْبَعِينَ بِالإِمَامِ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) أي: وجوب صلاة الجمعة؛ لقول كعب بن مالك ﵁: «أسْعَدُ بْن زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ
[ ١ / ٣٦٦ ]
جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ، قيل: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَرْبَعُونَ» [أبو داود ١٠٦]، واحتج به أحمد.
وعنه واختاره شيخ الاسلام: تنعقد بثلاثة؛ لأن الخطاب ورد بصيغة الجمع في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولا بد من جماعة تستمع إلى الخطيب، وأقل الجماعة اثنان، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» [مسلم ٦٧٢]، وأما تجميع أسعدَ بن زرارة فهذا وقع اتفاقًا، لا قصدًا.
- مسألة: (فَإِنْ نَقَصُوا) عن العدد المشترط (قَبْلَ إِتْمَامِهَا) لم يتموها جمعة؛ لفقد شرطها، و(اسْتَأْنَفُوا جُمُعَةً إِنْ أَمْكَنَ) إعادتُها جمعةً بشروطها؛ لأنها فرض الوقت، (وَإِلَّا)، بأن لم يمكن استئنافها لفقد بعض شروطها، استأنفوا (ظُهْرًا).
واختار الموفق: أنهم إن صَلَّوْا ركعة أتموها جمعة، وإلا فلا؛ لحديث أبي هريرة السابق: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
- مسألة: (وَمَنْ) أحرم بالجمعة في الوقت و(أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ) منها (رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً)؛ لحديث أبي هريرة السابق: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
[ ١ / ٣٦٧ ]
وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهرًا بشرطين:
١ - أن يدخل وقت الظهر بالزوال.
٢ - إذا نوى الظهر عند الدخول؛ لحديث عمر ﵁: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
واختار ابن عثيمين: أنه يدخل مع الإمام، فإن تبين أنه لم يدرك ركعة، فإنه يتمها ظهرًا؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فإذا انتقل من الجمعة إلى الظهر، فقد انتقل من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت.
الشرط الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين بها، بما جرت به العادة، وقد سبق إيضاحه.
(وَ) الشرط الرابع: (تَقْدِيمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله)، والذِّكر: هو الخطبة، فأمر بالسعي إليها، فيكون واجبًا؛ إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبة النبي ﷺ عليهما، قال ابن عمر ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا» [البخاري ٩٢٨، ومسلم ٨٦١].
- مسألة: و(مِنْ شَرْطِهِمَا) أي: من شرط صحة الخطبتين، والمراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة، أعم من أن يكون داخلًا أو خارجًا، فيعم الأركان والشروط (١):
_________________
(١) خطبتا الجمعة عند الأصحاب لهما أركان وشروط، والمؤلف دمج بينهما، ولذلك قلنا: (المراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة أعم من أن يكون داخلًا أو خارجًا) تبعًا للبهوتي. أما أركان الخطبتين فستة: حمد الله، والصلاة على رسول الله، وقراءة آية من كتاب الله، والوصية بتقوى الله، والموالاة بين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة، والجهر بحيث يسمع العدد المعتبر حيث لا مانع. وأما شروط صحتهما، فخمسة: الوقت، والنية، ووقوعهما حضرًا، وحضور الأربعين، وأن يكونا ممن تصح إمامته فيها.
[ ١ / ٣٦٨ ]
١ - (الوَقْتُ) أي: وقت الجمعة، فلا تصح واحدة منهما قبله؛ لأنهما بدل ركعتين، والصلاة لا تصح قبل وقتها.
٢ - (وَحَمْدُ الله) تعالى بلفظ: (الحمد لله)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، يَحْمَدُ الله، وَيُثْنِي عَلَيْهِ» [مسلم ٨٦٧]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ لِلهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» [أبو داود ٤٨٤٠].
ولا يجزئ غير لفظ (الحمد لله)؛ لما روى ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: «الحَمْدُ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ » [أبو داود ١٠٩٧].
٣ - (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ) الصلاة (السَّلَامُ)؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله - ﷺ -، كالأذان، ويتعين لفظ الصلاة، ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عملًا بالأصل.
[ ١ / ٣٦٩ ]
واختار شيخ الإسلام: وجوب الشهادتين، لا الصلاة عليه (١)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَاليَدِ الجَذْمَاءِ» [أبو داود ٤٨٤١، والترمذي ١١٠٦]، ولأن الشهادة إيمان به، وما عللوا به ينتقض بالذبح، فإنه يفتقر إلى ذكر الله تعالى، ولا يفتقر إلى ذكر رسول الله ﷺ.
٤ - (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملة، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: ٢٠٤]، نزلت في الصلاة والخطبة، ووجه الدلالة: أنَّ (إذا) إنّما تقولها العرب فيما لا بد من وقوعه، لا فيما يحتمل الوقوع وعدمه، ولقول جابر بن سمرة ﵁: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» [مسلم ٨٦٢].
٥ - (وَحُضُورُ العَدَدِ المُعْتَبَرِ) للجمعة، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد؛ كتكبيرة الإحرام.
٦ - (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِقَدْرِ إِسْمَاعِهِ) أي: العددِ المعتبر للقدر الواجب من الخطبة، إن لم يعرض مانع من السماع، كنوم أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوته أو بعده عنهم لم تصح؛ لعدم حصول المقصود بها.
_________________
(١) قال في الاختيارات (١٢٠): (وتردد في وجوب الصلاة على النبي ﷺ)، والمثبت في الأصل هو كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٩٠).
[ ١ / ٣٧٠ ]
٧ - (وَالنِّيَّةُ)؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧].
٨ - (وَالوَصِيَّةُ بِتَقْوَى الله) ﷿؛ لأنه المقصود، (وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا)، أي: الوصية، وأقله: اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه.
وقال شيخ الإسلام: (ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفًا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود).
٩ - (وَأَنْ تَكُونَا) أي: الخطبتين (مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) أي: في الجمعة، وهو من تجب عليه بنفسه، بأن يكون مكلفًا ذكرًا حرًّا مستوطنًا، فلا تصح من أنثى وعبد ومسافر ونحوهم؛ لأن الجمعة تصح منهم تبعًا، فلو كانوا أئمة صار التابع متبوعًا.
ويمكن أن يقال: أما إمامة المرأة والمجنون وغير المميز، فلا تصح اتفاقًا، وأما إمامة الصبي المميز، والعبد، والمسافر، فتصح إمامتهم فيها، وهي رواية في المذهب،؛ لعموم الأدلة، ولما تقدم في أحكام الإمامة أن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا لدليل.
١٠ - الموالاة بينهما وبين الصلاة، والموالاة بين أجزاء الخطبتين؛ للقاعدة: أن كل عبادة مركبة من أجزاء يشترط فيها الموالاة إلا لدليل.
١١ - وقوعهما حضرًا، أي: أن الاستيطان شرط لصحة الخطبتين؛
[ ١ / ٣٧١ ]
لاشتراطه في صحة صلاة الجمعة، والخطبتان في مقام الركعتين.
- فرع: (لَا) يشترط لمن يتولى الخطبتين أن يكون (مِمَّنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ)، بل يستحب،؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، أشبها الصلاتين.
- مسألة: (وَتُسَنُّ) في (الخُطْبَةِ) سنن، منها:
١ - أن تكون (عَلَى مِنْبَرٍ)؛ لحديث سهل ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، وحكاه النووي إجماعًا، (أَوْ) يجلس على (مَوْضِعٍ عَالٍ) إن لم يكن منبر؛ لأنه في معناه؛ لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
٢ - (وَ) يسن (سَلَامُ خَطِيبٍ إِذَا خَرَجَ) على المأمومين، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» وذكر منها: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ » [البخاري ١٢٤٠، ومسلم ٢١٦٢، واللفظ له].
٣ - (وَ) يسن أيضًا سلامه على المأمومين (إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)؛ لما روى جابر بن عبد الله ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ» [ابن ماجه ١١٠٩]، وصح ذلك عن عثمان ﵁ [ابن أبي شيبة ٥١٩٦].
[ ١ / ٣٧٢ ]
٤ - (وَ) يسن (جُلُوسُهُ) أي: الخطيب على المنبر (إِلَى فَرَاغِ الأذَانِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ» [أبو داود ١٠٩٢].
٥ - (وَ) يسن جلوسه (بَيْنَهُمَا) أي: بين الخطبتين (قَلِيلًا)؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ» [البخاري ٩٢٨، ومسلم ٨٦١]، ولا يجب الجلوس، ولكن الواجب الفصل بين الخطبتين بسكتة يحصل بها التمييز؛ لأن جماعة من الصحابة منهم علي ﵃ [عبد الرزاق ٥٢٦٧] سردوا الخطبتين من غير جلوس، ولأنه ليس في الجلسة ذكر مشروع.
٦ - (وَ) تسن (الخُطْبَةُ قَائِمًا)؛ لقوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: ١١]، ولحديث ابن عمر السابق، فإن خطب جالسًا جاز؛ لأنه ذكر، ولأنه ورد عن ابن الزبير ﵄: «أنه كان يجلس فيخطب جالسًا، ثم يقوم فيخطب أيضًا، وكان جلوسه أكثر ذلك» [عبد الرزاق ٥٢٦٨].
٧ - ويسن أن يكون الخطيب (مُعْتَمِدًا) بإحدى يديه (عَلَى سَيْفٍ، أَوْ عَصًا) أو قوس؛ لحديث الحَكَمِ بن حَزْنٍ ﵁ قال: «شَهِدْنَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا، أَوْ قَوْسٍ» [أحمد ١٧٨٥٦، وأبو داود ١٠٩٦].
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقال ابن القيم: (ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصًا قبل أن يتخذ المنبر)، وعليه: فإن كان على منبر لم يسن، وإلا سن أن يعتمد على قوس أو عصًا.
٨ - وأن يكون (قَاصِدًا تِلْقَاءَهُ) أي: تلقاء وجهه؛ قال الموفق: (لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك)، لأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم، فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، قال النووي: (واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات، وهو معدود من البدع المنكرة).
٩ - (وَ) يسن (تَقْصِيرُهُمَا) أي: الخطبتين؛ لحديث عمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» [مسلم ٧٦٩]، (وَ) يسن أن تكون الخطبة (الثَّانِيَةُ أَكْثَرَ) تقصيرًا من الأولى؛ قياسًا على الصلاة، وكالإقامة مع الأذان.
وقال ابن القيم: (وكان يقصر خطبته أحيانًا، ويطيلها أحيانًا، بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطولَ من خطبته الراتبة).
١٠ - (وَ) يسن (الدُّعَاءُ لِلمُسْلِمِينَ)؛ لما ورد عن عمارة بن رؤيبة ﵁: أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: «قَبَّحَ الله هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» [مسلم ٨٧٤]، زاد البيهقي [٥٧٧٥]: «يَوْمَ الجُمُعَةِ»، ولحديث أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ،
[ ١ / ٣٧٤ ]
وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» [البخاري ١٠٣١، ومسلم ٨٩٥]، فدل على أنه كان يدعو في خطبته، ولأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها من بابِ أولى، ولأن ساعة الإجابة ترجى في هذا الوقت.
- فرع: (وَأُبِيحَ) دعاء الخطيب (لِمُعَيَّنٍ؛ كَالسُّلْطَانِ)؛ لأن الدعاء له مستحب في الجملة.