لمَّا ذكر الماء وحكمه، ناسب أن يذكر ظرفه ووعاءه.
- ضابط: الأصل في الآنية الطهارة؛ لأن الأصل في الأشياء كلها الطهارة، واليقين لا يزول بالشك.
- ضابط: (كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ) كالخشب، ولو ثمينًا كالجوهر، (يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ
[ ١ / ٢٧ ]
وَاسْتِعْمَالُهُ) بلا كراهة؛ لأن الأصل في الأشياء الحل.
والاتخاذ: مجرد الاقتناء ولو لم يباشره بالانتفاع. والاستعمال: مباشرته بالانتفاع.
- فرع: يستثنى من الإباحة أمران:
الأول: جلد الآدمي وعظمه فيحرم؛ لحرمته.
والثاني: ما ذكره المؤلف بقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً، أَوْ مُضَبَّبًا بِأَحَدِهِمَا) فيحرم؛ لحديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُم فِي الآخِرَةِ» [البخاري: ٥٦٣٣، ومسلم: ٢٠٦٧]، وسواء كان إناء الذهب أو الفضة خالصًا أو غير خالص؛ كالمضبب والمطلي؛ لأن الشارع إذا نهى عن شيء تعلَّق النهي بجميع أفراده.
- مسألة: استعمال آنية الذهب والفضة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: استعمالها في الأكل والشرب: فيحرم، وقد حُكِيَ الإجماع على ذلك؛ لحديث حذيفة السابق.
القسم الثاني: استعمالها في غير الأكل والشرب؛ كاستعمالها في الطهارة، أو حفظ الأشياء كالمحبرة: فيحرم باتفاق الأئمة؛ إلحاقًا لها بالأكل والشرب، وإنما نص الشارع على الأكل والشرب؛ لأنه الغالب في الاستعمال.
[ ١ / ٢٨ ]
القسم الثالث: اتخاذها دون المباشرة بالاستعمال: فيحرم عند جمهور العلماء؛ لما تقدم.
واختار الصنعاني، والشوكاني، وابن عثيمين: جواز اتخاذ آنية الذهب والفضة، وجواز استعمالها في غير الأكل والشرب؛ لما روى عثمان بن عبد الله بن موهب، قَالَ: «أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ» [البخاري: ٥٨٩٦]، ولأن النهي ورد في الأكل والشرب خاصة فلا يلحق به غيره.
- مسألة: (لَكِنْ تُبَاحُ) الآنية التي فيها شيء من الفضة بأربعة بشروط:
الشرط الأول: أن تكون (ضَبَّةً)، وهي خيط من فضة يُربط به الإناء المنكسر، أو يسد به الثقب.
والشرط الثاني: أن تكون (يَسِيرَةً) عرفًا، لا كثيرة.
والشرط الثالث: أن تكون (مِنْ فِضَّةٍ) لا ذهب، فإن كان مضببًا بذهب حرم مطلقًا.
والشرط الرابع: أن تكون (لِحَاجَةٍ)، وهي أن يتعلق بها غرض غير الزينة.
والدليل على ذلك: ما ورد عن أنس ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ،
[ ١ / ٢٩ ]
فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» [البخاري: ٣١٠٩].
- مسألة: آنِيَةُ الكُفَّار وثيابهم لا تخلو من أمرين:
١ - الأواني التي صنعوها أو الثياب التي نسجوها، (فلا خلاف في إباحتها) قاله الشارح، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يَلبَسون من ثياب الكفار التي صنعوها.
٢ - الأواني والثياب التي باشروها بالاستعمال: فقال المؤلف: (وَمَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ آنِيَةِ كُفَّارٍ، وَثِيَابِهِمْ؛ طَاهِرٌ)، سواء كانوا من أهل الكتاب أم غيرهم؛ لحديث عمران بن حصين ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ» [البخاري ٣٤٤، ومسلم ٦٨٢]، ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك.
وأما حديث أبي ثعلبة الخُشَني ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا؛ فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» [البخاري: ٥٤٧٨، ومسلم: ١٩٣٠]، فيحمل على التنزيه جمعًا بين الأدلة، أو على أُناس عُرفوا بمباشرة النجاسات؛ لرواية أبي داود [٣٨٣٩]: «وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الخَمْرَ».
- مسألة: (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ) -وهي ما مات حتف أنفه، أو لم يُذَكَّ ذكاة شرعية- (بِدِبَاغٍ): وهو تنشيف الجلد من الرطوبة وتنقيته من الخبث؛
[ ١ / ٣٠ ]
لما روى عبد الله بن عُكَيم ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» [أحمد: ١٨٧٨٠، وأبو داود: ٤١٢٧، والترمذي: ١٧٢٩، والنسائي: ٤٢٤٩ وابن ماجه: ٣٦١٣].
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يطهر جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» [مسلم: ١٠٥]، ولأنه إنما نجس باتصال الدماء والرطوبات به بالموت، والدبغ يزيل ذلك.
وأما حديث عبدالله بن عكيم فضعيف، ولو صح فالإهاب في اللغة: (إنما يطلق على الجلد قبل أن يدبغ، أما إذا دبغ فإنه لا يسمى إهابًا) قاله الخليل.
والرواية الثالثة: يطهر جلد ما كان مأكولًا في حال الحياة، واختارها شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية؛ لقول عائشة ﵂: سئل رسول الله ﷺ عن جلود الميتة، فقال: «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» [النسائي: ٤٢٤٥]، فشبه الدبغ بالذكاة؛ والذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم.
- ضابط: (وَكُلُّ أَجْزَائِهَا) أي: الميتة (نَجِسَةٌ، إِلَّا شَعْرًا وَنَحْوَهُ)؛ كصوف ووبر وريش، من طاهر في الحياة، فلا ينجس بالموت.
فقرنُ الميتة، وظُفُرُها، وعصبُها، وحافرُها، وجلدتُها، ولبنُها، وإنْفَحَتُها؛ نَجِسَة؛ لأن ذلك داخل في عموم الميتة في قول الله ﷿: (قُلْ لا
[ ١ / ٣١ ]
أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].
والضابط عند شيخ الإسلام: أن الميتة كلها طاهرة إلا اللحم.
فالشعر، والصوف، والوبر، والريش، والقرون، والأظلاف، والعظم، واللبن، والإنْفَحَة، طاهرة؛ لأن علة التنجيس في الميتة هي احتباس الدم، فما لا دم فيه لا يحكم عليه بالنجاسة.
واختار ابن عثيمين: أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - الشَّعر ونحوه: طاهر.
٢ - اللحم وجميع الأجزاء الداخلية، ومنه العظم واللبن: نجس، ولا ينفع فيه الدَّبغ.
٣ - الجلد: يطهر بالدباغ.
- ضابط: كل ميتة نجسة إلا ثلاثًا: الآدمي، وما لا نفس له سائلة، وحيوان البحر.
- ضابط: (وَالمُنْفَصِلُ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ)، طهارةً ونجاسةً، حلًّا وحرمة.
فما قطع من السمك: طاهر، وما قطع من بهيمة الأنعام مع بقاء حياتها: نجس؛ لحديث أبي واقد الليثي ﵁: «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ» [الترمذي: ١٤٨٠].
[ ١ / ٣٢ ]
- فرع: يستثنى من هذا الضابط خمسة أشياء: المسك ووعاؤه، والطريدة؛ لفعل الصحابة، والشعر والصوف كما تقدم، والولد، والبيضة إذا صلب قشرها.