تنقسم أقوال الصلاة وأفعالها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الركن: وهو ما لا يسقط عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا، وأطلقوا عليه: الركن، تشبيهًا له بركن البيت الذي لا يقوم إلا به؛ لأن الصلاة لا تتم إلا به، وبعضهم يسميه: فرضًا، والخلاف لفظي.
الثاني: الواجب: وهو ما تبطل الصلاة بتركه عمدًا، لا سهوًا أو جهلًا، ويجبر بسجود السهو.
الثالث: السنة: وهي ما لا تبطل بتركه ولو عمدًا.
- مسألة: (وَجُمْلَةُ أَرْكَانِهَا) أي: أركانِ الصلاة (أَرْبَعَةَ عَشَرَ) بالاستقراء، وهي:
الركن الأول: (القِيَامُ) في فرض لقادر؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، ولحديث عمران ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [البخاري ١١١٧].
- فرع: يستثنى من وجوب القيام في الفرض:
١ - العُريان، فإنه يصلي جالسًا استحبابًا، لأن التستر آكد من القيام؛
[ ١ / ٢٤٣ ]
لعدم سقوطه في الفرض والنفل.
٢ - المعذور لخوفٍ أو مداواةٍ أو عجزٍ، ونحو ذلك.
٣ - مأمومٌ خلفَ إمام الحي العاجز عن القيام المرجوِّ زَوالُ علتِه، ويأتي في أحكام الإمامة.
- فرع: ضابط القيام: ما لم يَصِرْ راكعًا، ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق؛ لأنه لا يُخرِجُه عن كونه يسمى قائمًا.
- فرع: مقدار القيام الواجب: الانتصاب بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة في الركعة الأولى، وفيما بعدها بقدر قراءة الفاتحة فقط.
(وَ) الركن الثاني: (التَّحْريمةُ)، أي: تكبيرة الإحرام؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
(وَ) الركن الثالث: قراءة (الفَاتِحَةِ)، وهي ركن في كل ركعة للإمام والمنفرد؛ لحديث عبادة ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]، ويتحملها الإمام عن المأموم، ويأتي في صلاة الجماعة.
(وَ) الركن الرابع: (الرُّكُوعُ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا) [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
[ ١ / ٢٤٤ ]
إلا ما بعد الركوع الأول في صلاة الكسوف فسنة، وكذا الرفع منه والاعتدال بعده.
وتقدم المجزئ من الركوع في صفة الصلاة.
(وَ) الركن الخامس: (الاعْتِدَالُ عَنْهُ)، أي: عن الركوع؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
(وَ) الركن السادس: (السُّجُودُ) إجماعًا؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا»، على الأعضاء السبعة، وتقدم في صفة الصلاة.
(و) الركن السابع: (الاعْتِدَالُ عَنْهُ) أي: عن السجود؛ لما يأتي، ويغني عنه ما بعده.
(وَ) الركن الثامن: (الْجُلُوسُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» [أبو داود ٨٥٦].
(وَ) الركن التاسع: (الطُّمَأْنِينَةُ) في كل الأفعال المذكورة؛ للأمر بها في حديث المسيء في صلاته، وقال شيخ الإسلام: (الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه).
- فرع: ضابط الطمأنينة: حصول السكون وإن قل.
[ ١ / ٢٤٥ ]
واختار المجد: أنها بقدر الذِكْر الواجب.
(وَ) الركن العاشر: (التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ)؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ » الحديث [مسلم ٥٨٠]، وثبت عن عمر وابنه ﵄: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِتَشَهُّدٍ» [ابن أبي شيبة ٢/ ٥١٨].
- فرع: الركن من التشهد الأخير: هو ما يجزئ في التشهد الأول، وهو: التحيات لله، سلام عليك أيّها النبي، ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، أو أن محمدًا عبده ورسوله؛ لاتفاق جميع الروايات على ذلك، بخلاف ما عداه فإنه أثبت في بعضها، وترك في بعضها.
قال الشارح: (وفي هذا القول نظر، فإنه يجوز أن يجزئ بعضها عن بعض على سبيل البدل، كقولنا في القراءات، ولا يجوز أن يسقط ما في بعض الأحاديث إلا أن يأتي بما في غيره من الأحاديث).
(وَ) الركن الحادي عَشَر: (جَلْسَتُهُ) أي: التشهدِ الأخير والتسليمتين؛ لمداومته ﷺ على الجلوس لذلك، وقولِه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري ٦٣١]، وأما عدم ذكره في حديث المسيء في صلاته؛ فلأنه ﷺ علّمَه ما أساء فيه، ولأن عدم إيجابه فيه لا ينفي إيجابه في غيره من الأدلة.
(وَ) الركن الثاني عَشَر: (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ) الصلاة و(السَّلَامُ)،
[ ١ / ٢٤٦ ]
وسبق الكلام عليها في صفة الصلاة.
- فرع: الركن من الصلاة على النبي ﷺ قول: (اللهم صل على محمد)؛ لظاهر قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: ٥٦].
(وَ) الركن الثالث عشر: (التَّسْلِيمَتَانِ) وهو من المفردات، على الصفة التي تقدمت؛ لحديث علي ﵁: قال ﷺ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أحمد ١٠٧٢، وأبو داود ٦١، والترمذي ٣، وابن ماجه ٢٧٥]، قال القرافي: (فحصر التحليل بالتسليم، وهذا يدل على الوجوب)، ولحديث جابر بن سمرة ﵁ مرفوعًا، وفيه: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ» [مسلم ٤٣١]، وما دون الكفاية لا يكون مجزئًا.
وعنه، واختاره الموفق والشارح: أن التسليمة الأولى ركن، والثانية سنة؛ لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ: «كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» [الترمذي ٢٩٦، وابن ماجه ٩١٨]، وفي رواية: أن ذلك في صلاة الوتر [أحمد ٢٥٩٨٧، وأبو داود ١٣٤٦]، والقاعدة: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل، ورويت التسليمة الواحدة: عن ابن عمر وعائشة وأنس ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٣٠١].
- فرع: التسليمتان ركن إلا في:
١ - الجنازة، فيخرج منها بتسليمة واحدة، ويأتي.
[ ١ / ٢٤٧ ]
٢ - سجود تلاوة وشكر، فيخرج منهما بتسليمة واحدة، ويأتي.
٣ - النافلة، على ما اختاره المجد، قال في المغني والشرح: (لا خلاف أنه يخرج من النفل بتسليمة واحدة)، وقال القاضي: (سنة في الجنازة والنافلة رواية واحدة).
وظاهر ما قطع به في المنتهى، وصححه في تصحيح الفروع، أن التسليمتين ركن في النفل كالفرض.
(وَ) الركن الرابع عَشَر: (التَّرْتِيبُ) بين الأركان؛ لأنه ﷺ كان يصليها مرتبة، وعلمها للمسيء في صلاته مرتبة بـ (ثم).
- مسألة: (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: الصلاة (ثَمَانِيَةٌ):
الأول: (التَّكْبِيرُ) للانتقال؛ لحديث أنس ﵁: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، وفي بعض ألفاظ حديث المسيء: «ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» [أبو داود ٨٥٧].
[ ١ / ٢٤٨ ]
- فرع: التكبير في الصلاة واجب (غَيْرَ):
١ - (التَّحْرِيمَةِ)، أي: تكبيرة الإحرام، فركن، لما سبق.
٢ - تكبيرةِ المسبوق لمن أدرك الإمام راكعًا، فسنة، ويأتي.
٣ - التكبيراتِ الزوائدِ في العيدين والاستسقاء، فسنة، ويأتي في موضعه.
٤ - تكبيراتِ الجنازة، فركن، ويأتي.
(وَ) الثاني: (التَّسْمِيعُ)، أي: قول: سمع الله لمن حمده، وهو من المفردات، لإمام ومنفرد دون مأموم، لحديث المسيء صلاته السابق: «ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا»، وتقدم في صفة الصلاة.
(وَ) الثالث: (التَّحْمِيدُ)، أي: قول: ربنا ولك الحمد، لإمام ومأموم ومنفرد، وهو من المفردات، لما تقدم من النصوص.
(وَ) الرابع: (تَسْبِيحُ رُكُوعٍ)، وتقدم.
(وَ) الخامس: تسبيح (سُجُودٍ)، وتقدم.
(وَ) السادس: (قَوْلُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي») بين السجدتين، (مَرَّةً مَرَّةً)، وتقدم.
(وَ) السابع: (التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ)؛ لأن النبي ﷺ سجد للسهو لما نسيه، كما
[ ١ / ٢٤٩ ]
في حديث عبد الله ابن بُحينة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ» [البخاري ١٢٢٥، ومسلم ٥٧٠].
(وَ) الثامن: (جَلْسَتُهُ)، لما تقدم.
- فرع: يجب التشهد الأول وجلسته على غير مأموم قام إمامه عن الجلوس للتشهد سهوًا.
- مسألة: (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أي: أركان الصلاة وواجباتها، (وَ) ما عدا (الشُّرُوطَ) التي سبقت، (سُنَّةٌ) قولية: كالاستفتاح، والاستعاذة، والتأمين، وقراءة سورة بعد الفاتحة في الأُولَيَيْنِ، وغيرِها، أو سنةٌ فعلية: كرفع اليدين في مواضعه، ووضعِ اليمنى على اليسرى، والنظرِ إلى موضع سجوده، وغيرها.
- مسألة: (فَالرُّكْنُ وَالشَّرْطُ: لَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا وَ) لا (جَهْلًا، وَيَسْقُطُ الوَاجِبُ بِهِمَا)، أي: بالسهو والجهل فقط، ولا يسقط بالعمد، وتقدم أولَ الفصل.
[ ١ / ٢٥٠ ]
(فَصْلٌ)