- مسألة: (وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ) مال (عَلَى الفَوْرِ مَعَ إِمْكَانِهِ)؛ لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، والأمر المطلق يقتضي الفورية، ولحديث عقبة بن الحارث ﵁، قال: صلَّى بنا النبي ﷺ العصر، فأسرع، ثم دخل البيت، فلم يلبث أن خرج، فقيل له، فقال: «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ» [البخاري ١٤٣٠]، ولأن حاجة الفقير ناجزة والتأخير مخلٌّ بالمقصود، وربما أدى إلى الفوات.
- فرع: يجوز تأخير إخراج الزكاة في أحوال:
١ - أن يخاف المُخرِج ضررًا؛ كخوف رجوعِ ساعٍ عليه إذا أخرجها بنفسه مع غيبة الساعي، أو لخوفه على نفسه أو على ماله ونحوه؛ لحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد ٢٨٦٥، وماجه ٢٣٤٠]، ولأنه إذا جاز تأخير دَين الآدمي لذلك، فهي أولى.
٢ - أن يؤخرَها ليعطيَها لمن حاجته أشد، أو لقريب وجار، وقيده في المبدع: (إذا لم يشتد ضرر الحاضر)، وقيده جماعة: (بالزمن اليسير للحاجة)؛ وإلا لم يجز ترك واجب لمندوب.
[ ١ / ٥٠٧ ]
٣ - أن يؤخرها لتعذر إخراجها من المال لغيبة ونحوها؛ لعدم الإمكان إذًا، ولو قدر على الإخراج من غيره؛ لأن الأصل إخراج زكاة المال منه، وجواز الإخراج من غيره رخصة.
٤ - أن يؤخرها لغيبةِ المستحِقِّ؛ لتعذر الإخراج إذًا.
٥ - إذا كان المالك فقيرًا محتاجًا لزكاته، بحيث تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، وتوخذ منه الزكاة عند يساره؛ لزوال العارض.
- مسألة: تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون؛ لعموم أدلة الزكاة، ولقول عمر ﵁: «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الِيَتَامَى قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ»، ونحوه: عن علي، وابن عمر، وجابر، وعائشة ﵃ [مصنف عبدالرزاق ٤/ ٦٦ - ٦٩].
- فرع: (وَيُخْرِجُ) الزكاة (وَلِيُّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) في مالهما (عَنْهُمَا)، كصرف نفقة واجبة عليهما؛ لأن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صح التوكيل فيه.
- مسألة: (وَشُرِطَ لَهُ) أي: لإخراج الزكاة (نِيَّةٌ)؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧]، من مكلفٍ، لا صغيرٍ أو مجنون؛ لعدم أهليته أداءَ الواجب، فينوي عنهما وليُّهما؛ لقيامه مَقامَه.
- فرع: تشترط نية الزكاة، فينوي الزكاة، أو الصدقة الواجبة ونحو ذلك، وإن لم ينو، أو نوى صدقة مطلقة، لم يجزه ما أخرجه عما في ذمته؛ لعدم التعيين.
[ ١ / ٥٠٨ ]
- مسألة: نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن ينقلها من بلد لا مستحِقَّ فيه إلى آخر: فيجوز اتفاقًا؛ لأن معاذًا ﵁ بعث إلى عمر ﵁ بثلث صدقة أهل اليمن، فأنكر ذلك عمر، وقال: «لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلَا آخِذَ جِزْيَةٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ»، فقال معاذ: «مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي»، فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل، فقال معاذ: «مَا وَجَدْتُ أَحَدًا يَأْخُذُ مِنِّي شَيْئًا» [أبو عبيد في الأموال ١٩١٢، وضعفه الألباني]، وعليه حمل الإمام أحمد ما روي من نقل الزكاة إلى النبي ﷺ وخلفائه.
ويفرقها في أقرب البلاد إليه؛ لأنهم أولى.
الأمر الثاني: أن ينقلها من بلد فيه مستحق لها إلى آخر، فعلى قسمين:
الأول: أن ينقلها لدون مسافة قصر: فيجوز؛ لأنه في حكم بلد واحد، بدليل أحكام السفر ورُخَصِه.
الثاني: أن ينقلها إلى ما تُقصر فيه الصلاة، وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ نَقْلُهَا) أي: الزكاة، ولو لرحم وشدة حاجة (إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ إِنْ وُجِدَ أَهْلُهَا)؛ لحديث معاذ ﵁ مرفوعًا: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري ١٤٩٦،
[ ١ / ٥٠٩ ]
ومسلم ١٩]؛ وعن أبي جحيفة ﵁ قال: «قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا، وَكُنْتُ غُلامًا يَتِيمًا، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا» [الترمذي ٦٤٩]؛ ولأن في النقل ضياع فقراء تلك البلد، وهو عكس مشروعية الزكاة.
- فرع: إن فعل ونقلها إلى مسافة قصر؛ أجزأت الزكاة مع الإثم؛ لأنه دفع الحق إلى مستحقِّه، فبرئ من عهدته، ولأن النهي لا يعود إلى ذات الزكاة، بل إلى النقل، فلم يقتض الفساد.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: جواز نقلها لمصلحة راجحة، كقريب محتاج ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولم يفرق سبحانه بين فقراء وفقراء، ولحديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» [مسلم ١٠٤٤]، قال أبو عبيد: (فرأى إعطاءه إياها من صدقات الحجاز، وهو من أهل نجد، ورأى حملها من أهل نجد إلى أهل الحجاز)، ولقول عمر ﵁ لساعيه عام الرمادة: «اعْقِلْ عَلَيْهِمْ عِقَالَيْنِ، فَاقْسِمْ فِيهِمْ عِقَالًا، وَائْتِنِي بِالْآخَرِ» [الأموال لأبي عبيد ص: ٤٦٤].
- مسألة: (فَإِنْ كَانَ) المزكي (فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي) بلد (آخَرَ) فلا يخلو من أمرين:
[ ١ / ٥١٠ ]
الأول: إن كانت زكاة مال: (أَخْرَجَ زَكَاةَ المَالِ فِي بَلَدِ المَالِ)؛ لئلا تُنقل الصدقة عن بلد المال، ولأن المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وجد السبب.
(وَ) الثاني: إن كانت زكاة فطر: أخرج (فِطْرَتَهُ وَفِطْرَةً لَزِمَتْهُ فِي بَلَدِ نَفْسِهِ)، لا في بلد ماله؛ لأن سبب الفطرة النفس، لا المال.
- مسألة: (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا) أي: الزكاة؛ لحديث علي ﵁: «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» [أحمد ٨٢٢، أبو داود ١٦٢٤، والترمذي ٦٧٨، وابن ماجه ١٧٩٥]، وذلك بشرطين:
١ - أن يبلغ المال نصابًا؛ لأن النصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يجوز تقديم العبادة على سببها، كالتكفير قبل الحلف، قال ابن قدامة: (بغير خلاف نعلمه)، والقاعدة: (العبادات كلها، سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما، لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب).
فأما تعجيلها بعد النصاب؛ فجائز.
٢ - أن يكون التعجيل (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) فأقل؛ اقتصارًا على ما ورد في حديث علي ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» [البيهقي
[ ١ / ٥١١ ]
٧٣٦٧، الأموال لأبي عبيد ١٨٨٦]، ويؤيده رواية مسلم [٩٨٣]: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، ولقول عمر السابق: «اعْقِلْ عَلَيْهِمْ عِقَالَيْنِ».
- فرع: ترك التعجيل أفضل، خروجًا من خلاف من منعه.
وقال في الفروع: (ويتوجه احتمال يعتبر المصلحة).