فإن اشترط أن يكون مع العبد ماله فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون المشتري قد قَصَد المال الذي مع العبد: فيشترط في مال العبد سائر شروط البيع؛ لأنه مبيع مقصود؛ أشبه ما لو ضمَّ إليه عينًا أخرى.
٢ - ألا يكون المشتري قصد المال: فلا يشترط له شروط البيع؛ لأنه دخل تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
الثاني: لباسه، ولا تخلو من حالين:
١ - (لِبَاسُهُ لِغَيْرِ جَمَالٍ) وهي ثياب لبس العادة: فهي للمشتري؛ لتبعية ذلك له في العرف؛ ولأنه مما تتعلق به حاجة المبيع ومصلحته.
٢ - اللباس المعد للجمال، من لباس وحلي: فهو للبائع؛ لأنه زيادة على العادة، ولا تتعلق به حاجة المبيع، وإنما يُلبسه إياه لينفقه به.
(فَصْلٌ)
في السلم
السلم والسلف لغة: واحدٌ، يقال: سلم وأسلم، وسلف وأسلف بمعنًى واحد، هذا قول جميع أهل اللغة، إلا أن السلف يكون قرضًا. قاله الأزهري.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وشرعًا: عقد على شيء يصح بيعه موصوفٍ في الذمة، مؤجلٍ بأجل معلوم، بثمن مقبوض في مجلس العقد.
وهو جائز بالإجماع، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) [البقرة: ٢٨٢]، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» [البخاري ٢٢٤٠، ومسلم ١٦٠٤]، ولحاجة الناس إليه.
- مسألة: يتكون عقد السلم من:
١ - مشتر، ويسمى: المسلِمَ، أو يقال: رب السلم.
٢ - بائع، ويسمى: المسلَمَ إليه.
٣ - الثمن المقدم، ويسمى: رأسَ مال السلم.
٤ - المبيع المؤجل، ويسمى: المسلَمَ فيه، أو دَيْنَ السلم.
- مسألة: (وَيَصِحُّ السَّلَمُ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ) زائدة على شروط البيع؛ لأنه نوع من البيع:
الشرط الأول: (أَنْ يَكُونَ) السلم (فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ)؛ لأن ما لا تنضبط صفاته يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة، والمطلوب عدمها؛ (كَمَكِيلٍ) من حبوب وثمار وخلٍّ ودهن ولبن ونحوها، (وَنَحْوِهِ)؛ كموزون من
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قطن ونحاس، ومذروع من قماش ونحوه.
فلا يصح السلم فيما لا يمكن ضبط صفاته؛ كالجواهر واللؤلؤ والعقيق ونحوها؛ لأنها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء والصفاء.
(وَ) الشرط الثاني: (ذِكْرُ جِنْسِ) المسلَم فيه؛ كتمر، (وَنَوْعِـ) ـه، كعجوة، (وَ) ذكر (كُلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ غَالِبًا) اختلافًا ظاهرًا؛ كلونه وحجمه وبلده، (وَ) ذكر (حَدَاثَةٍ وَقِدَمٍ)؛ لأن السلم عوض يثبت في الذمة، فاشترط العلم به كالثمن، وطريقه: الرؤية أو الصفة، والأول ممتنع، فتعين الوصف.
- فرع: لا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأنه يتعذر، ولا ما لا يختلف به الثمن؛ لعدم الاحتياج إليه.
(وَ) الشرط الثالث: (ذِكْرُ قَدْرِهِ)، أي: المسلم فيه، بكيلٍ معهود في المكيلات ووزنٍ معهود في الموزونات، وبذرعٍ معهود في المذروعات، وعدٍّ في المعدودات يصح السلم فيه؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ»، ولأنه عوض غائب يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن.
فإن شرطا مكيالًا غير معلوم بعينه؛ لم يصح.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
- فرع: (وَلَا يَصِحُّ) السلم (فِي مَكِيلٍ) كالبر (وَزْنًا، وَ) لا (عَكْسِهِ)؛ بأن يُسلم بموزون كالحديد كيلًا؛ لأنه قدَّره بغير ما هو مقدَّر به، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنًا.
وعنه واختاره ابن قدامة: أنه يصح؛ لأن الغرض معرفة قدره وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي قدر قدَّره جاز، ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل بالكيل في المكيل، والوزن في الموزون شرط، ولا يعلم هذا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الشرعي، أما في السلم فلا يشترط العلم بالتساوي.
(وَ) الشرط الرابع: (ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ)؛ لحديث ابن عباس السابق، ويعتبر أن يكون الأجل له وقعٌ في الثمن عادة؛ (كَشَهْرٍ)؛ لأن السلم رخصة جاز للرفق، ولا يحصل إلا بالأجل، فإن انتفى الأجل انتفى الرفق.
وعلى هذا فلا يصح السلم في مسائل، منها:
١ - إن أسلم إلى أجل مجهول؛ كقدوم زيد، ونزول المطر ونحو ذلك؛ للتعليل السابق.
٢ - إن أسلم إلى أجل قريب كيوم ونحوه؛ لأنه لا وقع له في الثمن، إلا أن يسلم في شيء يأخذه منه كل يوم أجزاء معلومة؛ كخبز ولحم ونحوهما من كل ما يصح السلم فيه؛ إذ الحاجة داعية إلى ذلك.
وقال في الفروع: وليس هذا في كلام أحمد، والأظهر عدم اشتراطه؛ لإطلاق الأمر بالأجل.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
٣ - إن أسلم حالًّا؛ لحديث ابن عباس السابق، فأمر بالأجل كما أمر بالكيل والوزن، ولما روي عن ابن عباس ﵄: «أَنَّهُ كَرِهَ إِلَى الأَنْدَرِ - وهو البيدر بِلُغة أهل الشام -، وَالعَصِيرِ، وَالعَطَاءِ أَنْ يُسَلَّفَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ يُسَمِّي شَهْرًا» [عبد الرزاق ١٤٠٦٦، وفيه ضعف]، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه وهو السلم لتعجل أحد العوضين وتأخر الثاني، ويخرجه عن معناه؛ لأنه إنما شرع للحاجة الداعية إليه، ومع حضور الأجل لا حاجة للسلم.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح السلم حالًّا إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلا فلا، لأن عقد السلم الحال عقد من عقود المعاوضات، وعقود المعاوضات ليس من شرط صحتها التأجيل؛ كالبيع، وأما الحديث والأثر فلا دلالة فيه على اشتراط الأجل، وإنما دل على اشتراط العلم بالأجل إذا كان مؤجلًا، وأما كونه يخرجه عن اسمه ومعناه، فالعبرة بالعقود بحقائقها ومقاصدها، لا بألفاظها، وعلى هذا فيكون بيعًا.
(وَ) الشرط الخامس: (أَنْ يُوجَدَ) المسلَم فيه (غَالِبًا فِي مَحِلِّهِ) أي: وقت حلوله، باتفاق الأئمة، سواء كان موجودًا حال العقد أو معدومًا؛ لوجوب تسليمه إذًا؛ كما في حديث ابن عباس السابق: قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة والناس يسلفون في الثمر العامَ والعامين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ » الحديث، فلم ينه النبي - ﷺ - عن السلف في التمر أو الثمر السنة والسنتين، مع أنه ينقطع.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادرًا؛ لم يصح؛ لأنه لا يمكن تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه بيع الآبق وأولى.
- فرع: (فَإِنْ) أسلم إلى وقتٍ يوجد فيه غالبًا، فـ (تَعَذَّرَ) المسلَم فيه؛ بأن لم تحمل الثمار تلك السنة، (أَوْ) تعذر (بَعْضُهُ)؛ خُيِّر رب السلم بين (صَبْرٍ) إلى أن يوجد فيطالِب به؛ لأن العقد صحيح وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى بعيرًا فشرد قبل القبض، (أَوْ) أن يفسخ العقد في الكل إن تعذر الكل، أو يفسخ البعض المتعذر؛ لأن العقد صحيح، وفساد بعض المعقود عليه لا يوجب فسادَ الكل، كما لو باع صبرتين فتلفت إحداهما.
فإن فسخ (أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ)؛ لأن العقد إذا زال وجب رد المثل، فإن فسخ الكل رجع به كله، وإن فسخ البعض فبقسطه، هذا إن كان رأس المال موجودًا، فإن كان معدومًا رجع بعوضه؛ لتعذر رده، وعوضه: مثل مثلي، وقيمة متقوم.
(وَ) الشرط السادس: (قَبْضُ الثَّمَنِ) تامًّا، معلومًا قدره ووصفه؛ كالمسلم فيه، (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) من المجلس؛ استنبطه الشافعي من قوله ﷺ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ» أي: فليعط، قال: (لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه)، وحذرًا أن يصير بيع دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فيدخل تحت النهي.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
(وَ) الشرط السابع: (أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ (١) باتفاق الأئمة، (فَلَا يَصِحُّ) السلم (فِي عَيْنٍ)؛ كدارٍ، (وَلَا) في (ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ)؛ لحديث عبدالله بن سَلَام قال: قال رسول الله ﷺ: «بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ» [ابن ماجه ٢٢٨١، وفيه ضعف]، ولأنه ربما تلف المعين قبل أوان تسليمه.
وقيل: إن كانت العين حاضرة صح، ويكون بيعًا بلفظ السلم، فيقبض ثمنه فيه.
- مسألة: (وَ) لا يشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه ﷺ لم يذكره، ولأنه عقد معاوضة أشبه بيوع الأعيان، إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه، كبريَّة وبحر ودار حرب، فيشترط ذكره؛ لتعذر الوفاء في موضع العقد، ولكن (يَجِبُ الوَفَاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ) إن كان صالحًا للإقامة (إِنْ لَمْ يُشْرَطْ فِي غَيْرِهِ)؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، ويصح شرط الوفاء في غير مكان العقد؛ لأنه بيع، فصح شرط الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مُسْلَمٍ فِيهِ) لمن هو عليه أو غيرِه (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛
_________________
(١) قال البهوتي في شرح المنتهى (٢/ ٩٦): (ولم يذكره بعضهم استغناء عنه بذكر الأجل، إذ المؤجل لا يكون إلا في ذمة).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
لما روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» [أبو داود ٣٤٦٨، وابن ماجه ٢٢٨٣]، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه قبل قبضه كالمكيل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: أنه يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بشرطين:
١ - أن لا يربح فيه، فيبيعه بثمن المثل أو دونه، ولا يجوز بأكثر منه، قال ابن المنذر: «ثبت عن ابن عباس ﵄: «إِذَا أَسْلَفْتَ فِي طَعَامٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ، فَلَمْ تَجِدْ طَعَامًا، فَخُذْ مِنْهُ عَرَضًا بِأَنْقَصَ، وَلَا تَرْبَحْ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ» [عبد الرزاق ١٤١٢٠]، ولأن المانع من بيع الدين هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن كان ذلك بيعَ مقبوض بمقبوض، ولا يجوز بأكثر من قيمته؛ لأن دين السلم مضمون على البائع ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري على المسلم إليه بزيادة، فقد ربح المشتري فيما لم يضمن، وأما حديث أبي سعيد فأعله أبو حاتم وغيره.
٢ - التقابض إذا كان مما يجري بينهما ربا النسيئة، كما لو كان المسلم فيه برًّا فاعتاض عنه بشعير.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
- مسألة: (وَلَا) تصح (الحَوَالَةُ بِهِ) أي: بدين السلم، بأن يحيل المسلمُ إليه -وهو البائع- المسلمَ -وهو المشتري- بالمسلم فيه على آخر ليأخذه منه؛ لأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم تجز كالبيع.
(وَلَا) تصح الحوالة (عَلَيْهِ)، بأن يحيل المسلِم شخصًا آخرَ له عليه دين من جنس المسلَم فيه بذلك الدين على المسلم إليه ليأخذه منه، لأنها لا تصح إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ.
واختار ابن عثيمين: يصح أن يحال به وأن يحال عليه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» [البخاري ٢٢٨٤، ومسلم ١٥٦٤]، وأما كون الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر، فيأتي في الحوالة الخلاف فيه، على أن دين السلم مستقر؛ لأنه إذا تعذر تسليمه فللمسلِم الصبر أو الفسخ وأخذ الثمن كما تقدم.
- مسألة: (وَلَا) يصح (أَخْذُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ بِهِ)، أي: بدين السلم، كأن يُسلِم في بُرٍّ ويأخذ المسلِم رهنًا أو كفيلًا على ذلك، رويت كراهيته عن علي وابن عباس وابن عمر ﵃ [مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٣]، إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن حذرًا من أن يصرفه إلى غيره.
[ ٢ / ٢٨١ ]
وعنه واختاره ابن قدامة وابن عثيمين: جواز أخذ الرهن والكفيل بدين السلم؛ لقول ابن عباس ﵄: «لَا بَأْسَ بِالرَّهْنِ فِي السَّلَمِ» [مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٠١٥]، ولعدم المحظور في ذلك، ولأنه أحد نوعي البيع فجاز أخذ الرهن والكفالة به.
- مسألة: (وَلَا) يصح (أَخْذُ غَيْرِهِ) عوضًا (عَنْهُ) أي: غير المسلم فيه، وهي مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه، والفرق أن تلك بيعها بالنقود، وهذه بغير النقود؛ كأن يسلم إليه في بُرٍّ، فلما جاء الأجل اعتاض عنه شعيرًا، والخلاف فيه على ما تقدم.