الشركة: بوزن سَرِقَة، ونِعْمَة، وتَمْرَة.
وهي جائزة بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: ٢٤]، والخلطاء: هم الشركاء.
- مسألة: الشركة نوعان:
١ - شركة أملاك: وهي اجتماع في استحقاق؛ كثبوت الملك في عقار أو منفعة لاثنين فأكثر، بإرث أو هبة أو شراء أو نحوها.
٢ - شركة عقود: وهي اجتماع في تصرفٍ من بيع ونحوه، وهي المقصودة هنا.
- مسألة: (وَالشَّرِكَةُ) أي: شركة العقود (خَمْسَةُ أَضْرُبٍ):
الضرب الأول: (شَرِكَةُ عِنَانٍ)، سميت بذلك؛ لتساوي الشريكين في المال والتصرف، كالفارسين إذا سَوَّيا بين فرسيهما وتساويا في السير، (وَهِيَ: أَنْ يُحْضِرَ كُلُّ) واحدٍ (مِنْ عَدَدٍ) اثنين فأكثر، حال كونه
[ ٢ / ٣٥١ ]
(جَائِزَ التَّصَرُّفِ) فلا تصح مع نحو سفيه وصغير؛ لأنها عقد على تصرف في مال، فلم تصح من غير جائز التصرف كالبيع، (مِنْ مَالِهِ) فلا تصح من نحو مغصوب، (نَقْدًا) أي: ذهبًا أو فضة مضروبًا، (مَعْلُومًا) قدره وصفته، (لِيَعْمَلَ فِيهِ) أي: المال كله (كُلٌّ) من الشركين، أو يعمل فيه أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله؛ نظير عمله، (عَلَى أَنَّ لَهُ) أي: لكل واحد منهما (مِنَ الرِّبْحِ جُزْءًا مُشَاعًا مَعْلُومًا)؛ كالثلث والربع، ولو أكثر من نسبة ماله لقوة حذقه.
وعلم من التعريف أنه يُشترط لصحة شركة العنان أربعة شروط:
١ - أن يكون المال حاضرًا؛ لتقدير العمل وتحقيق الشركة، فلا تصح الشركة على مالٍ غائب، ولا على مالٍ في الذمة؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة.
واختار ابن القيم: جواز كون رأس مال الشركة دينًا؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، ولا دليل على المنع.
٢ - أن يكون رأس المال من النقدين - الذهب والفضة - المضروبين؛ لأنهما قِيَم الأموال وأثمان البياعات، فلا تصح من العروض ونحوها.
وعنه واختاره ابن عثيمين: يصح أن يكون رأس المال من العروض؛ لأن المقصود من الشركة التصرف في المالين، وكون الربح بينهما، وهو
[ ٢ / ٣٥٢ ]
حاصل في العروض، ولأن رأس المال في الشركة معلوم، وهو قيمة العروض، فكانت كالنقود.
ولكن تُقدَّر قيمته بالنقدين وقت عقد الشركة؛ ليرجع كل واحد منهما إلى قيمة ملكه عند فسخ الشركة.
٣ - أن يكون المال معلومًا؛ فلا تصح على مجهول؛ لأنه من الغرر.
٤ - أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا؛ كالثلث والربع، لأن الربح مستحق لهما بحسب الاشتراط، فلم يكن بد من اشتراطه كالمضاربة.
فإن شرطا لأحدهما جزءًا مجهولًا، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين أو إحدى السفرتين ونحوه؛ لم تصح الشركة؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره أو بالعكس، فيختص أحدهما بالربح، وهو مخالف لموضوع الشركة، ولحديث رافع بن خَدِيجٍ ﵁، لما سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة قال: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ» [مسلم: ١٥٤٧].
- ضابط: الربح في الشركة: على ما شرطاه، والوضيعة - وهي: الخسران- على قدر المالين بالحساب لا بالشرط؛ لأنها عبارة عن نقصان
[ ٢ / ٣٥٣ ]
رأس المال، وهو مختص بالقدر، فيكون النقص منه دون غيره، فلا يحمَّل أحدهما أكثر من خسارة ماله؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
- فرع: فإذا صحت الشركة فإنه ينفذ تصرف كل واحد منهما في المالين، بحكم الملك في نصيبه وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.
فلكلٍّ منهما أن يبيع ويشتري، ويقبض، ويطالب بالدين، ويخاصم فيه، ويحيل ويحتال، ويرد بالعيب، ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما.
الضرب (الثَّانِي: المُضَارَبَةُ) من الضرب في الأرض وهو السفر للتجارة، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وتسمى: قراضًا ومعاملةً.
وهي جائزة بالإجماع، ورويت عن عمر وعثمان [الموطأ ٢/ ٦٨٨]، وعلي [عبد الرزاق: ١٥٠٨٧]، وابن مسعود ﵃ [البيهقي: ١٢٠٦٩].
(وَهِيَ) أي: المضاربة (دَفْعُ مَالٍ) أي: نقد مضروب على ما تقدم، أو ما في معنى الدفع، بأن كان له عند إنسان نقد مضروب من نحو وديعة تحت يده، (مُعَيَّنٍ) لا مبهم، فلا يصح بنحو: ضارب بأحد هذين الكيسين، تساوى ما فيهما أو لا، (مَعْلُومٍ) لا مجهول، فلا يصح بنحو: ضارب بما في هذا الكيس من الدراهم وهو يجهله؛ لأنه لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل، (لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ) أي: في
[ ٢ / ٣٥٤ ]
هذا المال المدفوع، ولا بد أن يكون (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ) كما تقدم في شركة العنان.
- فرع: (وَإِنْ ضَارَبَ) عاملٌ في شركةٍ (لِـ) ـرب مالٍ (آخَرَ) في أثناء الشركة، فلا يخلو من حالين:
١ - إن ضارب العامل بالمال الثاني ولم يكن فيها ضرر على رب المال الأول: فيجوز؛ لانتفاء الضرر، وكذا إن أذن له الأول؛ لأن الحق له وقد أسقطه.
٢ - إن ضارب العامل بالمال الثاني (فَأَضَرَّ) اشتغاله به برب المال (الأَوَّلِ) ولم يأذن له: (حَرُمَ) ذلك؛ لأن الشركة تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنع ذلك.
(وَ) إن ضارب العامل بالمال الآخر مع ضرر الأول وعدم إذنه فربح فيه؛ (رَدَّ حِصَّتَهُ) من ربح الثانية (فِي الشَّرِكَةِ) الأولى؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول.
واختار شيخ الإسلام: أن رب المضاربة الأولى ليس له شيء من ربح المضاربة الثانية؛ لأنه لا عمل له فيهما ولا مال. قال ابن عثيمين: (ويكون العامل آثمًا بذلك).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
- فرع: (وَإِنْ تَلِفَ رَأْسُ المَالِ أَوْ) تلف (بَعْضُهُ) فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون التلف قبل التصرف: فتنفسخ المضاربة؛ لأنه مالٌ هلك على جهته قبل التصرف، أشبه التالف قبل القبض.
وإن كان التالفُ البعضَ؛ لم تنفسخ، وكان رأس مال الشركة هو الباقيَ خاصة.
٢ - أن يكون التلف (بَعْدَ) الـ (ـتَّصَرُّفِ): فلا تنفسخ المضاربة؛ لأن العامل دار في التجارة، وشرع فيما قُصد بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح.
ومثل التلف: ما لو تعيب المال، أو نزل السعر، (أَوْ خَسِرَ) في إحدى سلعتين أو سفرتين، فلا تنفسخ أيضًا.
ولا يخلو التلف والخسران حينئذ من حالين:
الحال الأولى: أن يكون بعد قسمة المال، أو بعد تنضيضه - والتنضيض: التصفية، بأن يقلب العروض إلى مال - مع المحاسبة، فإذا احتسبا وعلما مالهما، لم يجبر الخسران من الربح، تنزيلًا للتنضيض مع المحاسبة منزلة المقاسمة.
الحال الثانية: أن يكون قبل قسمة المال، وقبل تنضيضه مع المحاسبة: فيجب (جَبْرُ) ذلك (مِنْ رِبْحِ) الشركة؛ ولا يستحق العامل شيئًا إلا بعد كمال
[ ٢ / ٣٥٦ ]
رأس المال؛ لأنها مضاربة واحدة، قال ابن قدامة: (بلا خلاف)، وأشار إلى ذلك بقوله: (قَبْلَ قِسْمَةٍ) أي: قسمة الربح بين العامل ورب المال.
الضرب (الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الوُجُوهِ)، سميت بذلك؛ لأنهما يعاملان فيها بوجههما أي: جاههما، والجاه والوجه واحد.
(وَهِيَ) أي: شركة الوجوه: (أَنْ يَشْتَرِكَا فِي رِبْحِ مَا يَشْتَرِيَانِ فِي ذِمَمِهِمَا) من غير أن يكون لهما مال، (بِجَاهَيْهِمَا)، أي: بوجوههما وثقة التجار بهما، فما ربحاه فهو بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما، وتصرفهما في نحو بيع وخصومة وإقراض؛ كشريكي عنان؛ لأنها في معناها.
- فرع: (وَكُلُّ) واحد من الشريكين في شركة الوجوه (وَكَيِلُ الآخَرِ وَكَفِيلُهُ بِالثَّمَنِ)؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة.
الضرب (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ)، سميت بذلك؛ لاشتراكهما في عمل أبدانهما، (وَهِيَ) نوعان:
الأول: (أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَتَمَلَّكَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ مُبَاحٍ؛ كَاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ)؛
[ ٢ / ٣٥٧ ]
كاحتطاب، واحتشاش، وسلب من يقتلانه بدار حرب، فتصح هذه الشركة؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ أَجِئ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ» [أبو داود: ٣٣٨٨، والنسائي: ٣٩٣٧، وابن ماجه: ٢٢٨٨]، قال أحمد: (أشْرَك بينهم النبيُّ ﷺ).
الثاني: أشار إليه بقوله: (أَوْ) يشتركا فيما (يَتَقَبَّلَانِ) بأبدانهما (فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ؛ كَخِيَاطَة)، وحدادة، ونجارة، ونحوها، (فَمَا تَقَبَّلَهُ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُمَا عَمَلُهُ وَطُولِبَا بِهِ)؛ لأن مبنى شركة الأبدان على الضمان، فكأنها تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه.
- فرع: (وَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الشريكين في شركة الأبدان (العَمَلَ لِعُذْرٍ) ككونه مريضًا أو مسافرًا أو غيرَه، (أَوْ لَا) لعذر بأن كان صحيحًا حاضرًا؛ (فَالكَسْبُ بَيْنَهُمَا) على ما شرطا؛ لعموم حديث عبد الله بن مسعود ﵁ السابق، ولأن العمل مضمون عليهما، وبضمانهما له وجبت الأجرة، فتكون لهما، ويكون العامل منهما عوضًا لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه.
وفي وجه اختاره ابن عثيمين: إن ترك العمل لغير عذر لا يكون الكسب بينهما، وإنما يختص بالعامل؛ لأن الشريك ترك العمل بغير عذر، فانفرد الآخر بالكسب.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
- فرع: (وَيَلْزَمُ مَنْ عُذِرَ) من الشريكين في ترك عمل مع شريكه، أو ترك العمل من غير عذر، (أَوْ لَمْ يَعْرِفِ العَمَلَ)؛ كحداد، ونجار؛ التزم أحدهما عملًا لا يعرفه الآخر، فيلزمه (أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ) من ينوب عنه في العمل؛ لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذر عليه العمل بنفسه لزمه أن يقيم غيره مقامه توفية للعقد بما يقتضيه، ومحله إذا كان (بِطَلَبِ شَرِيكٍ) له، فإن لم يطلبه أن يقيم مقامه أحدًا في العمل لم يلزمه؛ لأن الشريك أسقط حقه.
الضرب (الخَامِسُ: شَرِكَةُ المُفَاوَضَةِ)، وهي لغة: الاشتراك في كل شيء، (وَهِيَ) شرعًا قسمان:
القسم الأول: صحيح، وهو نوعان:
الأول: (أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ) واحد من الشريكين (إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) وبدني، من شركة عنان وغيرها من أنواع الشركة؛ بيعًا وشراءً ومضاربةً وتوكيلًا ومسافرةً بالمال وارتهانًا وضمانَ ما يرى من الأعمال: فيصح؛ لأن الأصل الحل، ولأن كل واحدة منها تصح مفردة فصحت مجتمعة.
(وَ) الثاني: أن (يَشْتَرِكَا فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا: فَتَصِحُّ إِنْ لَمْ يُدْخِلَا فِيهَا كَسْبًا نَادِرًا)؛ لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة المتقدمة.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
- فرع: الربح في شركة المفاوضة على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال؛ لما سبق في شركة العنان.
القسم الثاني: أن يُدخِلا في شركة المفاوضة كلَّ كسب نادر؛ كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ما يحصل من ميراث، وكل ما يلزم أحدهما من ضمان غصب وأرش جناية: فالعقد فاسد؛ لما فيه من كثرة الغرر.
- فرع: (وَكُلُّهَا) أي: أضرب الشركة الخمسة (جَائِزَةٌ) من الطرفين لكل منهما الفسخ، وتقدم في فصل الوكالة.
- فرع: (وَلَا ضَمَانَ) على أحد الشريكين في تلف ما بيده من ثمن وغيره (فِيهَا) أي: في أضرب الشركة الخمسة (إِلَّا بِتَعَدٍّ) منه (أَوْ تَفْرِيطٍ)؛ لأنه قبض المال بإذن مالكه، فهو وكيل عنه، والوكيل أمين، فإن تعدى أو فرط ضمن، وتقدم في الوكالة.